رائحته كريهة وفأله سيء ولقبه "ملك الفواكه"... تذوُّق "الدوريان" في إندونيسيا

الأحد 1 ديسمبر 201905:41 م

أحد أكثر الجوانب الممتعة في السفر إلى بلاد بعيدة جداً عن الشرق الأوسط، مثل جنوب شرق آسيا، هي تجربة تذوّق الأطعمة المختلفة، خاصة الفواكه الغريبة التي تشتهر بها هذه البلاد.

أثناء سفري إلى إندونيسيا، لاحظتُ وجود الكثير من الحدائق وأغلبها حدائق مجانية، ولذلك فإن أجمل متعة في إندونيسيا هي السير على الأقدام والتمتع باللون الأخضر الزاهي، وإندونيسيا كلها خضراء، لأن الأمطار تمتد لستة أشهر متتابعة، من نوفمبر إلى إبريل.

وعرفت أن إندونيسيا تشتهر بوفرة الفواكه المحلية المعروفة وغيرها، والفواكه دائماً هي الغذاء الصحي، والآمن في السفر عادة للمسافرين.

ذهبت إلى أحد الأسواق المحلية في جاكرتا لشراء بعض الفاكهة، وما إن وصلت السوق حتى سحرت عيني ألوان الفواكه المحلية الطازجة الملفتة للانتباه، يبدو أن مناخ إندونيسيا مناسب تماماً لزراعة تلك الأنواع من الفواكه، وقد قرأت في أحد المواقع تصريحاً لوزارة الزراعة في إندونيسيا، أنه يوجد 60 نوعاً من الفاكهة لديها القدرة على النمو في إندونيسيا.

موز التفاح

الملفت للنظر أنه في كل مكان في السوق، بل في إندونيسيا عموماً، سترى الموز، أنواعاً عديدة من الموز، منها موز صغير الحجم، يطلقون عليه "موز التفاح"، وهو لذيذ جداً، ومن هنا جاءت تسميته، وموز أخضر كبير وهو يستخدم كرقائق مقلية، وموز أحمر وهو لين وله نكهة حلوة وطعمه مثل الموز العادي، وغالباً ما يستخدم في الحلويات، وجوز الهند الذي قلما يخلو شاطئ من أشجاره، والمانجوستين التي ليس لها صلة بالمانجو لا من قريب ولا ومن بعيد، فاسمها مخادع بعض الشيء، لكنها فاكهة تمتاز بحلاوتها، ولذلك يلقبونها بـ"ملكة الفواكه"، وهي عبارة عن ثمرة أرجوانية اللون، بعد أن تنزع قشرتها ستجد لباً أبيض حلواً، كبير الحجم، منتفخاً يشبه فصوص الثوم لكنه حلو.

في كل مكان في السوق، بل في إندونيسيا عموماً، ترى الموز، أنواعاً عديدة، موز صغير الحجم، يطلقون عليه "موز التفاح"، وهو لذيذ جداً، وموز أخضر كبير وهو يستخدم كرقائق مقلية، وموز أحمر وهو لين، وله نكهة حلوة

"تناول الدوريان هو شعور جيد يستحق رحلة إلى الشرق لتجربته" عالم الطبيعة ألفريد راسل والاس في كتاب "أرخبيل الملايو"

"المانجوستين" اكتشاف نادر

لقد كان اكتشاف تلك الثمرة في العالم الغربي اكتشافاً نادراً، حتى أنهم حاولوا زراعتها في بلادهم لكن المحاولات جميعها باءت بالفشل.

وقد وصفها الكاتب الروسي إيفان جونشاروف، الذي قام برحله طويلة إلى البحار الجنوبية في القرن التاسع عشر، أثناء توقف سفينته في سنغافورة، في كتابه "Frigate pallada": "بعدما قطعت المانجوستين وجدتها باردة، طازجة، حساسة، وعندما تذوقتها وجدتها حلوة، حامضية بشكل خفيف".

ولم يقتصر حب المانجوستين على العامة فقط، فعندما تم إخبار الملكة فيكتوريا، ملكة إنجلترا، عن فاكهة أرجوانية لذيذة تنمو في جنوب شرق آسيا، وعدت الملكة بمنح لقب فارس لأي شخص سيحضرها إليها، لكن كل المحاولات باءت بالفشل والسبب الرئيسي في فشل إحضارها، هو أنه في القرن التاسع عشر كانت الرحلة من جنوب شرق آسيا تستغرق شهوراً، وبالطبع فإن الفاكهة "الحساسة" ستفسد قبل الوصل إلى إنجلترا.

وأغلب الفواكه في السوق أسعارها معقولة، وتباع بالقطعة، وقبل الشراء يمكنك طلب تذوق الثمار.

وإذا كان للفواكه ملكة، فبالتأكيد سوف يكون لها ملك، ورحت أتساءل عن ملك الفواكه في السوق، حتى أشار البائع إلى الدوريان.

لم أتخيل أبداً أن تكون أكثر فاكهة مثيرة للجدل هي "ملك الفاكهة "، ولا أعرف سبب تسميتهم للدوريان بملك الفواكه، هل بسبب شكله المميز، وحجمه الكبير، أم بسبب جلده الأخضر الشائك الذي يحيط بالبذور والملفوف باللحم الأصفر اللزج؟ أم بسبب ثقل حجمه الذي يشبه كرة بولينج؟

قررت أن أشتري واحدة، مددت يدي لأخذ واحدة، وهنا قال لي أحد الأصدقاء: لا، هذه الفاكهة ليست جيدة، وطعهما سيئ جداً.

ويبدو أنه ضايق البائع بقوله، وأصرَّ البائع أن أجربها قائلاً على سبيل المزاح: "مجاناً".

ولا يوجد شيء مجاني بالطبع، وقد دفعني الفضول لشراء واحدة، وتذوقها، وسألني البائع إذا كان لدي خبرة في اختيار الدوريان؟ أم يختار لي واحدة؟

"خبرة!"، أنا لم أجرب الدوريان من قبل، وسألته هل شراء الدوريان يتطلب خبرة؟

"اختيار الدوريان فن، الجذع يجب أن يكون أخضر، ورائحته قوية".

أجاب البائع أنَّ اختيار الدوريان هو نوع من الفن، وأول شيء يجب أن يكون الجذع أخضر، ثم شمَّه بعد ذلك، فإذا كانت رائحته قوية فهو علامة على أنه جيد، ثم يجب وزن القطعة، لأنها إن كانت ثقيلة فهناك احتمالان، الأول أن يكون جلدها سميكاً والثاني أن بذورها كبيرة، ما يعني أن اللحم سيكون رقيقاً.

يبدو أن الموضوع كبير ومعقد، وبدافع الفضول اخترت واحدة بعد اتباع كل التعليمات والتفاصيل التي قالها البائع، ثم قام بقطعها بالساطور لجزأين، وكشف عن اللحم الأصفر داخلها، وكأنه يشبه لؤلؤة في محارة.

وكنت أتساءل بيني وبين نفسي هل الدوريان حقاً يستحق كل هذا الوقت الذي أخذناه.

أخذت قطعة، تذوقتها ببطء، وأعطيت الباقي لأصدقائي.

كان الأمر غريباً بعض الشيء، وردود أفعالنا كانت مختلفة، بالنسبة لي طعمها كان يشبه الخضروات، وشعرت بحاجة لشرب الماء، ولم أسألهم عن طعمها لأنه كان يبدو تأثيرها عليهم.

"تذوّقها يستحق الرحلة"

وصف عالم الطبيعة ألفريد راسل والاس، الدوريان في كتابه "أرخبيل الملايو" على النحو التالي: "الكسترد الغني الذي يشبه الزبدة، بنكهة عالية مع اللوز، يعطي أفضل فكرة عنها، ولكن عند اختلاطهم تشعر بنكهات مختلفة، مثل الجبن بالكريمة، وصوص البصل، والكرز البني وغيرها من النكهات المتضاربة"، ويكمل: "إن تناول الدوريان هو شعور جيد يستحق رحلة إلى الشرق لتجربته، حسناً... رأيي هو رأي شخصي للغاية، لأن ملك الفواكه ذا الرائحة الكريهة ليس سوى ذوق مكتسب".

يلقب الإندونيسيون الدوريان بـ"الفاكهة سيئة السمعة" و "ذي الفأل السيء"، ومسببة للحوادث والكوارث.

وفي إندونيسيا جدل كبير حول الدوريان، وهم يطلقون عليه لقب" الفاكهة سيئة السمعة" و"ذي الفأل السيء"، والغريب في الأمر أنهم ألصقوا بعض الحوادث به، كنت أعتقد في البداية أنها نوع من المزاح، لكني تفاجأت أن البعض يصدق ذلك.

ولعل أغرب الحوادث التي ألصقوها بالدوريان أنه السبب وراء تحطم رحلة طيران ماندالا رقم 91، في منطقة سكنية مكتظة بالسكان، بعد لحظات من إقلاعها في مدينة ميدان، شمال سومطرة عام 2015، وأسفر الحادث عن مقتل 149 شخصاً، مائة منهم من ركاب الطائرة، و49 شخصاً كانوا على الأرض، ونجا 17 راكباً فقط، ويقال إن معظم الناجين كانوا جالسين في مؤخرة الطائرة.

ولم تعثر التحقيقات على وجود عيب في المحرك، لكنهم لاحظوا أن الطائرة كانت محملة ب 2.7 طن من الدوريان الطازج، وربما لهذا السبب ألصقوا التهمة بالدوريان.

وفاكهة الدوريان ممنوعة من دخول الفنادق والطائرات وسيارات التاكسي، بسبب رائحتها الكريهة التي تدوم لمدة طويلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard