بين قطبي الرحى... حين تطحن ثنائية الإسلام والعسكر بذور الوعي في مصر

السبت 7 ديسمبر 201903:56 م

سبق للنظام العسكري في مصر أن استوعب قبل سنوات كثيرة فكرة ألكسندر أرباتوف، المستشار السياسي لآخر الرؤساء السوفيات ميخائيل غورباتشوف، حينما خاطب الغرب عقب انهيار جدار برلين بالقول: "سنقدم لكم أسوأ خدمة بأننا سنحرمكم من وجود عدو".

لم تكن تلك الجملة، على أهميتها وسحر واقعيتها السياسية، أكثر من مجرد تأكيد للمنطق الذي درج عليه النظام المصري في كيفية إدارته للبلد والشعب، منذ سيطرته على الحكم في خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن، إذ تم الحفاظ على عدو جاهز ودائم الحضور يبرر شرعية النظام وسطوته واستمراريته، ولم يكن مهماً إن كان "العدو" من خارج مصر أو داخلها.

ففي خمسينيات القرن العشرين، لم يبذل قادة "ثورة الضباط الأحرار" جهداً كبيراً في البحث عن مشروع يجيّشون به الجماهير حولهم، إذ شكلت إسرائيل خطراً حقيقياً قائماً، وكان من السهولة تعبئة الناس حول مسألة الكفاح المسلح ضدها، لا سيما بعد اتهام الملك فاروق بأنه وراء خسارة العرب في حرب عام 1948. ولكن خطابات القومية والعروبة والتقدمية والاشتراكية ومحاربة الأنظمة الملكية "الرجعية" تمادت في استخدام خطر هذا العدو لتحقيق أغراض سلطوية داخلية حتى صارت مجرد رؤى سياسية لخدمة مشروع "وهمي" لمقاومة الاحتلال.

عدد من الضباط المصريين عام 1953. من اليسار إلى اليمين: زكريا محيي الدين، عبد اللطيف بغدادي ، كمال الدين حسين (واقفاً)، جمال عبد الناصر، عبد الحكيم عامر (واقفاً)، محمد نجيب ، جمال حماد وأحمد شوقي.

تمكن العسكر المصري من تعزيز سلطته على كامل تراب البلاد، وتحوّل عبد الناصر إلى زعيم قومي وحلم للجماهير، ليس فقط في مصر وإنما في معظم البلاد العربية وخصوصاً في تلك التي استلهم قادتها نهجه كأسلوب للحكم مثل سوريا والعراق وليبيا، حيث تمادت بروباغندا الإعلام في عسكرة مجتمعاتها أسوة بتجربة ميديا نظام "الأخ الأكبر" في مصر، إلى أن وقعت عام 1967 حرب الأيام الستة التي تم الاصطلاح على تسميتها زوراً بـ"نكسة حزيران"، مع أنها وبجميع المعايير العسكرية والحربية هزيمة كاملة الأوصاف.

كشفت هزيمة الـ67 هشاشة المشروع الناصري، وظهر للعيان أن الجيش الذي سخّر "الزعيم" كل مقدرات مصر لأجله لم يكن أكثر من جهاز أمن لاضطهاد المناوئين له وزجهم في السجون، فضلاً عن خوض حروب مع دول عربية خلّفت أعباءً اقتصادية ثقيلة لم يكن بمقدور لا البلد ولا الشعب المصري تحمّلها.

إحدى طائرات ميغ 21 المصرية مدمرة على الأرض.

بروز الإخوان من الهزيمة

بعد هذه الهزيمة النكراء، وجد النظام المصري نفسه عارياً حتى أمام مناصريه، فكان المناخ ملائماً تماماً لبروز تنظيم الإخوان المسلمين الذي كان قد سبق لعبد الناصر أن عمل على تفتيته وتهفيت شعبويته الدينية لصالح شعبوية العسكر، فشهدت مصر عودة قوية للإخوان إلى سطح المشهد السياسي والاجتماعي وحتى الاقتصادي في عموم البلاد، مع طرح الجماعة خطاباً لخصه بعد نحو عقدين شعار "الإسلام هو الحل" كحل للخروج من الهزائم المتتالية التي مُني بها مشروع عبد ناصر.

ترك خطاب الإخوان الإسلامي صدى واسعاً أمام الجماهير المصدومة بالهزيمة، ما دعا العساكر حينها إلى الرضوخ قليلاً والسماح بعودة الدماء إلى هذا "العدوّ" الذي تنامت شعبيته بشكل غير مسبوق في الشارع المصري وكاد أن ينال من الشعبوية القومية.

لم يتوانَ الإخوان عن استثمار فشل مشروع العسكر لصالحهم، ما أجبر الضباط على الدخول في لعبة التلاعب السياسي بالمشاعر الدينية والتي لم تؤدِّ سوى إلى مزيد من انخفاض مستوى الوعي الشعبي السياسي وازدياد نسب الفقر، فالنظام العسكري لم يدخل هذه اللعبة من باب البحث عن التعددية الحزبية وتعزيز الديمقراطية والتنوع داخل المجتمع ولا من باب تقوية حضور المجتمع المدني في البلاد، وإنما دخلها من باب السعي إلى تعزيز سلطة الجيش وإطباق يده مجدداً على جميع مفاصل المجتمع ومقدرات الشعب ومستقبله.

ملامح تلاعب النظام المصري والإخوان، كل من جهته وبأسلوبه، بالوعي الشعبي وبمقدرات البلد خلال فترة حكم الرؤساء أنور السادات وحسني مبارك وأخيراً عبد الفتاح السيسي أكثر من أن تحصى.

وبعودة سريعة إلى انتخابات عام 2012، يمكن القول إن خسارة أحمد شفيق في الانتخابات الرئاسية أمام محمد مرسي كانت متوقعة، كونها جاءت حصيلة تراكم عقود طويلة من الفساد وإلغاء الحياة المدنية والديمقراطية في البلاد، فكانت رغبة الشعب المصري في الانتقال إلى حكم مدني أكبر من مخاوفهم من أي حكم ديني.

وهكذا، تبوّأ الإخوان سدة الحكم عبر صناديق اقتراع لا لبس في "ديمقراطيتها" من حيث الشكل، وأركز على الشكل لأن الديمقراطية ليست مجرّد صناديق اقتراع، فجلّ ما فعله النظام العسكري في مصر طيلة أكثر من نصف قرن هو تعطيل الديمقراطية وإفراغ مؤسساتها من أي مضمون حقيقي ومؤثر، وهو ما ساهم في فتح الطريق عريضاً أمام الشعبوية الدينية الأكثر عدداً.

تخبّط الجيش

مع هذه النتيجة، بدا لوهلة أن قادة الجيش الذين لم يعتادوا ممارسة الديمقراطية دخلوا في حالة تخبط وضياع لا يدرون معها كيف سيتم التعامل مع الوضع الجديد، ولم يتمكن لا العسكر ولا الإخوان في بداية الأمر من ضبط الشارع السياسي المصري الثائر، فانفتح الباب عريضاً أمام "شفافية" الإعلام، وبدأت البرامج السياسية تنمو كالفطر في القنوات الإعلامية، ودخل الإعلاميون في حالة من الانفجار الحماسي والانتقاد، غير المهني أحياناً، والتي لم يسبق أن عاشوها من قبل.

هنا، أدرك العسكر المصري أهمية استثمار الانفتاح الإعلامي لصالحهم، فجرى تضخيم كل مشكلة تقع في مصر وتحميلها لحكم الإخوان، وهو ما حدث مثلاً مع مجموعة حوادث القطارات التي وقعت إبان حكم مرسي وأسفرت عن وفاة أكثر من 123 شخصاً، إذ وجدها العسكر فرصة لهم لزعزعة حكم الإخوان، فيما لم يتمكن الإخوان المسلمون، نتيجة حداثة عهدهم بالحكم، من ضبط الصحافة ولا حتى التأثير فيها بما يفيد "حكم المرشد".

هنا، وبحكم الواقع المرير، وجد الشعب المصري نفسه مرة أخرى مطحوناً أمام ثنائية عداوة مشتركة بين قطبين لهما الحصة الأكبر من التابعين، لكن تتقاطع مصالحهما بكثرة في الوقت نفسه، وتدفع بالطرفين إلى البحث دوماً عن نقاط عمل مشتركة ضد الجماهير حتى لو شاب آلية العمل تلك بعض الخسارات في بعض الكوادر، ومن الطرفين.

"سبق للنظام العسكري في مصر أن استوعب قبل سنوات كثيرة فكرة ألكسندر أرباتوف، المستشار السياسي لآخر الرؤساء السوفيات، حينما خاطب الغرب عقب انهيار جدار برلين بالقول: ‘سنقدم لكم أسوأ خدمة بأننا سنحرمكم من وجود عدو’"
"تبقى التنظيمات الإسلامية القادرة على ضبط الشارع العريض واستعباده بـ’النص المقدس’ أسهل في التعامل بالنسبة إلى الأنظمة الديكتاتورية، لأن حضورها يشكل بديلاً ‘رائعاً’ لأي تحرك مدني ديمقراطي يزعزع قبضة الأنظمة العسكرية"

فعلى الرغم من موقف النظام المصري الحازم تجاه تنظيم الإخوان المسلمين مؤخراً، عبر تصنيفه جماعةً إرهابية أو عبر التضييق على نشاطه ومحاربته والزج بكوادره في السجون، لا يمكن تجاهل أن النظام استفاد من الإخوان في إعادة تجديد قوة الجيش التي افتقدها عام 2011.

وإزاء تحوّل الصراع بين القوتين الوحيدتين عملياً في مصر إلى صراع على التحكم بالمجتمع المصري، فإن النتائج المترتبة على وجود تنظيم إخواني مصنّف كمجموعة إرهابية، سهل على النظام عملية التحكم بالمجتمع، في حين استمر الإخوان في رفع شعار "وأعدوا" بالتوازي مع الاستثمار في مظلوميتهم من جهة، وفي اجتثاث جذور وعي جماهير واسعة في البلاد. فعلق الشعب بين خياري إما العسكر وإما الإسلام السياسي.

الإسلاميون بديل "رائع"

تبقى التنظيمات الإسلامية السياسية القادرة على ضبط الشارع العريض واستعباده بـ"النص المقدس" أسهل في التعامل بالنسبة إلى الأنظمة الديكتاتورية، لأن حضور مثل هذه التنظيمات ذات القاعدة الجماهيرية العريضة يشكل بديلاً "رائعاً" لأي تحرك مدني اجتماعي ديمقراطي سلمي حقيقي آخر، لأن التعددية الحزبية الديمقراطية الحقيقية، إن تحققت، ستزعزع قبضة الأنظمة العسكرية مع مرور الوقت وستكشف فسادها وتفضح تخلّفها وجمودها، وهي التي ما اعتادت أن يحاسبها أحد على ذلك.

عموم الأنظمة الديكتاتورية العربية وليس فقط المصري تعتمد القاعدة الفقهية التي تقول إن "درء المفاسد أولى من جلب المنافع"، لأنه حالما يتم التأكد من انتهاء المفاسد فإن الناس ستبدأ بالمطالبة بحقوقها، وشاهدنا كيف أربكت فيديوهات رجل الأعمال والفنان محمد علي، من منفاه في إسبانيا، هرم السلطة المصرية، فقد اضطر السيسي للرد شخصياً على شبهات الفساد التي تم اتهامه بها، فكيف لو كان هذا الفنان يمارس نشاطه السياسي داخل بلده مدعوماً بحزب سياسي يدافع عنه؟

وإذا كان يمكن لنظام ديكتاتوري أن يبرر ممارسة عنفه تجاه كوادر تنظيم الإخوان بحكم تصنيفهم جماعة إرهابية، فكيف سيتم تبرير مقاضاة أشخاص يطالبون بالكشف عن الفساد؟ وأين؟ في مؤسسة الجيش. ومَن؟ رأس النظام شخصياً.

من هنا، فإن أي نظام عسكري لن يكون قادراً على تحمّل مَن يطالب بالديمقراطية ولا بالكشف عن الفساد، ولن يكون أيضاً قادراً على التعامل معه "بالقانون"، أقلّه، أمام الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان، فيما يستطيع، وبسهولة، أن يفعل ما يحلو له مع آخرين بحجة محاربة الإرهابهأها.

وضع الإخوان في مصر، عبر التاريخ والآن، لم يشكل خطراً حقيقياً على بنية النظام القائم، بقدر ما شكل عبئاً على وعي الجماهير، وهنا بالضبط إحدى أهم النقاط التي يلتقي بها العسكر مع الإسلام السياسي، وهذه ربما من أهم عوامل عدم قطع حبل السرة مع التنظيم الإخواني.

طالما بقيت القطبية الثنائية "عسكرـ إسلام سياسي" هي الوحيدة الفاعلة والمتبقية داخل المجتمع، فإنه لن يتم التمكن من المضي نحو دولة ومجتمع ديمقراطي ولن يستطيع الشعب المصري تحقيق حلم العدالة الاجتماعية ولا رفع مستوى الوعي ولا القضاء على الفقر والأمية اللذين يتغلغلان في المجتمع، وسيبقى المصريون دوماً رهينة هذا الصراع الذي سيجعلهم يدورون بين رحاها دون أي تقدم أو تطور.

ولا أمل للشعب المصري ومعه العديد من شعوب المنطقة إلا في العمل على تفكيك هذين القطبين والسير باتجاه خيارات أخرى يكون للمجتمع المدني والمؤسسات الديمقراطية دور واضح وجلي ومؤثر فيها، بحيث يتحرر الناس من سلطتي الإسلام السياسي والعسكر على حدّ سواء. وبدون ذلك سنبقى ندور ضمن رحى ثنائية العسكر والإسلاميين وسنستمر في الدوران باتجاه المجهول وإلى ما لا نهاية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard