أيزيدية تواجه مغتصِبها في برنامج تلفزيوني... تماسك وانهيار وأسئلة أخلاقية

السبت 30 نوفمبر 201905:43 م

في الثالث من آب/ أغسطس عام 2014، كانت أشواق حجي حميد تستعد مع أكثر من 70 فرداً من عائلتها الواسعة في منزلهم في منطقة سنوني التابعة لقضاء سنجار لعيد استقبال الصيف الخاص بالأيزيديين. حينها كانت تبلغ من العمر 14 عاماً، وحينها لم يأت العيد بل عناصر من داعش داهموا المكان واعتقلوا ما اعتقلوا من الفتيات الأيزيديات اللواتي تم سوقهن كسبايا.

حُكي الكثير عن معاناة الأيزيديات على يد عناصر داعش حتى اعتقد البعض أن تفاصيل الخطف والاغتصاب قد تفقد من قدرتها على هز الوجدان، لكن المواجهة التي تمت بين أشواق ومغتصبها الداعشي محمد رشيد سحاب مصلح في استديو قناة "العراقية" كان لها وقع كبير… كما تركت أسئلة شديدة الحساسية.

مصلح الذي يحمل اسم "أبو همام" (مواليد عام 1984) كان قد نال أشواق كسبيّة بالقرعة من بين فتيات أخريات، وقيل له إنها مكافأة على مشاركته في "غزوة سنجار" وإصابته هناك.

تفاصيل قصة أشواق، منذ خطفها وحتى هروبها، لم تكن وحدها من روتها كما جرت العادة، فقد رواها من ناحيته "أبو همام" المعتقل منذ عام 2018، وذلك في برنامج "في قبضة القانون" الذي تبثه "العراقية" القريبة من الحكومة.

"حصل عليّ بالقرعة"

على مدى 77 يوماً، اغتصب أبو همام أشواق بوحشية، وعن ذلك تقول: " كنا 300 أو 400 في الموصل، بقينا ثلاثة أيام يتوافد علينا عناصر داعش، يهبوننا كهدايا ونباع بأسعار رخيصة كعلبة سجائر مثلاً. نحن 6 شقيقات، أنا وواحدة منهن بقينا في العراق، والبقية تم سوقهن إلى سوريا".

"كنا نبكي من شدة الجوع والألم، بعد حصول أبي همام علي بالقرعة نهض وشدني من شعري. ربط ورفاقه أيدينا بالأصفاد، واغتصبونا بالقوة".

عن ليلة منحها لأبي همام، تخبر أشواق: "استيقظت عند الرابعة صباحاً، كنا جالسات ومعنا أبو همام وأبو أنس وأبو هلال. كنا نبكي من شدة الجوع والألم، بعد حصول أبي همام علي بالقرعة نهض وشدني من شعري. ربط ورفاقه أيدينا بالأصفاد، واغتصبونا بالقوة، وكان أبو همام من اغتصبني".

كانت كاميرا البرنامج تنتقل بين أشواق وأبي همام المتواجدين في غرفتين منفصلتين، وبدوره يخبر: "أخذتها بنفس الليلة، اغتصبتها، ضربتها لأنها لم ترض، وفي اليوم الثاني اغتصبتها كذلك، وفي الثالث ذهبنا عند القاضي لتثبيتها على اسمي كسبيّة".

تعود الكاميرا إلى أشواق: "كنت أقاوم لأبعده عني، لم يمر يوم من دون أن أتعرض للضرب 3 أو 4 مرات على مدى 77 يوماً حتى تمكنت من الهرب". وعن ذلك، تروي: "أعطاني أبو همام هاتفه الشخصي لأتحدث مع عائلته، وعندما سنحت الفرصة اتصلت بأخي الكبير لأتأكد من صحة التهديد الذي سمعته عن أن أي فتاة تهرب يقتلون عائلتها، كما سألته عن نوع دواء يمكن أن نستخدمه لتخدير أبو همام".

الهروب من أبي همام

جرحت أشواق وصديقتها أيديهن، ثم أقنعت أبو همام أنهن قد أصبن بجروح نتيجة مرض جلدي، وفي المستشفى تمكنت من الحصول على حبوب مخدرة بمساعدة أحد عناصر الفريق الطبي.

"وضعنا الحبوب لأبي همام ورفاقه في الطعام والشاي، وعندما تأكدنا أن الجميع قد غطوا في نوم عميق، أقفلنا الأبواب والنوافذ، وهربنا عند الثانية عشرة ليلاً. كان المطر شديداً والكلاب تعوي خلفنا، وقد مشينا لسبع ساعات متواصلة حتى وصلنا حيث كان باستقبالنا عناصر أيزيديون، ونقلت أنا بواسطة طيران الجيش إلى دهوك".

ألقى جهاز الاستخبارات القبض على أبي همام عام 2018، ثم اتصلت الشرطة بأشواق التي كانت قد لجأت إلى ألمانيا للقدوم إلى العراق وتثبيت أقوالها ضده. قبل الاعتقال، تقول أشواق إنها عاشت لمدة سنتين كابوس ملاحقة أبي همام لها في ألمانيا. "كنت أرى في كل شخص أبو همام".

المواجهة مع المغتصِب

"هنا في بغداد حانت ساعة الحساب"... هكذا يقول مذيع البرنامج بكل ما أتيح للكاميرا أن تنقله من فخر، وهو يعلن عن مواجهة ستقوم بها أشواق مع مغتصبها. يقول المذيع إنها "لحظة انتظرتها أشواق كثيراً، وسعدت بتحققها".

بدا مصلح مطأطئ الرأس بينما تقف أشواق بمواجهته. ختقتها الدموع وهي تقول: "ارفع راسك، لماذا فعلت هكذا، لماذا؟ لأنني أيزيدية؟ كان عمري 14 سنة لماذا اغتصبتني؟ ارفع راسك، إنت عندك أخت؟ عندك إحساس؟ عندك شرف؟ كان عمري 14 سنة، كنت بعمر بنتك أو ابنك أو أختك، أنت دمرت حياتي، أخذت مني كل شي أحلم فيه. كنت في أحد الأيام بيدك واليوم أنت هنا، ستعرف ما هو العذاب ما هو الشعور بالوحدة إذا كان عندك إحساس".

"ارفع راسك، لماذا فعلت هكذا، لماذا؟ لأنني أيزيدية؟ كان عمري 14 سنة لماذا اغتصبتني؟ ارفع راسك، إنت عندك أخت؟ عندك إحساس؟ عندك شرف؟"... بعض ما قالته أشواق خلال مواجهتها مع أمير داعش الذي سباها
برنامج تلفزيوني عراقي يضع ناجية أيزيدية بمواجهة مغتصِبها... مشهد فيه الكثير من الشحن العاطفي والنفسي، ويطرح أسئلة أخلاقية عن محاذير اللقاء بين الضحية والجلاد في ظروف معينة

قالت أشواق ذلك ثم سقطت أرضاً. هكذا وصلت إلى ذروة استعادة مأساتها، عادت اللحظة إليها بأبشع حلة، حلة المغتصب يقف بثوبه الأصفر وجهاً لوجه معها، يقف أسيراً ذليلاً. ماذا يمكن لابنة العشرين أن تفعل بكل هذه التروما؟

تستمر الحلقة ليعبّر المذيع مرة أخرى عن فخره بما وصلت إليه الأمور، يمدح أشواق التي لا تريد أن تقتص من جلادها بيدها بل تريد تركه للقانون، ويترك الكلمة الأخيرة لضيفته التي قالت: "لم أكن أتوقع أن أرى أبو همام مرة أخرى في حياتي، لم أكن أرغب أن يُقتل، أردته أن يعيش ليعاني بعضا ًمما عانيته ويعيش ما عشته".

الأسئلة الأخلاقية

في الحلقة، المسجلة كما تُظهر المشاهد المقتطعة، تبدو أشواق متماسكة تماماً حتى وصلت إلى لحظة اللقاء فبدت منهارة حد السقوط أرضاً. وأمام مشهد مماثل، قد تتداعى الكثير من الأسئلة الأخلاقية حول الجائز والممنوع، وحول الحد الفاصل بين ما هو مفيد وما هو مؤذي، وبين ما هو أخلاقي وما هو استغلالي.

على الجانب الأخلاقي، تبقى الأسئلة واردة حول ما إذا تمت استشارة طبيب نفسي بخصوص محاذير المواجهة بين أشواق ومن سباها، وتأثير ذلك على صحتها النفسية.

تُعلي الدراسات حول العدالة الانتقالية من شأن "العدالة التصالحية" ويُقصد بالأخيرة أي "عملية يشارك فيها الضحية والجاني، وعند الاقتضاء أي من الأفراد أو أعضاء المجتمع المحلي الآخرين المتضررين من الجريمة، مشاركة نشطة معاً في تسوية المسائل الناشئة عن الجريمة، وذلك، بصفة عامة، بمساعدة من ميسِّر".

ولكن هل ينطبق ما جاء في المقابلة على هذه المعايير؟ لا شيء فيها يوحي بذلك. وعلى الجانب الأخلاقي، تبقى الأسئلة واردة حول ما إذا تمت استشارة طبيب نفسي بخصوص محاذير المواجهة بين أشواق ومن سباها، وتأثير ذلك على صحتها النفسية.

صحيح أن أشواق تبدو متماسكة وتفعل ما فعلته أيزيديات في الحديث عن معاناتهن في قبضة داعش لجهة تسليط الضوء على مأساتهن وعلى وحشية التنظيم، ودور نادية مراد في هذا السياق لافت، وصحيح أنها راشدة بالمعنى القانوني، لكن التعامل بخفة مع هذا النوع من الأزمات النفسية دونه عواقب كثيرة على الشخص الواقع تحت تأثير ما بعد الصدمة، وفي هذه الحالة على أشواق التي لم ينفك المذيع التعريف عنها بكلمة "الضحية" طيلة 42 دقيقة من الحلقة.

ويبقى السؤال الأخير حول كيفية إبلاغ معدي الحلقة لأشواق بموضوع المواجهة وما إذا تم ذلك بطريقة تجعلها على بيّنة من سياق الحلقة، أم وجدت نفسها ملزمة بتلك المواجهة بدافع حماسة أو ابتزاز عاطفي ما، لا سيما وأن المذيع أسهب في استخدام تعابير المديح في وصف بطولة القوات العراقية والحكومة، في وقت تواجه فيه الأخيرة تحديات سياسية حاسمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard