منامات وأدلة من علم الغيب... روايات أسطورية رافقت غزو السلطان سليم الأول لمصر

الثلاثاء 10 ديسمبر 201905:05 م

رغم أن غزو العثمانيين لمصر عمل سياسي عسكري بحت له أسبابه العقلانية والواقعية المرتبطة بشبكة مصالح السلطنة، إلا أنه لم يخلُ من الارتباط بقصص خيالية راحت تقدّم مبررات لهذا الفعل على شكل نبوءات وأعمال خارقة.

وظهور هكذا قصص خيالية ليس غريباً عن الأحداث السياسية الكبرى في التاريخ العربي-الإسلامي وفي التاريخ العثماني، وعدا كونه تعبيراً عن ثقافة لم تكن شبيهة بعقلانية عصرنا الحالي، فهو أسلوب استُخدم لإضفاء هالة من القدسية على بعض الشخصيات التاريخية.

أسباب حقيقية

وقفت أسباب واقعية عدّة وراء إقدام السلطان سليم الأول على غزو مصر، منها إيواء المماليك للأمراء العثمانيين الفارين في فترات النزاع على العرش العثماني، ما أثار غضب السلاطين في الآستانة وقلقهم من إمداد المماليك لهؤلاء الأمراء بجيوش لمحاربتهم، حسبما ذكر الدكتور أحمد فؤاد متولي في كتابه "الفتح العثماني للشام ومصر ومقدماته من واقع الوثائق والمصادر التركية والعربية المعاصرة له".

وشهدت العلاقة بين العثمانيين والمماليك أيضاً توترات على خلفية تصارعهما على النفوذ في مناطق الأناضول الجنوبية الشرقية والمناطق الواقعة شمال الشام، إذ سعى كل منهما إلى تعيين أمير موالٍ له في الإمارات الواقعة في هذه المناطق.

لكن ما أغضب السلطان سليم أكثر كان تحالف المماليك السنّة مع الصفويين الشيعة في إيران ضد السلطنة، رغم هشاشته، إذ لم يخض الطرفان معاً معارك ضد العثمانيين، ربما بسبب التناقض بين الدولتين المملوكية والصفوية وخشية المماليك من أن ينتصر الصفويون فيكون ذلك وبالاً عليهم، لا سيما أن الصفويين كانوا يعملون على نشر مذهبهم الشيعي بشتى الوسائل. وبحسب متولي، ربما اتفق المماليك مع الفرس خشية أن يهاجمهم العثمانيون، فيهب الصفويون لنجدتهم.

على كلٍ، قضى السلطان سليم على الخطر الصفوي، وبدأ يغير على الإمارات التابعة للمماليك في الأناضول ويستولي على بعضها، وينصب للحكم في بعضها الآخر مَن يشاء، فقد أراد أن يؤمّن مؤخرته قبل البدء في الصدام الكبير مع المماليك.

قبر الرسول

رغم ذلك، مُزج الغزو بجو أسطوري عبر حكايات أوردها الرحالة التركي أوليا چلبي في كتابه "سياحتنامه مصر" الذي ترجمه إلى العربية الدكتور الصفصافي أحمد القطوري بعنوان "الرحلة إلى مصر وبلاد السودان والحبشة".

من هذه الحكايات واحدة قال إنها جرت في أعقاب هزيمة الأمير سليم على يد جيش أبيه السلطان بايزيد في أدرنة، عام 1511، عندما أعلن الأول عصيانه لوالده وتحرك للظفر بكرسي السلطنة. يروي أن الأمير سليم انطلق متنكراً في رحلة سياحية، فوصل إلى بغداد، وهناك التحق بحجاجها متجهاً إلى الكعبة، ثم التحق بحجاج مصر وذهب معهم لزيارة الحرم النبوي في المدينة المنورة.

وبحسب چلبي، تمسك سليم بالشباك النبوي وصاح صيحة قوية مزقت قلوب الناس قائلاً: "يا رسول الله إنك خلفت في الدنيا ما سُمي الناموس المحمدي فما هذا الناموس المحمدي الذي يجعلك تنام هكذا بين كفرة الجراكسة المصريين (كانت الحجاز خاضعة للمماليك وقتها)، وهل هذا يعد ناموساً؟ ها أنا أعطيك عهداً وميثاقاً إن يسّر الله لي ببركتك فتح مصر أن أجعل بلاد مصر كلها وقفاً عليك، وأبني بها قلاعاً، وأرسل كل سنة لأمتك الكساوى والصرة وسائر العطايا والهدايا".

قال هذا وتضرع وابتهل وبكى وأبكى كثيرين، ثم كرر هذا التضرع والابتهال سبع مرات، وإذ بشخص متشح بملابس رثة يقول من تحت شباك الرسول: "يا سليم أنا كفيل لك وضامن، فاذهب إليها وقم بعملك كما تريد وإياك وظلم العباد والتعدي عليهم، وعليك بمراعاة علماء مصر"، ثم أشار بيده قائلاً ومكرراً لفظ "رح... رح".

وفي الوقت نفسه، ارتفع صوت من القبر الشريف يقول: "دستور يا سليم، دستور يا سليم"، فحمد سليم الله عند ذلك، ورافق حجاج مصر حتى وصلها بعد أربعين يوماً ونزل في تكية "ميمندي" في القرافة الكبرى في القاهرة.

ولما زار سليم أبا السعود الجارحي ومرزوق الكفافي، وكانا من علماء مصر، سلم عليهما سلاماً حاراً، فرد الجارحي عليه بقوله "عليك السلام يا صاحب رسول الله ويا حاكم الحرمين الشريفين وحاكم مصر، سلامتك يا سليم... رُح بالعجل إلى بلاد الروم". وكذا أظهر الكفافي الكرامة وكشف عن الحال فقال بالتركي ما معناه "عجّل بالعودة، وتسلم عرش السلطنة، ثم أسرع في غزو بلاد العجم، وبعد هذا تعال إلينا حينما ندعوك، ولا تقم الآن بمصر".

نداء العلماء

تغيّرت الأمور واستطاع سليم تولي العرش بعد عزل والده وقتل إخوته. حينذاك، كما يروي چلبي، كان المصريون يُضطهدون على أيدي المماليك، ما اضطر جمعاً من كبار أولياء الله للحضور إلى ساحة أبي السعود الجارحي ومرزوق الكفافي وبث شكواهم إليهما.

بادر الشيخان لعقد مجلس من العلماء والصالحين للتشاور قائلين: "إنْ أعطيت مصر للمغاربة فإن بلادهم بعيدة عنها لا يستطيعون القدوم إليها سريعاً للتصرف فيها، وإن وقعت تحت أمر العجم (يقصدون الشيعة) فإن في عقيدتهم ومذهبهم لشبهة وريباً، وإذا عادت إلى حكم الأكراد (يقصد الأيوبيين) فليس لدولتهم دوام ولا ثبات، فهيا إذن نستعين بآل عثمان الذين هم مسلمون موحدون، فضلاً عن تقديرهم للعلماء، وتفضيلهم الصلحاء، وتقريبهم المشايخ وأهل الشريعة السمحة وأصحاب السيف والعلم، مما جعلهم ينتصرون وينالون الظفر بالعدو أينما توجهوا وكيفما شاؤوا".

عند ذلك، قام كل من أبو السعود الجارحي ومرزوق الكفافي وصاحا قائلين: "يا سليم تعال... يا سليم تعال"، روى چلبي.

كان هذا يحدث والسلطان سليم جالس مع وزرائه في مشتى أماسية (مدينة تركية)، فإذ بالصدر الأعظم سنان باشا ويونس باشا يدخلان المجلس فجأة ويقولان: "يا سلطاننا قد سمعنا ثلاث مرات لفظ يا سليم تعال فما معنى هذا؟"، فقال السلطان "إننا ذهبنا إلى مصر، وقد كشف الله الغطاء عن أبي السعود الجارحي ومرزوق الكفافي فقالا لي: ‘يا سليم اجلس على تخت أبيك، واحضر إلى مصر حينما ندعوك إليها’، فما استمعتما الآن من الأصوات والنداءات ما هي إلا نداء هؤلاء المشايخ، عجلوا إذن بالزحف إلى مصر".

ضريح أمير سلطان

لم تتوقف الروايات التي رواها چلبي عند هذا الحد. يروي أنه أثناء مسيره إلى مصر ذهب السلطان سليم لزيارة ضريح الولي أمير سلطان في بورصة (مدينة تركية)، وحينما دخل قال: "السلام عليكم يا أهل القبور"، فارتفع صوت من قبره يقول "عليكم السلام يا صاحب السيف والقلم، ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. هيا تقلد سيف الغيرة والحماسة وتوجه على تلك الجهة".

وما كاد السلطان يسمع ذلك، حتى تناول السيف وعاد إلى قصره وبادر إلى دعوة العلماء ومفتي المذاهب الأربعة لديه، وطلب منهم الفتوى الشرعية بجواز الزحف إلى مصر وفتحها.

أغرب الروايات المرافقة لغزو السلطان سليم لمصر هي تلك التي سردها الرحالة التركي أوليا جلبي عنه أثناء مكوثه في الشام. يروي أنه انشغل بعلم الجفر الذي يبحث في معرفة الغيب والمستقبل اعتماداً على دلالات الحروف...
رغم أن غزو العثمانيين لمصر عمل سياسي عسكري بحت له أسبابه العقلانية والواقعية المرتبطة بشبكة مصالح السلطنة، إلا أنه لم يخلُ من الارتباط بقصص خيالية راحت تقدّم مبررات لهذا الفعل

مقام النبي داود

عندما وصل السلطان سليم إلى سهل مرج دابق، على مقربة من كلس (تقع على الحدود السورية التركية)، أقام معسكره فيه، فتقدّم إليه درويش وقال له: "إذا أردت النصر والظفر بعدوك فعليك أن تذهب إلى مقام داود الذي هزم جالوت بإذن الله تعالى وأمره، فتسند ظهرك إليه قبل مجيء (السلطان المملوكي قانصوه) الغوري، وترى حينئذ كيف يتجلى الإله عليك بالنصر المبين، لأن ذلك المكان مبارك ومظهر من المظاهر الإلهية".

قال الدرويش هذا ثم غاب بغتة كما ظهر بغتة، ولا يتضح من كتاب چلبي إذا ما كان السلطان قام بذلك، ولكننا نعرف أنه انتصر على المماليك في معركة مرج دابق.

ابن عربي في المنام

حكاية غريبة رواها چلبي محدداً زمانها بأنه عقب استيلاء القوات العثمانية على الشام، بعد الانتصار على المماليك في موقعة مرج دابق عام 1516، إذ اتجه مرافق سليم العالم الشهير أحمد بن سليمان بن كمال باشا للتنقيب في الكتب التي وقعت تحت يديه، فوجد رسالة للصوفي محيي الدين بن عربي فيها عبارة "إذ جاء السين ودخل الشين ظهر مرقد الميم".


محيي الدين بن عربي

من هذه العبارة استخرج كمال أن "السين" إشارة إلى سليم، و"دخل الشين" يدل على أن سليم يدخل الشام، و"ظهر مرقد الميم" تعني أن قبر محيي الدين هو الذي سيظهر، بيد أن سليم لم يؤمن بهذه الرموز، وقال: "هيا بنا نركب تواً ونذهب لزيارة محيي الدين ونُظهر قبره للعيان". لكنه لم يصل للقبر الذي كان مكانه مجهولاً حتى لأهل الشام أنفسهم.

تألم سليم لذلك، فجاءه ابن عربي في منامه يقول له: "يا سليم! كنت منتظراً قدومك إلى الشام فمرحباً بك يا سليم! أبشر قد يسر الله لك غزو مصر وفتحها، فعليك أن تركب غداً صهوة جواد أسود من إسطبلك العامر، فهو الذي يأتي بك ويرشدك إلى قبري، ثم تبادر إلى نقلي وإنقاذي من أرض المذلة والمهانة، وتبنى لي ضريحاً وتربة عظيمة في الصالحية، وتبني بجانبها جامعاً ومدرسة... وبعد ذلك كله تنصرف لمهمتك التي جئت لأجلها، فالله مؤيدك وناصرك في فتح مصر".

استيقظ سليم خان من نومه وبادر إلى طلب الحصان الأسود، فقيل له ليس هنالك حصاناً بهذا الوصف، ولكنه ألح في طلبه هذا وأصر، حتى وجدوا له بغلة نحيفة جرباء هزيلة ينطبق عليها الوصف، فاعتنوا بها حتى جعلوها جواداً أصيلاً مسرّجاً بسرج يليق بركوب السلطان، فركبها سليم ولجامها على غاربها لتذهب كما تريد.

توجهت الدابة نحو الصالحية وصعدت كومة من الزبل والأوساخ ووقفت عليها، وأخذت تحفر في الأرض بحوافرها بكل لهفة وشدة، حتى ظهرت صخرة مربعة الشكل عظيمة عليها عبارة منقوشة بخط كوفي جميل "هذا قبر محيي الدين". فأمر السلطان سليم بإزالة الأقذار وتطهير المكان، ثم شرع في بناء ما طلبه منه ابن عربي.

وبحسب الرحالة التركي، فالظاهر أن القبر دُفن في الزبل وطُمر لأن الناس قديماً ما عرفوا قيمة كتب الصوفية وما فهموا مزاياها حينذاك فكفّروه، واتخذوا قبره الشريف مزبلة وكوموا الأقذار والأتربة عليه حتى ضاعت معالمه.

علم الجفر

أما أغرب الروايات المرافقة لغزو السلطان سليم لمصر، فهي تلك التي سردها الرحالة التركي أثناء مكوث سليم في الشام. يروي أنه انشغل بعلم الجفر الذي يبحث في معرفة الغيب والمستقبل اعتماداً على دلالات الحروف، وذات يوم سأل الشيخ ناصر الطرسوسي أحد مَن لديهم إلمام بهذا العلم: "هل أكون يوماً من الأيام من الذين يتيسر لهم فتح مصر أو أموت من جراء منافسة المنافسين وغيرتهم الممقوتة؟"، فأجاب الشيخ "بشرى لك يا مولاي، إن سيدنا علياً قد شهد لك وصرح في حضرة الرسول بأن آل عثمان سيمتلكون مصر، حيث ورد في الأثر 'قال سيدنا علي كرم الله وجهه لا بد أن سليم آل عثمان يملك الروم والعجم ثم يملك جزيرة العرب’، والغرض من جزيرة العرب هي جزيرة مصر لأن ‘طوطيس’ من ملك القبابطة حينما أجرى نهر النيل إلى بحر السويس صارت مصر جزيرة وأطلق عليها اسم جزيرة مصر".

وقال عالم آخر: يا سليم، إن الله أظهر في القرآن الكريم أنك فاتح مصر، حيث استخرجه الإمام علي فأخبر به الحسين، فنقله زين العابدين، فنقله إلى السري السقطي، ومنه روى الجنيد البغدادي، لأن كل حرف من حروف القرآن إشارة ورمز إلى المستقبل وما سيأتي به من الأحداث حتى يوم القيامة، والآية التي تدل على ذلك "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون".

وشرح العالم، أن لفظ "ولقد" تساوي 140، واسم سليم 140 فيكون المراد من "ولقد" هو "سليم"، ولفظ "ذكر" يساوي 920، و"من بعد الذكر" معناها بعد 920، ما يعني أنك ستكون أنت فاتح مصر بعد 920 عاماً، أما "الأرض يرثها" فيقصد بها مصر لأنها جاءت معروفة بالألف واللام، وبدون الألف واللام فإنها تعني مطلق الأرض، و"عبادي الصالحون" يعني أن "الله سبحانه وتعالى قد اعتبرك وعدّك من عباده الصالحين الوارثين لأرض مصر، فهذه البشرى كافية لك فاذهب إلى قصدك والله معينك وظهيرك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard