فيلم "إن شئت كما في السماء"... ليس فيلماً عن القضية الفلسطينية

الثلاثاء 10 ديسمبر 201909:56 ص

فيلم "إن شئت كما في السماء" أو "لابد أن تكون الجنة"، العنوان الإنجليزي للفيلم عند ترجمته، هو رابع أفلام المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، من إنتاج عام 2019، ويمثل الفيلم عودته لصناعة الأفلام بعد مرور عقد كامل على آخر أفلامه "الزمن الباقي".

لا يوجد بطل ولا يوجد حكاية

يفتتح سليمان فيلمه بأصوات ترانيم كنسية، ثم نرى القسيس ومن خلفه المصلين يتجهون نحو الكنيسة، ليفاجئوا بأن الباب مغلق. يقرع القس الباب عدة مرات، فيأتيه صوت الخادم المخمور من الداخل، ليخبره بأنه لن يفتح الباب الآن، وأن عليه أن يأتي في وقت آخر. ينزعج القس ويقرر أن يكسر زجاج النافذة ويقفز إليها، ليفتح الباب للمصلين من الداخل.

هذه الافتتاحية العبثية هي الأنسب كي يهيئنا سليمان لفيلمه، كأنه يقول لنا: "هذا هو فيلمي، الرجاء عدم أخذي على محمل".

بالرغم من أنه يمكننا وضع خط عريض لأحداث الفيلم، بوصفه رحلة إيليا سليمان نفسه من الناصرة إلى باريس ومن ثم نيويورك، لإيجاد تمويل لفيلمه، إلا أن الفيلم أبعد ما يكون عن فيلم الحبكة، بل أنه حتى لا يحتوي على شخصية رئيسية أو بطل محوري يتغير عبر الفيلم ويأثر في الأحداث، فلا يوجد أحداث من الأساس.

شخصية إيليا هنا مجرد مراقب وملاحظ لما حوله، لا يتفاعل ولا يتداخل مع ما يراه، وبذلك يصير الفيلم سلسلة من المشاهد، كل مشهد في الفيلم عبارة عن موقف بمفرده، قد يسميه البعض "سكيتش" بغرض الانتقاد، ولكن سليمان يفضل تسميته باللوحة. كل لوحة تمثل وجهة نظره وانطباعاته عما رآه وعاشه، وبجمع هذه اللوحات معاً في فيلم واحد يُظهر التناقضات التي يرغب التعبير عنها.

من خارج فلسطين ومن داخلها

أول ما يرغب سليمان في التعبير عنه وانتقاده هو الانطباعات المسبقة، خاصة عنه كفلسطيني، وعن الهوية الفلسطينية عموماً، فمن منتج يرفض إنتاج فيلمه بحجة أنه ليس عن القضية الفلسطينية، وأن أحداثه يمكن أن تقع في أي مكان، إلى أخرى تضحك لأنه يصنع فيلماً عن السلام في الشرق الأوسط، إلى آخر يجلس معه في البار ليعطيه، بثقة لا تخلو من التحذلق، مفهومه عن أهل فلسطين قائلاً: "إن الجميع يسكرون كي ينسوا، أما الفلسطينيون فيسكرون ليتذكروا".

سليمان ينتقد كل هؤلاء، من يظنون أنهم يعرفون وطنه أكثر مما يعرفه هو، من يحاكمونه لأنه ليس فلسطينياً كفاية، وليس بالشكل الذي يوافق تصورهم وانطباعهم عن الفلسطيني، المناضل، الذي يعاني من سطوة وقمع الاحتلال، هم لا يتخيلونه يضحك أو يحب، أو يستمتع بوقته.

يرى سليمان أن وجهة نظرهم هذه ما هي إلا نظرة استشراقية، لكنه لا ينكر تعاطفهم مع القضية الفلسطينية، هم فقط يريدون أن يعبر عنها بطريقتهم، بطريقة إثارة التعاطف والشفقة، وليس بالفكاهة والسخرية كما يرغب هو.

الانطباعات المسبقة هذه ليست حصراً بمن خارج فلسطين وحدها، فسليمان هنا يُبرز الانطباعات الخاطئة لدى الفلسطينيين أنفسهم، فهم يظنون أن الحياة بالخارج أفضل و"أنها بالتأكيد كالجنة"، كما يقول عنوان الفيلم، وهذا الانطباع نراه متمثلاً في سليمان نفسه، الذي نراه فور وصله فرنسا يتمعّن في الباريسيات الجميلات، ذوات الفساتين الأنيقة والسيقان الممشوقة، وهو الانطباع المسبق عن الفرنسيات لدى كل من خارج فرنسا تقريباً.

لا يوجد بطل ولا يوجد حكاية في فيلم "إن شئت كما في السماء" أو "لابد أن تكون الجنة"، وهو رابع أفلام المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، من إنتاج عام 2019، فما هو مشروعه؟

في فيلمه "إن شئت كما في السماء"  ينتقد المخرج الفلسطيني إيليا سليمان هؤلاء الذين يظنون أنهم يعرفون وطنه أكثر مما يعرفه هو، من يحاكمونه لأنه ليس فلسطينياً كفاية، وليس بالشكل الذي يوافق تصورهم وانطباعهم عن الفلسطيني، المناضل، الذي يعاني من سطوة وقمع الاحتلال


بين التصور والواقع، والنوايا والأفعال

انبهار سليمان بفرنسا الذي يبدأ بالإعجاب بنسائها، يمتد إلى انبهاره بنظامها، فسيارة الإسعاف تقف في الشارع لتتأكد من سلامة أحد الشحاذين، بل ويعطونه الطعام أيضاً، وقوات الأمن تذهب للتأكد من تطابق مساحة مقهى ما للمواصفات المطلوبة، ثم يحيّون صاحبة المقهى ويرحلون.

لكن هذا الانبهار والصورة البراقة سرعان ما يختفيان، فنشاهد عمال النظافة وهم يستهترون بعملهم في الشارع، والشباب يسارعون إلى الجلوس على المقاعد قبل كبار السن، والوضع مشابه في نيويورك، حيث يركض الضباط وراء فتاة رسمت علم فلسطين على صدرها، وغيرها من المواقف التي تحيل إلى الانطباعات المسبقة وتتناقض معها.

مثلما تختلف الانطباعات بين من خارج فلسطين ومن داخلها، فإن التناقضات أيضاً ليست مقتصرة على الأجانب، بل أن سليمان يبدأ فيلمه بالأساس بإبراز التناقضات بين البشر في فلسطين، من خلال شقيقين يغضبان (فقط لأنهما برفقة أختهما) لمعرفة أن صاحب المقهى وضع الخمر بداخل المشروب، لكنهما يسامحانه عندما يعطيهما مشروباً آخر على حسابه، أو جاره، الذي يسرق منه الليمون، وينكر فعلته عندما يراه سليمان، ويدافع عن نفسه بأنه قرع الباب لكن أحداً لم يجب، كأن هذه حجة مقبولة لأخذ الليمون!

كل هذه التناقضات ليست مقصورة على مجتمع واحد أو ثقافة واحدة، بل هي سمة بشرية، لاحظها سليمان وأراد التعبير عنها.


اللهو والفكاهة في مواجهة الاحتلال

الكوميديا عند سليمان غالباً ما تقارن بكوميديا المخرج الفرنسي جاك تاتي، والمخرج الأمريكي باستر كيتون، لأنه مثلهما يجعل بطله صامتاً ذا تعبيرات جامدة لا تتغير طوال الفيلم تقريباً، والكوميديا لا تنتج من جمل الحوار، بل من المواقف والأسلوب البصري.

لكن بعكس الحال عند تاتي أو كيتون اللذين عادة ما تنتهي مشاهدهما بموقف يثير الضحك، فإن الكوميديا في أفلام إيليا سليمان ليست هدفاً بل نتيجة للمفارقات بين الانطباعات والتناقضات.

سليمان أيضاً يتخذ من الكوميديا سلاحاً للتعبير عن رفضه ومقاومته للاحتلال، فهو أيضاً مناضل بطريقته، من خلال مشاهد مختلفة، مثل غلقه للباب في وجه الطيار الإسرائيلي، أو تلاعبه بضابط الأمن الأمريكي وجعله يدور حول نفسه، أو تحول الفتاة التي رسمت علم فلسطين على صدرها إلى ملاك، واختفائها فور القبض عليها، وغيرها من المشاهد التي تحيل الفيلم من الطابع الكوميدي الساخر أو الهزلي، إلى السريالي.

وعلى الرغم من أن سليمان كان بإمكانه أن يستغل هذا الطرح السريالي، وأن يحقق في فيلمه كل ما لم يستطع تحقيقه في الواقع، لكنه يصر على إظهار شخصيته هو، بشكل أمين، كأنه يحاكم نفسه، فهو شخص سلبي، يجري بسيارته، عندما يجد فتاة معصوبة العينين في سيارة ضابطين إسرائيليين، يخشى ركوب الطائرة، لا يحاول التعرف على الفتاة البدوية التي يعجب بها، ويكتفي بمتابعتها من بعيد.

انتقاد أم تأمل؟

ينتهي الفيلم بعودة سليمان إلى موطنه بعد فشله في رحلته، يجلس في بار ليتابع شباب الجيل الجديد يرقصون على أنغام أغنية "عربي أنا"، هل هو انتقاد للجيل الجديد الذي حول أغنية وطنية إلى مدعاة للهو، أم هو يأمل بأن يتمكن هذا الجيل، بانفتاحه، من تحقيق ما لم ينجح سليمان وجيله في تحقيقه؟

ربما حتى سليمان لا يعرف الإجابة على هذا السؤال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard