معاناة لم تنتهِ... مواجهات بين مواطنين والأمن في جِلمة التونسية بعد انتحار شاب

الثلاثاء 3 ديسمبر 201906:20 م

بعد ثماني سنوات على إضرام البوعزيزي النار بجسمه، تغيّر الرئيس التونسي أربع مرات، وتغيّرت الحكومة 12 مرة، ولم تتغيّر المعاناة في ضواحي سيدي بوزيد منطلق الثورة التونسية ومهد الربيع العربي.

في مدينة جِلْمة التابعة لولاية سيدي بوزيد، أعاد انتحار شاب، الجمعة 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، مأساة البوعزيزي إلى الأذهان، فكلاهما قضى حرقاً، تنديداً بالأوضاع المزرية في المنطقة وتجاهل السلطات للمطالب الاجتماعية، وكلاهما ينتمي إلى المنطقة نفسها.

واندلعت احتجاجات غاضبة في جِلمة إثر انتحار عبدالوهاب الحبلاني (25 سنة)، الذي أحرق نفسه احتجاجاً على عدم سداد راتبه، فندّد المتظاهرون بالفقر والتهميش اللذين تعانيهما ضواحي سيدي بوزيد عموماً.

وعاشت المدينة ثلاث ليالٍ على وقع اشتباكات عنيفة بين الأهالي وعناصر الأمن، أسفرت بحسب وسائل اعلام تونسية عن توقيف 11 شخصاً، بالإضافة إلى 10 جرحى في صفوف الشرطة.

وأعلن والي سيدي بوزيد محمد صدقي بوعون، اليوم الثلاثاء، أن الأوضاع في جلمة عادت للاستقرار والهدوء بعد سلسلة من الاحتجاجات. وكان بوعون قد فتح أمس تحقيقاً في ملابسات مأساة حبلاني.

وأضاف أن كل الحواجز رفعت من الطرق، واعتبر ما حدث "سحابة عابرة تم تجاوزها" متعهداً النظر في مطالب الأهالي التي وصفها بالمشروعة.

لكن ما الذي حدث؟

بحسب قول الناشطة التونسية ميساء الوسلاتي لرصيف22، توفي الحبلاني وهو في طريقه إلى المستشفى، فخرَج سكان المدينة في جنازته "التي تحوّلت فجأة إلى تظاهرة سلمية تطالب بالعيش الكريم".

ولجأت قوات الشرطة إلى استعمال الغاز المسيل للدموع بغية فض الاحتجاج، "وهذا ما أثار غضب المتظاهرين، خاصة أن الأمر لم يكن يستحق استعمال تلك القوة المفرطة"، واستمر الوضع على هذا الحال إلى الليلة الماضية، بحسب الوسلاتي.

وأحرق عدد من المتظاهرين الإطارات المطاطية، وأطلقت الشرطة القنابل المسيلة للدموع لتفريقهم، كما جرى إغلاق مداخل المدينة، ومداهمة المقاهي وتحطيم ما فيها، في مشهد أشبه بمحاولة لعسكرة المنطقة.

وتداوَل نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صوَراً تظهر توافد شاحنات الشرطة من خارج مدينة جلمة، بالإضافة إلى تمركز مكثف للقوات الأمنية أمام مقر المعتمدية ومركز الأمن، وفي الشارع الرئيس للمدينة.

احتجاجات غاضبة في جِلمة التونسية إثر انتحار عبدالوهاب الحبلاني احتجاجاً على عدم سداد راتبه، وبسبب الفقر والتهميش اللذين تعانيهما ضواحي سيدي بوزيد عموماً.
الاتحاد العام التونسي: الحكومات المتعاقبة لم تحِط بالشباب، واعتمدت منوالاً تنموياً فاشلاً لا يراعي تطلعاتهم، ويكرس التفاوت بين الفئات والجهات.

مدينة محكوم عليها بالتهميش

"جِلمة تفضح الأمل"، بهذه العبارة عبّر السياسي والأكاديمي التونسي عدنان منصر عن استمرار المقاربات الأمنية في التعامل مع الشارع، وكتب عبر صفحته الرسمية في فيسبوك: "هناك من يعتقد أن شاباً ضحية البيرقراطية يحرق نفسه بؤساً، في 'السياق الجديد'، تفصيل لا قيمة له".

وأضاف: "هم مخطئون. يبدأ كل شيء هكذا: عدم فهم هذا النوع من الرسائل والاستهانة بها. الاعتقالات الليلية في جلمة، والغاز المسيل للدموع، والهراوات، فضيحة للأمل، ومدعاة للتفكر والمراجعة!".

وأعرب النائب عصام البرقوقي عن تضامنه مع أهالي المدينة قائلاً: "أوجه رسالة تضامن مع أهلي في جلمة الذين أتفهم غضبهم من جراء التهميش الذي تعرضوا له من كل الحكومات المتعاقبة"، واعداً إياهم بـ"الدفاع عنهم وتمثيلهم وإيصال أصواتهم إلى حين تلبية مطالبهم المشروعة في التنمية، والتشغيل، والعيش الكريم".

وأصدر الاتحاد العام التونسي للشغل عن طريق مكتبه الجهوي في سيدي بوزيد بياناً اعتبر فيه انتحار حبلاني "تواصلاً لسلسلة المآسي التي ذهب ضحيتها عدد كبير من شباب الجهة المحرومين من أبسط أسباب العيش الكريم".

وحمّل المسؤولية للحكومات المتعاقبة، مسجلاً أنها "لم تحط بالشباب، واعتمدت منوالاً تنموياً فاشلاً لا يراعي تطلعاتهم، ويكرس التفاوت بين الفئات والجهات"، وأبدى في الوقت نفسه دعمه لـ"الحراك السلمي" ذي المطالب الاقتصادية والاجتماعية، وأدان استعمال العنف الذي ستترتب عليه "تداعيات خطيرة تهدد الحريات الفردية والعامة".

"المدينة شبه معزولة"، تقول الناشطة ميساء الوسلاتي لرصيف22، وتلفت إلى أن جلمة تعاني التهميش مثل معظم الجهات الداخلية من التمييز منذ عهد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة.

ولفتت الى أن "الوضع في جلمة غير إنساني"، وأن الوضع الاقتصادي يتجه الى الأسوأ، فيما الوضع الحقوقي بعيد كل البعد عما يروج رسمياً، مبديةً أسفها لأن النظام، حسب تعبيرها، "بصدد إعادة إنتاج وسائل قمعية زجرية للتصدي للتحركات الاجتماعية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard