"أنا صوت الله... أنا الحق"... لماذا أُعدم عماد الدين النسيمي؟

الخميس 5 ديسمبر 201904:17 م

منذ أن قال منصور الحلاج: "أنا الحق" وسعى إلى حتفه، فإن من لم يكن منصوراً في قولة "أنا الحق" لن يعرف الرغبة أبداً!

أراد عماد الدين النسيمي أن يذيع عبر أشعاره وكلماته لكل العالم سرّ حبه، لكن من حوله كانوا لا يرغبون في مثل تلك الأفكار التي ينبسط فيها الإنسان دون حدّ أو قيد وينطق بما يلقى في قلبه. رام النسيمي مثل غيره من الصوفية، وعلى رأسهم أستاذه الروحي منصور الحلاج، القرب من الله والاتصال به أكثر، وقد لبّى الله مرادهما فحصلا على الثراء السرمدي، فكلاهما لا يصبو إلى الدنيا وتبرها الفاني، نطق شعراً برغبته فقال: أيها الصوفي الجالس في خلوتك... اطلب من الندماء كأس خمرة حنيفية.. ولا تضع أيامك واغتنم الفرصة، لا أمان للدهر فعامله بما يستحق، لقد أصبح اسمي بين الناس اليوم: الصائم.. المتقي! ولكن غداً في يوم المحشر كيف أتخلّص من هذا العار الصوري؟ أيها المحبوب لا تستر وجهك عني، أنا الذي احترقتُ بحبك مائة مرة ولا يملك قلبي إلا أن ينطق بـ"خموش= صمت". كالشمع تكفيني شعلة من شوق وجهك حتى أجعلها قِبلة فراشتي وأحترق بها.

عماد الدين النسيمي هو ياقوتة حلب وتلميذ لحلّاج الأسرار، سار على دربه في البوح بالشطحات الصوفية، وصدر بحقّه حكم بالإعدام من قبل السلطة الدينية في عصره، عام 820 هجرية 1417م، بسبب دعوته إلى الحروفية، التي نُظر إليها كقضية سياسية، فمثل هذا الصوفي تنجذب إلى أفكاره العوام، ولا بد أن يكون عبرة لغيره، وذلك بأن يُعدم على الطريقة المالكية، فيُسلخ جسده ويشهر بحلب سبعة أيام وينادى عليه، وتُقطع أعضاؤه ويُرسل منها شيء لبعض أتباعه..

حينما سُئلت عن هذه الطريقة في التعذيب والقتل التي استحقها النسيمي الصوفي "لكفره، كما زعم الفقهاء"، أيهما الكافر، القاتل أم المقتول؟ قلتُ هذه صورة من صور شتى تفنّن فيها المسلمون قديماً، ومن يقرأ موسوعة العذاب لعبود الشالجي، سيكتشف طرائق لا إنسانية كثيرة تشير إلى غياب الرحمة في دنيا السياسة.. أغلب من قُتل بسيف الشرع هو في الحقيقة مقتول بسيف السياسة، لكن العامة لا تسمع وتعتقد إلا ما يعتقده الغالب، ولا تبحث وتدقق في أمر يؤرق عقلها..

ومن حيل الفقهاء في حالة النسيمي، أن واحداً منهم، كما تروي كتب التاريخ، وضع في طباق نعلٍ أهداه إلى النسيمي سورة "قل هو الله أحد" وأبلغ عنه! فاستخرجوا الورقة.. فسلّم الشيخ أمره لله وعلم أنه لا بد مقتول، وأعدم النسيمي.. أُعدم من قال: إنني شمس الحب على أفق الخلود. على وجهك تكشف الحقيقة اليوم الموعود. كلّ دلالات الأحرف تبرهن على ذلك. أنت الذي تُرى في وجهك مادة الأزل.. صورتُك هي صورة الرحمان البديع.

لقي نسيمي حتفه في مدينة حلب التي كانت تابعة لسلاطين المماليك آنذاك، فاجتمع العلماء وأعلنوا كفره، وأفتى المفتي بقتله، وقد قُتل شرّ قتلة وسُلخ حيّاً، ولموته قصة تستحق الذكر. قيل إن مفتي حلب كان من شهود قتله، وأعلن وقتها أن النسيمي نجس ويموت ميتة نجسة: "ولو وقعت نقطة من دمه على جارحة من جوارحي لقطعتها". وكان من عجيب الاتفاق أن أصاب المفتي رشاش من دم النسيمي في أثناء كشط جلده وهو يُعذّب، وسقطت نقطة من دم النسيمي على إصبع المفتي، فتنبّه إلى ذلك أحد الصوفية الحاضرين، فالتفت إلى المفتي وقال: لقد سقطت نقطة من دمه على إصبعك فاقطعها كما وعدت بذلك أيها المفتي، فذعر المفتي وقال: كلا، إنما قلت ذلك حينما كنت أمثّل لكم وليس في التمثيل من حرج، وثار النسيمي لكذب المفتي وخساسته، فما منعه هو التعذيب عن أن يقول هذين البيتين:

لا بدّ من قطع إصبع هذا الزاهد الذي زاغ عن الحقّ

انظر إلى ذلك العاشق المسكين الذي يمزّق إهابه من قمّة رأس إلى أخمص قدمه، فما بكى ولا شكا.

آمن النسيمي أن الله يعلن عن ذاته من خلال الإنسان، لذا كان ينصح مريديه أن ينحنوا للإنسان حتى لا يضلوا الطريق، الأرض والسماء عنده هما جوهر الحق، أنا الحق، ينطق بها الدف والناي! وإذا كان التصوف بحسب قول أبي سعيد ابن أبي الخير: أن تدع ما في فكرك، وأن تعطي ما في يدك، وأن تندفع بما يأتي عليك! فاندفع النسيمي يعبّر عن تجربته الروحية شعراً، فأخبر عن نفسه قائلاً:

خليع أنا وفاجر، جعلت بيتي ركن الحانة

منذ مولدي عشقت، وأقررت بسكري

جميع الأشياء من الأرض إلى الثريا: آدم وحواء، حوريات الفردوس، الربيع والشجر، الملاحدة والمؤمنون، خرقة الدرويش وزنار المسيحي، القيثارة والمزهر، الناي والكمان، المتكلم والكلمة.. كلهم ثملون مثلي بنشوة الخلق.

أنا الروح والمادة، أنا المكان والزمان، أنا الجسد والروح، أنا النجم والسماء، أنا الغابة المحترقة، أنا البحر، أنا الكنز الإلهي الدفين.

اسمي آدم، وأنا الإنسان.

الحب أسكرني في الوليمة الأزلية، وأنا الآن أرى العالم في نشوة سكرى

أنا ثمل في ملكوت الله، وسأبقى ثملاً فلا أصحو قبل يوم الحساب

منذ مولدي عشقت، وأقررت بسكري

حين فاض العقل الكوني

وبأمره "كن" اندفع العالم سكران بنشوة الخلق.

الإنسان عند نسيمي إذن هو المرآة التي يتجلّى فيها الجمال الإلهي، وفي عقيدته أن من لا يعبد المحبوب فهو شيطان، لأن إبليس أبى السجود لآدم، ويتخذ نسيمي حجّته على ذلك من قوله تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ"، فالآية بالنسبة له دليل على أن الإنسان يستحق العبادة. كما يستشهد على فكرته بقوله تعالى: "وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"، إذ يرى في هذه الآية دليلاً على سرمدية الوجه الإنساني.

ويقول في بعض غزلياته:

كل لفظ من حديثك المعول درة يتيمة ومحياك شمعة

الشمس والبدر فراشتان عليها تتهافتان

ووجهك ذلك القمر المنير

ومن أنواره يقبس الشمس والبدر شعلتين لا تنطفئان

اطرح مسبحتك وسجادتك أيها المدعي

وتأمل تلك الذوائب وذلك الخال

ما أعجبهما حبة منثورة وحبالة منصوبة

الحق حبيب المحبين فهبْ للحق روحك

ومن لا حبيب له لا روح له

فلِمَ البقاء من غير روح

اسجد لهذه الصورة إنها صورة الرحمن، فما رُدّ قط ساجد لها!

إن نسيمي مصفود في قيود من شعرك أيها الجميل

ومن لا يقعُ في حبالة شعرك غرّ جهول!

كان نسيمي تلميذاً لفضل الله ابن محمد التبريزي، المعروف بالحروفي، أسّس الشيخ مذهباً له يُسمّى المذهب الحروفي، ودعا إليه، فعزم تيمورلنك على قتله لأنه اعتبره كافراً، فلجأ فضل الله الحروفي إلى ابن تيمورلنك ليكون آمناً في حماه، غير أن حاميه هذا ضرب عنقه بيده، ولـما عرف ذلك تيمورلنك أمر برأسه وجسده فأحرقا عام 1401م، ولكن مذهبه بقي بعده إلى منتصف القرن السابع عشر الميلادي، وقد تمذهب به الشاعر النسيمي.

 في مدينة حلب التي كانت تابعة لسلاطين المماليك آنذاك، اجتمع العلماء وأعلنوا كفر النسيمي وأفتى المفتي بقتله، وقد قُتل شرّ قتلة وسُلخ حيّاً، ولموته قصة تستحق الذكر 

"اسمي آدم، وأنا الإنسان. الحب أسكرني في الوليمة الأزلية، وأنا الآن أرى العالم في نشوة سكرى. أنا ثمل في ملكوت الله، وسأبقى ثملاً فلا أصحو قبل يوم الحساب"

يتحدث المذهب الحروفي أن هناك علماً خفياً لا يحيط به إلا كل ذي حظ عظيم في التجربة الروحية، وبه يفسّر كل موجود في الأرض والسماء ويشرح من خلاله الروابط التي تجمع بين الموجودات، وأصل هذا العلم في القرآن الكريم، غير أن مفاتيح خزائنه في يد الصوفية

يتلخّص المذهب الحروفي في أن هناك علماً خفياً لا يحيط به إلا كل ذي حظ عظيم في التجربة الروحية، وبه يفسّر كل موجود في الأرض والسماء ويشرح من خلاله الروابط التي تجمع بين الموجودات، وأصل هذا العلم في القرآن الكريم، غير أن مفاتيح خزائنه في يد الصوفية، ثم في يد خلفائهم ومريديهم، ممن أنضجتهم التجربة وورثوا العلم ومنحهم الله ذوقاً وعلماً من لدنه. وقد خلق الله الإنسان على صورته وهو معبود الملائكة، إلا إبليس الذي أبى أن يسجد له، وللقرآن معانٍ سامية، وكذلك لأركان الإسلام، إلا أنه لا ينبغي الوقوف عند هذه المعاني الحرفية، وللحروفية تشبيهات وتمثيلات ورموز حظيت باهتمام أهل الخط والرسم، إلا أن لها أصولاً اعتقادية، فالحروفية يرون أن رأس الإنسان بمثابة سورة الفاتحة، وأعضاء الإنسان مقدسة عندهم.

ومن رباعيات النسيمي التي يذكر فيها الأركان التي يقوم عليها المذهب الحروفي:

يا من جمالك قل هو الله أحد

ونقش صورتك الله الصمد

غدائرك لها طرف في الأزل وآخر في الأبد

وشيطان كل من لم يسجد لحسنك مع الساجدين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard