"الحب ليس جريمة"... عريضة حقوقية تطالب البرلمان المغربي بإلغاء تجريم "العلاقات الرضائية"

السبت 7 ديسمبر 201908:37 م

"الحب ليس جريمة". تحت هذا الشعار قدّمت حملة "خارجة عن القانون" المغربية، في السادس من كانون الأول/ ديسمبر، عريضة إلى البرلمان تلتمس من خلالها "إلغاء تجريم كل الأفعال التي تندرج في إطار الحريات الفردية، والمنصوص عليها في القانون الجنائي المغربي".

ودعت الحركة التي انطلقت في أيلول/ سبتمبر الماضي إلى توقيع هذه العريضة التي حُرّرَت أسطرها تحت عنوان "من أجل ضمان احترام المبادئ الدستورية في القوانين، ورفع القيود عن الحريات"، لافتةً إلى أنها "قد تكون تاريخية".

هي عريضة "مفتوحة على الإنترنت بهدف بلوغ 5000 توقيع، على الأقل، وهو السقف المحدد قانونياً من أجل أخذها بعين الاعتبار"، بحسب بلاغ لـ"ائتلاف 490" الذي يقف خلف الحملة.

وأشار "ائتلاف 490" الذي يسمّيه البعض حركة "خارجة عن القانون"، إلى تلقيه مئات الشهادات التي تؤكد "صعوبة تحقيق الذات والتفتح في المغرب"، بسبب القوانين السالبة للحريات بالأساس.

يأتي اسم الائتلاف المذكور من الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي، والذي ينص على المعاقبة على إقامة علاقات رضائية بين البالغين، وعلى أن "كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية. تكون جريمة الفساد ويُعاقَب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة".

وقال المتحدث باسم الائتلاف يوسف الشاوي لرصيف22 إن هذه المبادرة تهدف إلى حذف الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي، وسبعة فصول أخرى تمس بالحريات الفردية.

وأشار إلى أنه "بفضل تفاعل العديد من المواطنات والمواطنين استطعنا فتح نقاش الحريات الفردية، وتحرير الكلمة التي لطالما ظلت قيد التعتيم"، وأضاف: "نرى اليوم أنه حان الوقت للانتقال إلى مرحلة التشريع"، من خلال تقديم العرائض إلى السلطات العمومية، والإسهام في مناقشة قوانين البلاد وإصلاحها.

وبخصوص شعار "الحب ليس جريمة"، يقول الشاوي: "أطلقنا على الحملة هذا الشعار لأننا نعتقد أن الحب ليس جريمة، وأنه ليس من العادي والطبيعي الزج بشابة في السجن لأنها اختارت الحب أو الإجهاض".

وكان الائتلاف قد بدأ حملةً على مواقع التواصل الاجتماعي منذ تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، لحث المواطنين على تبني العريضة، وذلك بعد شهرين منذ تأسيسه، تزامناً مع ملاحقة الصحافية المغربية هاجر الريسوني بتهمتي "العلاقة الجنسية خارج الزواج" و"الإجهاض".

ولفت الشاوي إلى أن التفاعل مع العريضة خلال أول 24 ساعة من إطلاقها "كان فوق كل التوقعات"، إذ وقّع عليها "المئات من المغاربة المسجّلين في اللوائح الانتخابية".

شروط تعجيزية

شدّدت حملة "خارجة على القانون" في البلاغ الذي نشرته على الموقع الرسمي للائتلاف على "ضرورة التسجيل في اللوائح الانتخابية" من أجل التوقيع على العريضة، وتعبئة الاستمارة عبر بوابة إلكترونية تابعة للجنة العرائض في مجلس النواب.

ويشترط القانون في المغرب أن يكون أصحاب العريضة متمتعين بالحقوق السياسية والمدنية، ومسجّلين في اللوائح الانتخابية العامة، وتُقابَل العريضة بالرفض في حال عدم الالتزام بهذا الشرط.

يحصل ذلك في ظل عزوف كثيرين من المغاربة على المشاركة في الانتخابات، نتيجة فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة، بل ويفضلون، وخاصة الشباب منهم، مقاطعة الانتخابات وعدم التسجيل في اللوائح الانتخابية.

في هذا الصدد، يعتبر يوسف الشاوي أن الشرط يتضمن خللاً حقيقياً، لأن أغلب الشباب "غير مسجلين في اللوائح الانتخابية"، مبدياً أمله في تجاوز هذا العائق "حتى يصير بإمكانهم على الأقل ممارسة هذا الحق".

ومن جهتها، اعتبرت الحقوقية المغربية لطيفة البوحسيني أن شروط تقديم المواطنين في المغرب للعرائض والملتمسات "شروط تعجيزية أفرغت مبادئ الديمقراطية التشاركية التي جاء بها الدستور المغربي من مضمونها".

وقالت البوحسيني لرصيف22 إن هذه الشروط "طريقة للي اليد، وتعجيز المواطنين عن المساهمة والتعاطي بمسؤولية مع القضايا التي يعيشونها في المجتمع"، مشيرةً إلى أن مثل هذه الشروط "تؤخر عجلة التقدم"، وفي نفس الوقت "تساهم في تأزيم الوضع والتضييق، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى انفجار".

لأن "العلاقات الرضائية بين ناضجَين، ربما في انتظار الظروف الملائمة للزواج، صارت واقعاً يفرض نفسه، بل ويُرى بالعين المجردة بعيداً عن الكتمان"... ناشطون مغاربة يقدّمون عريضة للبرلمان تطالب بـ"إلغاء تجريم كل الأفعال التي تندرج في إطار الحريات الفردية"
نشطاء مغاربة يضعون عريضة في البرلمان تلتمس إلغاء تجريم كل ما يرتبط بـ"الحريات الفردية"، ضمن حملة شعارها "الحب ليس جريمة"

وفي ظل ما أسمته المتحدثة "نكوصاً وتراجعاً على كل المستويات"، ترى أن يتم تقديم العريضة المطالِبة بإلغاء تجريم الأفعال المتعلقة بالحريات الفردية "حتى يتضح بشكل جلي غياب إرادة الدولة في تفعيل مقتضيات الدستور" من جهة، ومن جهة ثانية، ستدفع العريضة برأيها بشكل قوي في اتجاه النقاش العمومي حول "تجريم العلاقات الرضائية، وأيضاً عرقلة تطبيق القانون المتعلق بتقديم العرائض".

ولفتت إلى أن رفض العريضة سيكون فرصة ليتضح جلياً "أن هناك جهات لا مصلحة لها في التقدم والسير باتجاه تفعيل الدستور بالروح التي أتى بها في سياق الحراك المغربي عام 2011".

وخرج المغاربة تزامناً مع ثورات الربيع العربي في احتجاجات انطلقت يوم 20 شباط/ فبراير 2011، أسفرت على إعلان ملك البلاد محمد السادس دستوراً جديداً، تفاعلاً مع الشارع المغربي، وتمّ التصويت لصالحه في استفتاء أجري في الأول من تموز/ يوليو 2011.

تجريم العلاقات الرضائية "يناقض" المجتمع

تعتبر الناشطة اليسارية لطيفة البوحسيني أن تجريم الأفعال المرتبطة بالحريات الفردية مثل "العلاقات الرضائية" يتناقض مع واقع المجتمع المغربي والتحولات التي يعيشها منذ مدّة.

وتوضح أن من بين هذه التحولات "تأخر سن الزواج بالنظر إلى اعتبارات اقتصادية واجتماعية"، ما يجعل من "العلاقات الرضائية بين ناضجَين، ربما في انتظار الظروف الملائمة للزواج، واقعاً يفرض نفسه، بل ويُرى بالعين المجردة بعيداً عن الكتمان".

وترى البوحسيني أن استمرار القانون الجنائي في اعتبار علاقات اختيارية بين ناضجيَن "دعارةً"، "مسّاً بكرامة الناس، وتناقضاً مع الواقع".

قوانين تلاحق الأصوات المعارضة

عددٌ من المعارضين اعتُقِلوا في المغرب بتهم أخلاقية جعلت منظمات حقوقية تقتنع بأن السلطة تعاقب الصحافيين والناشطين المعارضين بتهم مثل حيازة المخدرات، والخيانة الزوجية، والإجهاض، بينما يتم إيقافهم، برأيهم، على خلفية مواقفهم وكتاباتهم السياسية.

والهدف من هذه التهم حسب حقوقيين هو "إخفاء الطبيعة السياسية للمتابعة، والتقليل من التضامن مع المعتقل، وتشويه سمعته وضرب مصداقيته في المجتمع".

تقول البوحسيني لرصيف22 إن السلطة في المغرب لطالما وظّفت القوانين التي تُجرّم "العلاقات الرضائية" ضد الأصوات المعارضة من صحافيين ونخب سياسية وحقوقيين، لأنهم لا يسايرون مزاج السلطة.

وبدل التعامل مع هؤلاء المعارضين بندّية، كأصوات تنتقد من أجل البناء، يتم التعامل معهم، حسب المتحدثة، "باستعمال هذه القوانين للتشهير بهم، وقتلهم أخلاقياً".

وتعتبر البوحسيني هذا الأسلوب "وصمة عار" على السلطة التي "لن تصمد أمام الحقائق، ولن تصمد أمام الزمن"، لافتة إلى أن "الأفراد في نهاية المطاف أفراد، والمصيبة الكبرى هي أن هذا الأسلوب يساهم في التشهير بسمعة المغرب دولياً".

قضية حركت نقاش "الحريات الفردية"

وفي هذا السياق، أشارت البوحسيني إلى أن "نقاش الحريات الفردية لم يعرف تحركاً قوياً، إلا مع قضية الصحافية المغربية هاجر الريسوني"، موضحة أن "الأصوات في السابق لم تتمكن من طرح هذه القضايا على بساط النقاش العمومي".

وتزامناً مع القضية المذكورة تأسّس "ائتلاف 490" الذي التمس في السادس من كانون الأول/ ديسمبر من مجلس النواب في المغرب "إلغاء تجريم كل الأفعال التي تندرج في إطار الحريات الفردية، والمنصوص عليها في القانون الجنائي المغربي".

وكانت الصحافية المغربية هاجر الريسوني قد أدينت في أيلول/ سبتمبر الماضي بالسجن عاماً واحدا بتهمتي "العلاقة الجنسية خارج الزواج" قبل أن تستفيد من عفو ملكي، وهي القضية التي أثارت انتقادات واسعة وأحيت الجدل حول تجريم الحريات الفردية في المغرب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard