"الصيغة التي تقوم عليها السلطة اللبنانية انهارت"... استعصاءات داخلية تمنع اجتراح الحلول

الخميس 5 ديسمبر 201905:11 م

ما لم تحدث معجزة دولية وإقليمية، فإن لبنان الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة. شهد البلد على مر تاريخه أزمات دورية طاحنة، كانت تتوَّج دائماً بتسوية بين القوى السياسية الوازنة فيه، برعاية دولية وإقليمية، تقضي مفاعيلها بتخفيف حدة الأزمة وتمويل العجز، والتنعم بفترة قصيرة من النمو الاقتصادي، لتأتي الأزمة التي تليها وتضرب عصب هذا النمو ومكامن قوته.

الأزمة الراهنة التي يعيشها لبنان لا تشبه أزماته السابقة، بمعنى أن الحلول غير متاحة على النحو السابق. فالرعاة الدوليون والإقليميون يُبدون حرصاً على الاستقرار، على ما يقول أهل السلطة اللبنانية، لكن هذا الحرص لا يترجم بالسعي إلى عقد تسوية بين الأطراف الخارجية تتيح للبلد أن يشهد فترة من الاستقرار والنمو. وقد وضع هذا الواقع البلد في مواجهة عدد من الاستعصاءات التي يصعب على أهل سلطته التوصل إلى حلول لها.

استعصاء حزب الله

أبرز هذه الاستعصاءات يتمثل بحزب الله المرعي إيرانيا. فالحزب الذي يحرص على شراكة من نوع ما مع ممثلي الطوائف الأخرى، يغامر منذ سنوات بمستقبل البلد برمته، لأنه نصّب نفسه رأس حربة في المشروع الإيراني. فتارة يهدد دول الخليج، وطوراً يحذّر الولايات المتحدة، وفي أطوار أخرى تشارك قواته في حرب خارج البلاد لمصلحة إيران، وينشط عناصره وخبراؤه في عمليات أمنية في قوس واسع يمتد من مصر إلى غزة وصولاً إلى اليمن والبحرين والعراق.

لسان حال حزب الله، والذي عبّر عنه أمينه العام حسن نصر الله صراحة أكثر من مرة، أن المواجهات بين مشروع إيران في المنطقة وبين أعداء طهران يجب أن تُخاض خارج لبنان، وأن هدفه تحييد البلد عن هذه الصراعات. لكن هذه السياسة لم تعد تجدي نفعاً في ما يبدو، إذ لم يعد ثمة دولة تسعى إلى رعاية ازدهار البلاد واستقرارها، وإنْ كان ثمة مَن لا يزال بين هذه الدول يؤمن بأهمية إبقاء الأمور في لبنان تحت السيطرة وعدم وصول الأوضاع إلى الانفجار، فإن حزب الله يحسب ذلك اعترافاً بدوره الحاسم في لبنان وتسليماً بدوره الخارجي في إقليم ما زال متفجراً.

استعصاء التيار الوطني الحر

الاستعصاء الثاني يتمثل بالتيار الوطني الحر الذي أسسه الرئيس اللبناني ميشال عون ويرأسه وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل. هذا الاستعصاء يتمظهر بالرغبة المعلنة، والتي لا يخلو التعبير عنها من التحريض، لدى قادة هذا التيار ومحازبيه على حد سواء، في استعادة "حقوق" الطائفة المارونية من الطوائف الأخرى واستعادة الصلاحيات الكاملة لرئاسة الجمهورية التي تم تقليصها في اتفاق الطائف.

وتالياً، فإن هذا التيار، ومنذ عودته حزباً فاعلاً في المجال اللبناني بعد عام 2005، يخوض صراعاً محموماً معلناً ضد الطوائف الأخرى في البلد بهدف نزع صلاحيات دستورية ومناصب إدارية كبيرة وإعادتها إلى الطائفة المارونية. ورغم أن التيار الوطني الحر يحيّد حزب الله في هذه المعركة، وهو تحييد مؤقت على الأرجح، إلا أنه لا يخفي رغبته بخوض المعركة مع القطب الثاني في الطائفة الشيعية المتثمل برئيس مجلس النواب نبيه بري وحركة أمل التي يتزعمها، ما يعني أن السلوك اليومي لهذا التيار لا يسمح للبلد بالتقاط أنفاسه والنظر إلى مستقبله لأنه يخوض حرباً لا هوادة فيها، ولن تنتهي إلا بإخضاع الطوائف كلها والإمساك بأعنة السلطة برمتها.

استعصاء الطائفة السنّية

الاستعصاء الثالث يتمثل بالطائفة السنّية، وهي الطائفة التي يأمل حزب الله منها أن تستجلب دعماً اقتصادياً عربياً ودولياً للبنان، في حين أنها باتت غير ذات جدوى لأي من الرعاة الخارجيين، بسبب الخلل الهائل في طبيعة الشراكة في السلطة الموروثة عن اتفاق الطائف، والتي قضت بتلزيم الاقتصاد للطائفة السنّية وتلزيم الأمن والسياسة الخارجية للنظام السوري، يومذاك، وهو ما ورثه حزب الله عن بكرة أبيه.

"الصيغة التي تقوم عليها السلطة اللبنانية منهارة برمتها، ولا يمكن لهيكل انهارت أسسه كلها أن ينجح في حماية اللبنانيين من عواصف الانهيار"
"ما لم تحدث معجزة دولية وإقليمية، فإن لبنان الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة... فالأزمة الراهنة التي يعيشها لا تشبه أزماته السابقة، بمعنى أن الحلول غير متاحة على النحو السابق"

لكن مجريات السنوات التي تلت اتفاق الطائف، وخصوصاً منذ اجتياح حزب الله لبيروت في 7 أيار/ مايو 2008، وحتى اليوم، توضح بلا لبس أن حزب الله ليس شريكاً مساوياً لبقية ممثلي الطوائف اللبنانية، وهو من ناحية ثانية لا يجد حرجاً في محاولات التيار الوطني الحر قضم حضور الطائفة السنّية في السياسة اللبنانية، ما جعل الطائفة الأكثر ارتباطاً بالمحيط العربي أضعف طوائف البلد الكبرى وأقلها قدرة على حماية مصالحها. وهذا يمكن ملاحظته بوضوح في كل حكومات ما بعد 7 أيار/ مايو 2008 من دون استثناء.

هذه الاستعصاءات الثلاثة تحول دون قدرة لبنان الدولة والكيان على الاستمرار، خصوصاً أن البلد يخوض حقاً حرباً داخلية باردة، في وقت تدور حروب ساخنة بين مَن يفترض بهم أن يكونوا رعاة طوائفه ومكوناته الخارجيين، ما يجعل الاختلالات التي أصابت ركائز تسوية الطائف غير مستندة إلى وضع لبنان الداخلي، بل هي عبارة عن استقواء محض بالخارج.

لهذا كله، لن تفضي المسارات الدستورية وغير الدستورية لتشكيل حكومة إنقاذ للبلد إلى تحقيق أي تقدم أو اجتراح أي حل. الصيغة التي تقوم عليها السلطة اللبنانية منهارة برمتها، ولا يمكن لهيكل انهارت أسسه كلها أن ينجح في حماية اللبنانيين من عواصف الانهيار.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard