شاكرين المولى على أننا غير متّهمين... دعِ البنزين يرتفع سعرُه

الأحد 15 ديسمبر 201912:02 م

أذهب يومياً إلى مدرسة ابنتي لأحضرها من المدرسة، وأقف ربع ساعة أنتظر خروجها. أقضي الوقت حتى خروجها في قراءة عشرات الملصقات على جدران المدرسة: "خانُم زغبي سائقة ذات خبرة عشرين سنة"؛ "خانم رحيمي خبرة كبيرة في توصيل أطفالكم". تزدحم الملصقات في بداية السنة الدراسية، ثم يتوقف أصحابها عن إلقاصها.

أخذتُ أبحث عن صاحبات الملصقات. إنهن بالعشرات. وجدتُ بينهن اثنتين تحترمان قواعد السير. ومع اقتراب الساعة 12 ظهراُ، تنطلق السيارات بالأطفال بسرعة جنونية. السائقات يتحدثن بالهواتف (خفّت الاتصالات بعد انقطاع شبكة الانترنت في إيران)، وترقص التلميذات على وقع موسيقى خارجة من مكبرات صوت السيارات. تريد كلّ السيارات الوصول إلى جهتها بسرعة، لذلك حين ترى/يرى السائقة/السائقُ التلامذةَ يريدون العبور، يزيدون سرعة سيارتهم لقطع الطريق، والعبور قبلهم. كأنّ الأمر حياة أو موتُ من سيعبر أولاً. عليهم التغلب على الوقت، والأطفال يقفون حائلاً بينهم وبين الفوز.

يموت ما يقارب 2000 تلميذاً وتلميذة في إيران سنوياً في حوادث السير (كما ينقل موقع عصر إيران). وبعد أن تركزت أنظار عوائل التلامذة على السائقات وتهورهنّ، قامت السائقات بحرف أنظار عوائل التلامذة إلى مشكلة أكبر: زيادة سعر الأجرة بسبب ارتفاع سعر البنزين، وحارس المدرسة الأفغاني. و"الأفغاني" تعني عند الإيرانيين الجريمة والقتل والسرقة والاعتداء الجنسي!

لم تنقضِ أيام وإذا بحارس المدرسة يُطرَد. رغم أنه ليس أفغانياً، بل ملامح وجهه قريبة جدّاً من الأفغان. وحلّ مكانه حارس يتعامل مع الأطفال كما يتعامل السيّاقُ مع المشاة. يصرخ بهم ويلعنهم أمام المدرّسات والآباء والأمهات. ولكن لا أحد يجرأ على ردعه، خوفاً من عودة "الأفغاني".

لم تحصل عائلة آس على اعتذار، بل كانت شاكرة على تركِها تعود إلى لبيت مع ابنها من غير تهمة إزعاج السلطات. كذلك نفعل نحن في كلّ يوم؛ نعود إلى البيت مع أطفالنا شاكرين المولى على أننا غير متّهمين!

لم أستغرب الخبر الذي نشرته في عددها اليوم صحيفة "هفت صبح" الإيرانية عن حامد آس، ابن ال19 عاماً. فقد خرج حامد من مدينة "مِهر ملكشاهي" الواقعة في محافظة إيلام، غربي إيران، ليزور الإمام الرضا الواقع مرقده في مدينة مشهد، شرقي إيران، وأثناء عبوره من مدينة "خُرَّم آباد" وشرطتها المعروفة بتشدّدها، وقع في قبضة المخفر رقم 12، وكانت تهمته أنه أفغاني. ثمّ رحّل إلى معسكر "إبراهيم آباد" الواقع في مدينة "أراك" وسط إيران، والمخصص لترحيل الأفغانيين إلى وطنهم.

مما فاقم الأمر على حامد أنه أخرس وأصم. اعتقدت الشرطة الإيرانية أنه يحتال عليها في تمثيل دور الأخرس والأصمّ، وتأكدت أنه لن يخدعها بتمثيل هذا الدور. فسارعت في إجراءات ترحيله، وأصدر المدعي العام أمرَ الترحيل. وشرح المدير العام لأمور الأجانب في محافظية "أراك" بقوله: حين يحدّد الأشخاص، ويصل عددهم ما يكفي لحافلة، نعيدهم إلى بلادهم.

واكتفى رئيس شرطة مدينة "تابياد" العقيد علي أكبر قرباني بأن قال: نظراً إلى الشباهة الكبيرة بين حامد والأفغانيين، رحّل من إيران إلى أفغانستان، لكن الشرطة أعادته بعد تحرّي الأمر.

وليست هذه المرّة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الأخطاء ففي العام 2017 قبضت الشرطة الإيرانية على "قاسم رضائي"، واعتقدت أنه أفغاني فرحّل إلى أفغانستان. واتضح أنّ قاسم مصاب بجروح خلال الحرب الإيرانية العراقية ويعاني من أزمة نفسية

ووصل حامد بعد أيام إلى مدينة "هَرات" الأفغانية، وتعرّف هناك على شخص ليأخذه إلى العاصمة كابول ليعمل في مشغل، ثمّ ذهب إلى مدينة "نيمْروز" للعيش هناك. وبعد بحث أبي حامد وأخيه وجدا خيوطاً تأخذهم إلى أفغانستان، ليسافرا ثمّ يعودان به.

وطلب العقيد قرباني من العوائل أن يحملوا بطاقاتهم مهما كانت الظروف، والأهمّ الخضوع لأوامر الشرطة. وكان حامد آس، يحمل هاتفه الذكي معه، وفيه أرقام عائلته وصورهم.

وليست هذه المرّة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الأخطاء ففي العام 2017 قبضت الشرطة الإيرانية على "قاسم رضائي"، واعتقدت أنه أفغاني فرحّل إلى أفغانستان. واتضح أنّ قاسم مصاب بجروح خلال الحرب الإيرانية العراقية ويعاني من أزمة نفسية. وبعد سفر عائلته إلى أفغانستان، وجدوه ميتاً وسط شتاء قارس.

لم تحصل عائلة آس على اعتذار، بل كانت شاكرة على تركِها تعود إلى لبيت مع ابنها من غير تهمة إزعاج السلطات. كذلك نفعل نحن في كلّ يوم؛ نعود إلى البيت مع أطفالنا شاكرين المولى على أننا غير متّهمين!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard