عندما اتصلت بالخطوط الساخنة الحكومية لمواجهة الانتحار

الخميس 5 ديسمبر 201905:40 م

بعد حدوث حالات انتحار خلال الأيام القليلة الماضية في القاهرة، أشهرها حادثة الطالب في كلية الهندسة الذي ألقى بنفسه من برج القاهرة وتم تصويرها وتداوَلها كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي، وكالعادة، خرجت أجهزة الدولة تحلل وتفسر تنامي الظاهرة، وكررت تأكيدها أن لديها خطوطاً ساخنة لمَن لديهم ميول انتحارية يجلس خلفها أطباء للمساعدة. وبتباهٍ منقطع النظير، أكّدت الأجهزة أن "الخدمة مجانية".

قررت خوض التجربة لأعرف ماذا يحدث بالضبط. بدأت بالأرقام الخاصة بالأمانة النفسية التابعة لوزارة الصحة، والتي أعلنت عن رقمين متاحين. حين اتصلت بـ"08008880700"، جاء الرد أنه غير موجود بالخدمة، أما الرقم الثاني وهو "0220816831"، فاتصلت به ولم أجد أي رد، ما دفعني إلى التأكد من دقة الأرقام مع استمرار الاتصال، لأقرأ تصريحاً لمسؤول عن الأمر يقول إن الخدمة مفعّلة من التاسعة صباحاً حتى الثالثة عصراً مؤقتاً، إلى حين استكمال تفعيلها على مدار اليوم. هذا التصريح كان في شباط/ فبراير الماضي.

وضعت نفسي مكان شاب، من ضمن أسباب إقباله على الانتحار، أحوال البلد الذي يعيش فيه، وقرر الاستعانة بخدمة تبدو إنسانية، وحين اتصل لم يجبه أحد.

إذا كان الهدف هو المساعدة، ما الذي يمنعهم من إيجاد أطباء على مدار اليوم؟ هل هناك نقص أطباء في دولة تعاني من البطالة أساساً؟ أي شركة حالياً لديها خدمة عملاء طوال اليوم، لأنها تريد أن تحافظ على سلعتها. أليست حياة الإنسان أثمن؟

وضعت نفسي مكان شاب، من ضمن أسباب إقباله على الانتحار، أحوال البلد الذي يعيش فيه، وقرر الاستعانة بخدمة تبدو إنسانية، وحين اتصل لم يجبه أحد.

فتشت عن أرقام أخرى فلم أجد سوى خط ساخن آخر يتبع للمركز القومي للصحة النفسية، وهو 20818102. اتصلت فلم يرد أحد. انتظرت حتى صباح اليوم الثاني وكررت طلبي للأمانة النفسية، وجاءني الرد الآلي بتحديد ما أريده بالضبط من خلال أرقام، وكل رقم يخص خدمة بعينها. ضغطت على الرقم الخاص بدعم المقبلين على الانتحار، وجاءني صوت بشري طلب مني الانتظار دقيقة، ثم وصلوني بطبيبة نفسية تدعى مها، سألتني عن بياناتي الشخصية، ثم سألتني السؤال الذي انتظرته، ألا وهو: لماذا تراودك أفكار عن الانتحار؟

اخترت أن تكون أسبابي الوهمية مقنعة. أخبرتها أنني عاطل عن العمل رغم حصولي على شهادة جامعية، وقاربت الثلاثين من العمر، وفي ظل الأرقام الكبيرة لإيجار الشقق والتكاليف فأنا غير قادر على الزواج، وبالتأكيد غير قادر على السفر، لأنه يستلزم مصروفات كبيرة، وأشعر بيأس في البلاد في ظل الأوضاع القائمة، يومي كغدي ولن يكون هناك جديد، خاصة أنني حين عملت في أعمال مؤقتة، لم أحصل على ما يكفي للمواصلات، بجانب عدم وجود عقد موثق للعمل يمكنني من خلاله أن أبدأ حياة جديدة.

قلت أسبابي مرة واحدة وانتظرت ردها الذي بدأ بالناحية الدينية. أخبرتني أنه لا يأس من رحمة الله وأنها تسع كل شيء ويجب الوثوق بالله دائماً، وأخبرتها أنني لم أعتب على الله في شيء فسألتني كيف وأنا أكفر بالله حين أنوي الانتحار وقرأت عليّ قوله تعالى "لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"، فرددت عليها: "لكنني قرأت تصريحاً لمفتي الجمهورية يقول إن المنتحر ليس بكافر"، ففوجئت برد عصبي: "إنتَ هتتفلسف، تلاقيك قريت الكلام غلط، المنتحر كافر وهيخش النار". التزمت الصمت للحصول على أكبر أجوبة ممكنة.

لا تريد الضحية مَن يجلدها أو يعاقبها، في وقت فقدت فيه أسباب الحياة... تجربة خاصة خلصت إلى أن مقدمي الخدمات النفسية الرسمية في مصر، والذين من المفترض أن يساعدوا المقبل على الانتحار ويعطونه سبباً للحياة، هم أنفسهم يعاقبونه
أعرف أن الحلول الجذرية لا تتوفر في وزارة الصحة أو المركز القومي للصحة النفسية. هم لا يستطيعون إيجاد عمل لعاطل أو طعاماً لجائع، وليس بإمكانهم إيجاد أمل بالحرية... فكيف سيساعدون المقبل على الانتحار؟

حين وجدتني استقبلت عصبيتها بهدوء، بدأت في تقديم باقي الروشتة الطبية، فبعد التخويف من عذاب جهنم، بدأت وصلة تأنيب الضمير والحديث عن قسوتي على عائلتي حين تفقدني، وكيف أنني أخطأت بحق نفسي كثيراً بهذا التفكير، وأنني غير قادر على تحمل مشقات الحياة، ثم طلبت مني الالتزام بتعاليم الله الدينية، وأخيراً الخروج مع الأصدقاء وتغيير الجو، ولو استمر هذا التفكير لا بد من قدومي إلى مستشفى الأمراض النفسية لإجراء مقابلات وجهاً لوجه.

وحين سألتها هل يوجد برنامج كامل لمثل حالتي، أخبرتني بصراحة فاجأتني أنه لا يوجد أي برامج... وانتهى الاتصال.

في اعتقادي، واعتقاد كثيرين غيري، أن المقبل على الانتحار هو ضحية، ليس هناك شخص يريد إنهاء حياته طوعاً، الأسباب كثيرة ومتشعبة ولا ترتبط بمستوى اجتماعي أو تعليمي، الأرقام العالمية تشير إلى أن هناك حالة انتحار كل 40 ثانية وبالنسبة إلى مصر فإنها الأولى عربياً.

وهذا ما يجعلني أقول إن الدولة ساهمت، بشكل أو بآخر، في دفع المزيد من الشباب إلى حافة اليأس، حين قررت أن يدفع جيل واحد ضريبة إصلاح اقتصادي لعقود مضت، ومنعته حتى من قول كلمة "آه"، ولا أقول إن تلك الأسباب سبب كل حالات الانتحار، لكن عدم وجودها، أو تقليل حدتها على الأقل، سيساهم في إنقاذ البعض، خاصة أن أسباباً كثيرة من الانتحار كان عنوانها الأول "الفقر".

المهم أن الضحية لا تريد على الأقل مَن يجلدها أو يعاقبها، في وقت فقدت فيه أسباب الحياة، فما خلصت له من تجربتي هو أن أطباء وزارة الصحة، والذين من المفترض أن يساعدوا المقبل على الانتحار ويعطوه سبباً للحياة، هم أنفسهم الذين عاقبوه.

تخيّل شخصاً يريد إنهاء حياته وذهب إلى مَن ظن أنهم سينجدونه، فوجد شخصاً يهدده بالجحيم ويقول له إنه مخطئ بحق جميع من حوله، وإن ما هو فيه نتيجة ابتعاده عن الالتزام بالتعاليم الدينية، وأخيراً عليه الخروج مع الأصدقاء.

أعرف أن الحلول الجذرية لا تتوفر في وزارة الصحة أو المركز القومي للصحة النفسية، هم لا يستطيعون إيجاد عمل لعاطل أو طعاماً لجائع، وليس بإمكانهم إيجاد أمل بالحرية، لكنني أيضاً أعرف أن طريقة جلد الذات التي يظنون أنها تعمل بمثابة صدمة، قد تجعل المقبل على الانتحار يفيق من حالته، لا تنفع، وهي لا تنفصل عن المحاكمات الشعبية التي تلوم مَن أنهى حياته باعتباره كافراً.

بعد تجربة المكالمة، تأكدت أن الدولة لا تحمل للمقبل على الانتحار سوى العقاب وبعض النصائح الطفولية، فقط لتبدو أمام العالم أنها مهتمة… إنهم يقتلوننا مرتين، مرة حين يمنعوننا من العيش كبشر، ومرة حين يعاقبوننا على تفكيرنا اليائس.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard