"لا أضمن ماذا يحصل غداً في هذا البلد الـ***"... كيف يمكن للبنانيين مواجهة طواحين أزمة الاقتصاد؟

الجمعة 6 ديسمبر 201906:41 م

"ردّولي مصرياتي (أموالي)". هذا ما يقوله اللبناني اليوم لمصارف بلاده، في الفرع حيث يوطّن حسابه، في الشارع، في غرافيتي منتشرة على الجدران، وفي صدره كلما قام وقعد وتذكر أن سقف السحب من أمواله المودعة في المصرف ينكمش حد الوصول إلى مئة دولار في الأسبوع.

"نحن نعطي 400 دولار في الأسبوع ومصارف أخرى تعطي 200، لكن لا أضمن لك ماذا سيحصل غداً في هذا البلد الـ***"، يقول موظف لعميل. تتسارع الأحداث هنا، لم يعد الموظفون يبذلون جهداً لطمأنة العملاء إلى أموالهم، فهم مثلهم مثل عناصر الأمن الذين جُلبوا لحماية المصارف وأيضاً مثل العملاء، كلهم متضررون من هذا التقييد الذي لا يراعي أصولاً أو معايير.

مؤشرات خطيرة

في المصارف أصبحت الحوارات أقرب إلى السوريالية. يقول موظف: "صارت الساعة 11، من ينتظر دولاراً لينصرف، لم يعد متوفراً لليوم"، فيأتيه صوت أحد العملاء "طيّب عندك ليرة".

الذهاب إلى المصرف أصبح لدى الكثير من الناس أشبه بدوام عمل ثان. "لربما أحصل اليوم على بعض الدولارات"، هذا هو لسان حال أصحاب الحسابات الصغيرة والمتوسطة، أولئك الذين انقلبت حياتهم رأساً على عقب وهم عكس المودعين الكبار الذين يجدون وسائل أكثر سهولة للتكيّف والتعايش.

"قدمت للمصرف تذكرة سفر، وقلت لهم أنا بحاجة لألف دولار بداعي السفر. حمل الموظف البطاقة لمديرته وبعد البحث وافقت، لكنها قالت: أعطه 700 دولار وليس ألفاً"، يشكو أحدهم. ويشكو آخر عدم السماح له بتحويل مبلغ من المال لابنه الذي يدرس في الخارج، يقولون له ليس لديك سوابق في التحويل، يرد بأنها السنة الأولى لابنه، ولا حل.

وهناك من هو بحاجة ماسة لمبلغ أعلى من المحدّد، ومن هؤلاء من يريد دفع بدل إيجار المنزل، ومن يريد السفر، ومن لديه التزام مالي ما، وفيما المصرف يطلب منه إحضار إثبات على كلامه (عقد إيجار، بطاقة سفر…)، ليس هناك من ضمانة أنه سيحصل على ما يطلبه.

تحذير للبنك الدولي العام الماضي جاء فيه أن عدد الفقراء قد يرتفع من الثلث عام 2018 إلى نصف عدد السكان عام 2019، في مؤشر خطير إذا ما قورن بمستوى تركز الثروة والدخل

المقيمون خارج لبنان ولديهم حسابات جارية وإيداعات في مصارفه طالتهم كذلك القيود، على السحب والدفع الإلكتروني من دون مراعاة معايير قانونية أو إنسانية.

هكذا باتت المصارف حديث اللبنانيين اليومي، وهم يعيشون على وقع أزمة اقتصادية أكبر تمثلت بغلاء فائق في الأسعار التي تتحدد وفق سعر الصرافين لا المصارف، وعلى مخاوف بمصيبة كبيرة تقترب.

أخبار الانتحار بسبب الضائقة المالية بدأت تتكرر والمخاوف تكبر من ازديادها مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتهديد كثير من المواطنين بالنزول تحت خط الفقر.

يعود إلى الذاكرة هنا تحذير للبنك الدولي العام الماضي، جاء فيه أن عدد الفقراء قد يرتفع من الثلث عام 2018 إلى نصف عدد السكان عام 2019، في مؤشر خطير إذا ما قورن بمستوى تركز الثروة والدخل، إذ تشير الدراسات إلى أن أقل من واحد في المئة يتحكم بنحو ربع الدخل العام وبأكثر من 40 في المئة من الثروة.

زمنان وواقعان

المشهد لمن يسمع عنه من الخارج يفترض حكماً توحد اللبنانيين المتضررين من السلطة في وجه أركان الأخيرة التي لم تعمد إلى اتخاذ أي إجراء، ولا يبدو أنها ستعمد لذلك، فهي بعد مرور أكثر من 50 يوماً على بدء الانتفاضة لم تطرح خطة أو حتى فكرة جدية لمواجهة الوضع.

لكن اللبنانيين غير متوحدين في الخطاب كما في آليات العمل التي يطرحونها لمواجهة الأزمة. 

في الواقع، يحمل المشهد جغرافيتين وزمنين، جغرافية السلطة ومناصريها والمنتفعين منها وزمنهم وجغرافية الانتفاضة وزمنها. يحمل كذلك واقعين، واقع الحياة اليومية وطواحين أزمتها الاقتصادية وواقع الانتفاضة وخطابها وتحركاتها. فما السبيل لدمج الواقعين؟ ما العمل لبناء خطاب جدي؟ وما هي التكتيكات المطلوبة حالياً؟

الأسئلة باتت أكثر إلحاحاً بطبيعة الحال مع اتساع حجم الكارثة، ومع كذلك ما حُكي عن انحسار عدد المتظاهرين يوم الأحد الماضي. ووسط هذا وذاك، تخرج أفكار تدعو للتوقف عن الدفع للمصارف، وأخرى تدعو لحرقها أو بشكل أعم لاتخاذ العنف خياراً للرد على "عمليات النصب" التي مارستها وتمارسها المصارف ومن ورائها أركان السلطة.

كيف نفهم المشكلة لبناء الخطاب؟

عند طرح السؤال على الخبير الاقتصادي محمد زبيب، يقول: "لا بد أن نتعامل مع الأزمة على أنها طبقتان: الأولى بنوية حيث تقتضي معالجتها برامج واسعة وسياسات ووقت لا يقل عن خمس سنوات، والثانية قائمة حيث بدأ الناس يشعرون بها مع سعر الصرف والوادئع".

يضيف: "ما الوضع اليوم؟ مهما اختلفت الحسابات تتفق على الأقل أن ربع الودائع بالدولار تبخرت، وبالتالي المعضلة كبيرة". فما هو الحل إذاً؟ "أمامنا اتجاه من اتجاهين: أو نكون أمام سلطة غبية تشتري الوقت بنموذج بونزي فتبدأ باستدراج ودائع أو ديون لتسد ودائع قديمة، وهنا تكبر المشكلة، أو نذهب إلى حل جذري غالباً في دول كدولنا نذهب إلى ما نسميه هيركات (Haircut)". 

يتابع زبيب: "الحل الثاني موجع وتأثيراته سلبية على الاقتصاد والمصارف والناس إذا ما أتى وحده، وعليه لا بد أن يأتي في إطار سياسي يحل مشاكل أخرى أوصلتنا إلى هنا في مقدّمها الدين العام".

هنا يشدد زبيب على ضرورة إعادة هيكلة الدين العام وتخفيض الدين والفوائد على نحو يشمل كل أسعار الفائدة وليس الدين العام فحسب.

ولكن هل تمثل هذه السلطة مصالح اجتماعية أوسع من مصالح المصارف والمودعين والدائنين؟ الجواب: "لا، هي لا تريد أن تعتمد الحل الثاني، إذ وفق هذه الخطة سيدفع كبار المودعين".

من هنا، يقول الخبير الاقتصادي الذي لم يكل من العمل على هذا الملف منذ سنوات طويلة، ويحرص منذ اليوم الأول للانتفاضة على الحديث إلى الناس بأنه ليس أمامهم سوى متابعة الضغط في الشارع لتخفيض الضرائب واسترداد الودائع.

يُظهر المشهد اللبناني واقعين، واقع الحياة اليومية وطواحين أزمتها الاقتصادية وواقع الانتفاضة وخطابها وتحركاتها. فما السبيل لدمج الواقعين؟ ما العمل لبناء خطاب جدي؟ وما هي التكتيكات المطلوبة حالياً؟
التوقف عن الدفع للمصارف، تأميمها، حرقها... تكثر الشعارات المرفوعة حالياً، فما محاذير تنفيذها وكيف يمكن للبنانيين مواجهة طواحين الأزمة الاقتصادية؟

في ظل الغضب المتصاعد من المصارف، يأتي مطلب الدعوة للتأميم. يصف البعض هذا المطلب بأنه شعار شعبوي وغير قابل للتحقق. زبيب كان ممن طرحوا مطلب التأميم، فكيف يفسره؟ يجيب: "آيسلندا بعد الأزمة عام 2009 أممت المصارف وأمريكا أممت أجزاء من ملكية المصارف مقابل الدعم"، موضحاً: "هذه عملية غير غريبة عن السوق الرأسمالية، فالتأميم ليس مطلباً اشتراكياً وحسب".

يسهب زبيب في الشرح: "بموجب قانون النقد والتسليف، حين يلجأ المصرف المركزي لمساعدة المصارف يتم ذلك وفق مقابل، وفي حال توفير مصرف لبنان السيولة للمصارف يطالب بضمانات رهن، وهكذا يمكن للدولة أن تتملك أسهم المصرف أو جزءاً منها".

التأميم، بحسب الخبير الاقتصادي، له غرضان: الأول هو أن تضمن الدولة بعد الهيركات الودائع الباقية، والمصرف الذي لا يحتاج سيولة لا يُؤمم. والثاني هو أن يتغيّر الوضع الذي نشأ منذ سنوات وشهد ظهور عدد من المصارف تعيش على المال العام والدعم، ساعدها المصرف المركزي من دون مقابل، وكان ذلك غير قانوني. من هنا لا بد من استرداد الأموال الموهوبة والمنهوبة وفق الهندسات المالية السابقة.

أسئلة على شاكلة ما العمل

يقول الباحث في علم اجتماع العمل والاقتصاد ربيع فخري جميل إن البداية تكون بالاعتراف أننا "لسنا في أزمة اقتصاد بل أمام أزمة نظام يتفكك وبأن الأزمة ستؤثر في وجه لبنان لعقود طويلة مقبلة".

ويضيف: "المصرف كان يمول الدولة على الرغم من درايته بهشاشة وضعها المالي، وذلك لأنه جزء من نظام ثلاثي الرؤوس حكم لبنان منذ عام 1992 حتى الآن"، شارحاً بأن "لبنان جرى حكمه من ثلاثة أطراف: رجال الأعمال المتمثلين بالمقاولين (بناء)، وأمراء الحرب (تبييض أموال)، والمصرف (الممول)". و"في لحظة الانهيار لن نقبل من المصرف أن يلعب دور الضحية"، يعقّب جميل. 

ما المطلوب إذاً؟ "تجذير الخطاب الطبقي، وليس معناه كره الأغنياء، بل تظهير المستغَل والمستغِل، فمن الضروري أن نتجه لخطاب فيه نحن وهُم، نحن المستغلون وهم كما أفضل أن أسميهم مجلس نهب لبنان"، حسب جميل.

ويضيف: "استقالة الحكومة لا تعفي من المسؤولية، علينا التوجه لهذه الحكومة وكل معني فيها حسب ملفه. يعني مثلاً على وزارة الاقتصاد أن تضبط الأسعار، على المسؤولين تأمين اعتمادات للأدوية والمحروقات والخبز"، معلقاً: "الدولة تتخلى عن أبسط مسؤولياتها، أين مثلاً اللجنة العليا للإغاثة، لم تظهر ولا تعتبر ما يجري حالة طوارئ؟".

ويتابع: "نحن المودعين لا بد أن نضغط على مصرف لبنان وعلى السلطات النقدية الأخرى كوزارة المال ولجنة الرقابة على المصرف".

ولكن ماذا عن الدعوة إلى اللبنانيين بالتوقف عن الدفع للمصارف؟ يجيب جميل بأن ذلك إذا تم من دون حماية قانونية فهو كلام شعبوي، موضحاً: "خيار التوقف عن الدفع يكون تكتيكاً صائباً إذا ما اقترن بخطة من نقابة المحامين تقدم حماية قانونية للمودعين والمقترضين". 

وعن التكتيكات الأخرى، يمكن الحديث عن التجذر الطبقي بالخطاب الذي يصاحبه تجذر تنظيمي، مثل المجموعات الأفقية ومنها مثلاً "مجموعة مودعي البنك الفلاني" ومنها مجموعات محلية لمراقبة الأسعار وكذلك "العاميات".

يعترض جميل كذلك على الدعوة لحرق المصارف، ويقول: "مقتل الثورة هو العنف الثوري، من يملك ماكينة العنف هو السلطة التي تحوز المال والسلاح والطعام، وهي اليوم تراهن على أن يلجأ إليها الناس، وستقوم حينذاك بدورها المعتاد عبر إطعام الجائعين"، مردفاً "حرق المصارف يعني حرق أموالنا، فالكثير من المسؤولين سحبوا أموالهم، ويعني أيضاً حرق الأدلة التي سيتركونها وراءهم إذا ما أعلنوا إفلاسهم".

ماذا عن التهليل لانخفاض سعر الصرف؟

في معرض الآراء التي تُطرح،  يبرز حديث عن أن تغيير سعر صرف الليرة يساعد على تخفيض الدين، لكن زبيب يعتبر أن هذا الطرح غير دقيق لأن "لدينا أكثر من 40 في المئة من الدين بالدولار، وانخفاض سعر صرف الليرة في هذه الظروف يؤدي إلى كارثة اجتماعية كبيرة، فأجور العمال والتعويضات مثلاً بالليرة".

هذه المسألة كانت طرحتها ورقة اقتصادية اجتمع فيها عدد من خبراء الاقتصاد ونشرها المركز اللبناني للدراسات، وأشارت إلى أن "هذه الوسيلة هي إحدى الوسائل الممكنة لمعالجة عبء الدين المفرط، بشكل متعمّد أو غير متعمّد، إلا أنها تستتبع تداعيات اجتماعية كبيرة تتمثل بالقضاء على صناديق التقاعد ومدخرات الطبقة الوسطى وانخفاض الأجور بشكل ملحوظ. ومن شأن هذه الخطوة أيضاً أن تتسبّب بإفلاس شركات عدّة مديونة بالدولار، ما يؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة وإضعاف القطاع المصرفي وإلحاق الضرر بآفاق النمو المستقبلية".

الأدوات القانونية

في الحديث عن التكتيكات المطلوبة حالياً، يحضر الجانب القانوني الذي أوضحته المحامية ديالا شحادة التي تنشط منذ سنوات دفاعاً عن الفئات المهمشة، وهي منذ بداية الانتفاضة تسعى مع مجموعة كبيرة من المحامين للدفاع عن الموقوفين ومن تطالهم عمليات التشهير والتهديد.

ثمة ضرورة تفعيل أداة التقاضي لدى كل مواطن والكف عن التنازل عن هذا الحق من زاوية الإحساس بعدم الجدوى، وهذا يقود إلى أهمية تعزيز الثقة بالقضاء.

تقول: "الدعاوى القضائية ضرورية خصوصاً عندما يكون إجراء المصارف الحالي غير مشروع ولا يستند إلى أي نص قانوني، وذلك إما عبر قضاء الأمور المستعجلة عند وجود دليل على ضرر أكيد يقع أو يرجح وقوعه، أو عبر قضاء الجزاء (دعوى إساءة الائتمان)".

وتضيف: "مثلما يحق للمواطن أن يتوجه للقضاء تطبيقاً للقانون عند امتناع المصرف عن تسليم وديعته إليه، كذلك فإن الامتناع عن تسديد أقساط القروض للمصارف يُخوّل هذه الأخيرة اتخاذ الإجراءات القانونية المعتادة عند التخلف عن الدفع (إدراج العميل على قائمة المتخلفين عن الدفع في مصرف لبنان، وهذا يحرمه من إمكان الاقتراض من أي مصرف آخر أو حتى من شركة قروض لبنانية قبل أن يرفع اسمه عنها، ويتم الحجز على راتبه أو ماله أو عقاره...)".

وتشير شحادة في سياق أوسع إلى أن ثمة ضرورة لتفعيل أداة التقاضي لدى كل مواطن والكف عن التنازل عن هذا الحق من زاوية الإحساس بعدم الجدوى، وهذا يقود إلى أهمية تعزيز الثقة بالقضاء، لأن "القضاء مجموعة بشر بينهم الطالح والصالح، وفوق الجميع هناك سلطة الرأي العام التي لها تأثير مهم عليهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard