"قررت العمل في إسرائيل"... قصص تهريب عمال فلسطينيين إلى داخل الخط الأخضر

الأحد 8 ديسمبر 201905:10 م
Read in English:

Palestinian Workers in Israel, Migrant Labour in Their Own Lands

قلقٌ كبير عانى منه مصعب ناهض (38 عاماً) الذي يسكن محافظة نابلس شمال الضفة الفلسطينية المحتلة، قبل أن يقرر أخيراً خوض تجربة العمل داخل إسرائيل، بعدما تقطعت به سبل الحياة ولم يحصل على فرصة مناسبة على الرغم من امتلاكه شهادة جامعية.

يقول مصعب في حديثه لرصيف22: "اتجهت لمكتب التنسيق الإسرائيلي من أجل طلب تصريح عمل، وسلمت الأوراق فأخبروني أن الرد يصلني في الوقت المناسب، وعلى إثر ذلك انتظرت أياماً طويلة قبل أن يأتي الجواب بالرفض".

بسبب ذلك عاش ناهض حالة نفسية صعبة استمرت نحو شهر، لم يكسر قسوتها سوى نصيحة صديقه ماهر بخوض مغامرة التهريب، لا سيما أن الأخير عاش خلال السنوات الماضية تجارب ناجحة مكّنته من جمع أموالٍ كثيرة، موضحاً أنّه اختار التهريب عبر التخفي في باطن سيارةٍ كبيرة، تدخل من الأراضي المحتلة لنقل البضائع للمستوطنات المُقامة على أراضي محافظته ثم تعود بعد ذلك من حيث أتت.

في حزيران/ يونيو عام 2011، كان مصعب على موعدٍ مع تلك المخاطرة، لكن لم يكتب لها النجاح وانتهى به الأمر مصاباً بطلقات نارية ومعتقلاً لدى جنود الاحتلال المتمركزين على إحدى نقاط التفتيش بالقرب من الجدار الفاصل.

مكث ناهض في المستشفى أسبوعين، ثم نُقل للسجن وبقي فيه عاماً ونصف العام.

يكمل: "بعد الإفراج عني بخمسة أشهر، قررت العودة لتجربة حظي مرة أخرى، ونجحت لأن الأمر تم من خلال سمسار دفعت له 2000 دولار، ثمناً لتوفير طريق آمنة لنقلي إلى داخل إسرائيل"، مبيّناً أنه عمل هناك في مجال الزراعة سبعة أشهر، ثم عاد للضفة وبقي ثلاثة أشهر، وبعدها دخل بالتهريب مرة أخرى.

قصة الثلاثيني مصعب ليست الوحيدة، فهي واحدة من آلاف الحكايا لعمال فلسطينيين من أبناء الضفة الغربية المحتلة الذين ترفض إسرائيل إصدار تصاريح عمل لهم بذرائع أمنية معقدة.

كرٌ وفر

أحمد سهيل (42 عاماً) عمل سابقاً في إسرائيل بتصريح رسمي حتى عام 2013 حين تم رفض تجديد تصريحه، فاضطر إلى اللجوء لسماسرة يتعاملون مع مكاتب العمل داخل الخط الأخضر، فلم يجد نتيجة على الرغم من انتظاره عاماً كامل.

ثم قرّر اللجوء لخيار التهريب وبدأ أول تجربة في نيسان/ أبريل عام 2014، وكانت ناجحة إذ عمل أربعة أشهر في إحدى مزارع الماشية الإسرائيلية، وبعد ذلك عاد لقريته "ترمسعيا" شمال شرقي رام الله.

يروي أحمد لرصيف22 أن العمل بلا تصريح داخل إسرائيل ليس بالأمر السهل، وفيه مخاطرة على كل الأصعدة الشخصية والعائلية، فالعامل يبقى طوال الوقت متوجساً من كل ما يحيط به، ويخاف من نسمة الهواء العابرة، ولا يتحدث كثيراً خوفاً من لفت الأنظار إليه، موضحاً أنّه تعرض في مراتٍ سابقة للاعتقال من قبل الشرطة الإسرائيلية وسُجن ستة أشهر، قبل أن تفرج عنه وتحذره من العودة مجدداً بطريق التسلل.

لم يمنع ذلك سهيل من معاودة المحاولة، ففي الأول من شباط/ فبراير عام 2018 قرر أن يغامر من جديد، ورافقه في رحلة التهريب خمسة أشخاص من أبناء قريته.

ويشير إلى أنهم انتظروا حتى حلّ الظلام وبدأوا بسلوك طريق "الظاهرية"، ومشوا في الأحراش عدة كيلومترات، لافتاً إلى أن دوريةً إسرائيلية كادت تكشف أمرهم، ونجحوا في التخفي في اللحظة الأخيرة.

يذكر أن تلك الطرائق هي هروب من الواقع الصعب الذي يعيشه في الضفة المحتلة التي تسيطر إسرائيل على معظم مساحتها ومواردها، لافتاً إلى أن لديه أسرة من سبعة أفراد تحتاج لمستلزماتٍ كثيرة.

"حين حاولت العمل في الجانب الفلسطيني، لم أجد عملاً يدر عليّ دخلاً أكثر من 2500 شيكل (650 دولاراً أمريكياً) شهرياً، وهو مبلغٌ متدن جداً مقارنةً بالغلاء المعيشي الذي تعيشه المدن الفلسطينية"، يقول سهيل.

"العمل بلا تصريح داخل إسرائيل ليس بالأمر السهل، وفيه مخاطرة على كل الأصعدة الشخصية والعائلية، فالعامل يبقى طوال الوقت متوجساً من كل ما يحيط به، ويخاف من نسمة الهواء العابرة"... يلجأ كثر للتهريب لانعدام السبل 
"غامرت أول مرة عام 2015 من خلال أحد المهربين الذين ينشطون في هذا المجال، ووجدت أن الشغل داخل الخط الأخضر قد يوفر مبالغ طائلة"... قصص عمال فلسطينيين قرروا العمل داخل الخط الأخضر بأي ثمن 

وتعاني الضفة الفلسطينية المحتلة أوضاعاً معيشية صعبة وقلة في فرص العمل تدفع أرباب الأسر والشباب الباحثين عن بناء مستقبلهم وتكوين أسر للدخول إلى إسرائيل بطرقٍ نظامية أو غير ذلك لأجل توفير الرزق، لا سيما أنّهم يتقاضون هناك أجوراً مرتفعة.

وبحسب مركز الإحصاء الفلسطيني، ارتفع عدد العاملين الفلسطينيين داخل إسرائيل خلال عام واحد أكثر من 130 ألفاً، بعدما كان في السنة السابقة 120 ألفاً، والثلث منهم يعمل من دون تصريحٍ رسمي.

ويستخدم العمال الفلسطينيون طرائق متعددة وحيلاً غير قانونية للانتقال من الضفة الغربية إلى الداخل المحتل، كما يعتمد بعضهم على السيارات غير المرخصة التي تمر عبر الطرق الجبلية الوعرة وتقطع مسافات طويلة في ظروفٍ صعبة.

ليس عملاً فقط

يقول أيهم (27 عاماً) لرصيف22: "تجربة التهريب صعبة، ولم أفكر فيها إلا بعد أن سئمت البحث عن فرصة داخل الضفة... غامرت أول مرة عام 2015 من خلال أحد المهربين الذين ينشطون في هذا المجال، ووجدت أن الشغل داخل الخط الأخضر قد يوفر مبالغ طائلة تساعدني في بناء مستقبلي والتأسيس لفتح بيت مستقل، فداومت على ذلك".

ويحصل العشريني الذي يعمل في مجال المقاولات مع أحد السكان العرب في مدينة الناصرة المحتلة على دخلٍ يتجاوز الـ 7000 شيكل (2000 دولار أمريكي) شهرياً، لكن دوامه في اليوم الواحد نحو 10 ساعات، ويضطر للمبيت في موقع العمل فترات طويلة تصل أحياناً إلى شهر، يكابد فيها حر الصيف وبرد الشتاء.

ويوضح أيهم أن كل ذلك يهون كونه يدرك جيداً أن المبلغ الذي يناله لقاء جهده يقترب من الراتب الذي يحصل عليه المديرون العامون في الحكومة الفلسطينية.

وفي إحدى الليالي التي كان يفترش فيها الأرض محاولاً النوم، سمع أصوات سيارات الشرطة الإسرائيلية، وعلى الفور نهض مسرعاً واختبأ في منطقةٍ مجاورة للبناء الذي يعمل فيه. من بعيد راقب تحركات أفراد الأمن. بدا واضحاً أنهم يبحثون عنه، ويلفت إلى أنه علم لاحقاً أن خلافه البسيط مع أحد اليهود داخل إسرائيل كان السبب وراء الإبلاغ عنه ومداهمة قوات الشرطة مكان اختبائه.

ويضيف: "الدخول للأرض المحتلة ليس جيداً على صعيد العمل فقط، بل هو يرد الروح ويعيدها لحيويتها حين ترى البلاد الجميلة. البقاء على مقربةٍ من قرانا المهجرة يعني لنا الكثير كلاجئين فلسطينيين، و في مراتٍ كثيرة حرصت على زيارة مدينة صفد التي تهجر منها أجدادي إبان النكبة الكبرى عام 1948".

وينبّه إلى أن أمر حصوله على تصريح عملٍ رسمي غير ممكن بتاتاً لأن القوات الإسرائيلية تصنفه على أنه "مخرب"، كونه سجن لديها مرات عدة خلال دراسته الجامعية على خلفية نشاطه الطلابي والمجتمعي.

وتمنح إسرائيل الفلسطينيين التصاريح عبر نظامٍ يختلف بين الضفة الغربية وقطاع غزة ويضم أكثر من 74 نوعاً، وتتباين أغراض الحصول عليها بين الحاجات الطبية والتشغيلية والدراسية والقضائية والعبادة وزيارة الأسرى داخل السجون الإسرائيلية.

ويعود مرجع إصدار التصاريح في الضفة الغربية إلى الأمر الصادر عن الحاكم العسكري عام 1967، والذي أعلن فيه الضفة منطقة عسكرية مغلقة، يمنع الدخول إليها أو الخروج منها إلا بتصريح يتم الحصول عليه مما يُعرف بمكاتب التنسيق الإسرائيلية التي يبلغ عددها 31 مركزاً.

انتهاكات بحق العاملين النظاميين

قصة مختلفة يرويها نهاد إبراهيم (38 عاماً) الذي يعمل داخل إسرائيل بطريقةٍ نظامية من خلال تصريح رسمي، شارحاً أنه حين كان في التاسعة والعشرين تمكن من الدخول للعمل، واشتغل لدى أحد التجار في توزيع البضائع على المدن الإسرائيلية وكان يتقاضى حوالي ستة آلاف شيكل شهرياً (1700 دولار أمريكي).

"شركات التشغيل الإسرائيلية يسرقون أتعاب العمال الفلسطينيين الذين يعملون في الداخل، والمتعلقة بنهاية الخدمة، وذلك من خلال شركات احتيالية".

ويبيّن لرصيف22 أن عمله استمر سبع سنوات، وحين قرر تركه بسبب سوء معاملة مشغله طالب بمستحقات نهاية الخدمة، لكنه لم يحصل منها على شيء لأن صاحب العمل أنكرها عليه، وهو لم يكن يمتلك وثيقة قانونية تمكنه من المطالبة بحقه.

في السياق ذاته، يتحدث مشير نايف (51 عاماً): "طالبت منذ البداية إدارة شركة صناعة الأكياس البلاستيكية التي كنت أعمل فيها بمدينة حيفا المحتلة بعقدٍ رسمي يضمن حقوقي الوظيفية، لكنها تذرعت بأن في ذلك صعوبة كوني فلسطينياً من الضفة الغربية.

ويضيف: "وعدوني بأن حقوقي محفوظة إذا ما قررت ترك الشغل، وبعد عدة سنوات لم يوفوا بالعهد، وطردوني بعد خدمة دامت 15 عاماً، ولم يعترفوا بأي حقٍ لي لديهم".

وكان مدير دائرة التشغيل في وزارة العمل الفلسطينية في رام الله رامي مهداوي قد أشار، في تصريحاتٍ صحفية سابقة، إلى أن شركات التشغيل الإسرائيلية يسرقون أتعاب العمال الفلسطينيين الذين يعملون في الداخل، والمتعلقة بنهاية الخدمة، وذلك من خلال شركات احتيالية.

ولفت مهداوي إلى أن تلك الشركات تصل لذلك من خلال التلاعب في صيغ العقود والمبالغ التي تسجل ضمنها، إذ تعتمد قيمة أقل من تلك التي يتقاضاها العامل.

وليست هذه الطريقة الوحيدة التي ينتهك بها المشغلون والحكومة الإسرائيلية حقوق العمال الفلسطينيين، فثمة طرائق أخرى كثيرة، منها على سبيل المثال سحب التصاريح التي تُحجب وتجمد بين وقتٍ وآخر عن عائلاتٍ على خلفية أعمال مقاومة يقوم بها بعض أفرادها.

وعام 2016، قرر منسق الحكومة الإسرائيلية تجميد تصاريح أبناء عائلات أبو الرب وكميل ونصار من بلدة قباطية في جنين، بعد قيام ثلاثة من أبنائها بعملية طعن وإطلاق نار في القدس المحتلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard