كيف اختار خالد النبوي طريقه ليصل إلى النجومية؟

الجمعة 29 نوفمبر 201904:13 م

أكثر من عشر سنوات وأنا أتابع خالد النبوي في معظم أعماله، الشاب الذي نبغ مع يوسف شاهين في بداية مشواره، واختار أدواره بعناية. مع كل إمكانياته الفنية صرت أسأل نفسي: متى يحظى بنجومية تليق به؟ السؤال شمل أيضاً فتحي عبد الوهاب وماجد الكدواني. وبعد سنوات من التيه وجد "عبد الوهاب " و"الكدواني" طريقهما، بالتخلي عن دور البطولة والاكتفاء بالأدوار الثانية، وسرعان ما تفجّرت موهبتهما وحازا ما يستحقانه من ثناء وشعبية.

إن ما فعله خالد النبوي باختياره "حصان رابح" كالأدوار التاريخية ليس قفزاً في الفراغ

وحده خالد النبوي استمر في سنوات التيه، حاول أن يجد نفسه في البطولة المشتركة كما حدث في فيلم "الديلر"، فلم يحظَ بما يريد، فقرر ألا يتخلى عن دور البطولة المطلقة واستمر، لكنه لم ينجح تجارياً رغم تعدد تجاربه، هكذا حتى رمضان 2017، حين خاض غمار السباق الرمضاني بمسلسل "واحة الغروب"، ونجح به واكتسب شعبية عارمة في موسم مزدحم بالأعمال الفنية، لكنه نجح، بل أن هناك من أعاد مشاهدة أعماله القديمة في إعادة اكتشاف لفنان متمكن.

بالتأكيد يمتلك المسلسل عدداً كبيراً من أسباب النجاح، بمعزل عن موهبة خالد النبوي: النص رواية مشهورة لأديب كبير "بهاء طاهر" تحمل نفس الاسم "واحة الغروب" حائزة على جائزة البوكر في عام 2008، كما أن حضور النجمة منة شلبي كشريك في البطولة له أثر كبير، حتى تتر المسلسل جاء مختلفاً على طريقة المديح النبوي، لكن الأهم أن الشخصية التي جسدها خالد النبوي، محمود عبد الظاهر، الضابط الذي شارك في ثورة أحمد عرابي 1881، ثم تم استخدامه لقمع المواطنين، هي السبب الحقيقي للنجاح، فالدور تاريخي ويناقش حقبة يدرسها المصريون في كتبهم الدراسية، وهذا كفيل لأن يكون صمام أمان لكثير من الأعمال الفنية.



هل هو مجرد عمل ناجح، أم مشوار قرر خالد النبوي، بذكاء لا يخلو من مكر، أن يسير فيه ليأخذ مكانته الفنية التي يستحق؟ هذا هو السؤال الذي سرعان ما جاوب عليه خالد النبوي نفسه، بالحديث عن دوره في مسرحية " كامب ديفيد"، التي جسّد فيها دور الرئيس الراحل أنور السادات، وتم عرضها في عدة دول غربية، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

وتأكد الجواب حين أعلن خالد النبوي أنه حقق أمنيته بتجسيد شخصية "طومان باي" آخر سلاطين المماليك، كما هو الحال في المسلسل الذي يعرض حالياً "ممالك النار"، بل لم يكتف بذلك، فأعلن أيضاً أنه يتمنى تقديم شخصية الصحابي الجليل "خالد بن الوليد"، وهي الشخصية التي تم الإعلان عن عمل عنها في رمضان المقبل، ولم يتم الاستقرار على البطل حتى الآن، لكن بتلك الأمنيات حسم "النبوي" أي جدل حول ما إذا كان تجسيده للأدوار التاريخية مجرد صدفة أم أنها، كما قلنا، ذكاء لا يخلو من مكر.

لماذا أقول ذلك وأصف هذا الاختيار بأن ماكر؟ للإجابة عن هذا علي أولاً التوضيح، أن الأعمال التاريخية، سواء السينمائية أو التلفزيونية، تحمل في طياتها صك نجاحها من البداية، ودون أي عناء للممثل الذي يقوم بدور البطل الرئيسي، ذلك يعود أيضاً لأسباب كثيرة، أولها أن الشخصية التي يتم تجسيدها فنياً، هي في الأصل شخصية صاحبة تاريخ مفضل للشعوب، كفارس مشهور أو سلطان عادل أو محارب من طراز فريد أو أديب استطاع أن يُحدث أثراً في مجتمع.. هذا من جهة، أما من جهة ثانية، فالشخصيات صاحبة المكانة الدينية، مثل صحابة النبي محمد، وفي أحيان أخرى أبطال الأساطير الشعبية كأبي زيد الهلالي، لها رصيد حب مُسبق، وهذا كاف لينجح أي عمل فني يتناولها.

وحده خالد النبوي استمر في سنوات التيه، حاول أن يجد نفسه في البطولة المشتركة كما حدث في فيلم "الديلر"، فلم يحظَ بما يريد، فقرر ألا يتخلى عن دور البطولة المطلقة واستمر، لكنه لم ينجح تجارياً، هكذا حتى رمضان 2017، حين اشترك في مسلسل "واحة الغروب"

الأعمال التاريخية، السينمائية أو التلفزيونية، تحمل في طياتها صك نجاحها، ودون أي عناء للممثل الذي يقوم بدور البطل الرئيسي، ذلك يعود أيضاً لأسباب كثيرة، منها أن الشخصية التي يتم تجسيدها فنياً، هي في الأصل شخصية صاحبة تاريخ مفضل للشعوب

هذا الرصيد المُسبق من الحب يضاف للعمل الفني ولرصيد من يقوم ببطولته، إذا أضفنا ما أشرت إليه في مقالي السابق " هاجس صناعة الأنبياء" وكيف أن الأعمال الفنية للشخصيات التاريخية تقع دائماً في فخ التجميل وإظهار وجه ملائكي للشخصية التي تقدمها، في "تدليس" واضح للتاريخ، لكن هذا لا يمنع أن ظهور شخصية تاريخية بوجه ملائكي بمثابة سبب كافٍ لكثيرين أن يقعوا في حب البطل الذي يجسد تلك الملائكية.

شغف الناس لمشاهدة نجم يجسد بطلاً محبوباً بالنسبة لهم يقع أيضاً ضمن أسباب النجاح، كثيرون تمنوا أن يشاهدوا صلاح الدين، عمر بن الخطاب، عمرو بن العاص وعمر بن العزيز، وكلها أمنيات تحققت من خلال الأعمال الفنية، رغم أن النجم قد لا يمت بصلة من ناحية الشكل للبطل الرئيسي، ورغم أن الناس تدرك ذلك، لكن تظل حقيقة أخرى أنهم رأوا على الأقل تجسيداً لبطلهم المحبوب.

تلك الأسباب يمكن أن تكون كافية خلال السنوات الماضية، لكن ما حدث في مسلسل "ممالك النار" مثلاً، يجعلنا نضيف أن بعض المسلسلات التاريخية تتم في إطار رغبة سياسية أو ترسيخ لفكرة شوفينية، ومن هنا تلقى كل الدعم الممكن، من خلال مواعيد العرض وحجم القنوات العارضة والدعاية التي تساهم بشكل أو آخر في نجاح العمل الفني.

باعتقادي أن تلك الأسباب مجتمعة كانت حاضرة أمام خالد النبوي وهو يختار مشوار الأدوار التاريخية، سواء قرر أن يستمر طويلاً أو يتوقف بعد أن يشعر أنه نال ما يستحق من نجومية، ففي النهاية سيستفيد من كل تلك الأسباب مجتمعة وسيدخل كل بيت، وهي فرصة لكي يبرز كافة إمكانياته الفنية، خاصة أن النجاح المبدئي مضمون ولا يحتاج لكثير جهد، والأهم سيحدث له نوع من الخلود الفني بارتباطه بشخصية تاريخية، تماماً كما ارتبط غيره بالشخصيات التي قدمها عبر الشاشة.

بقي أن أقول إن ما فعله خالد النبوي باختياره "حصان رابح" كالأدوار التاريخية ليس قفزاً في الفراغ، هو ليس الأول الذي فعلها، فهناك فنانون لجؤوا لذلك، وبعضهم زاد نجومية وخلوداً على الشاشة، مثل أحمد مظهر في فيلمه الشهير "الناصر صلاح الدين"، ونور الشريف في أعمال كـ"عمرو بن العاص " و"خامس الخلفاء الراشدين"، وهناك أعمال صنعت نجومية فنانين وضمنت لهم الخلود أيضاً، مثل أحمد ماهر في تجسيده لشخصية "هولاكو" بمسلسل "الفرسان" وأحمد عبد العزيز في دور "أبي زيد الهلالي".

حين توفى الفنان فاروق الفيشاوي، تصدرت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام جملة "مات الزيني بركات"، وهي الشخصية الشعبية التي جسّدها الفيشاوي، تماماً كما حدث مع نور الشريف حين رحل، فلم يكن هناك رثاء أكثر انتشاراً من مقطع فيديو له وهو يجسد رحيل الصحابي عمرو بن العاص، في ارتباط وثيق الصلة بين شخصية الفنان والشخصية التاريخية التي جسّدها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard