“حياة بدون ضغوطات لا تستحق أن تُعاش“... هل هناك ما يُسمى بالتوتر الإيجابي؟

الجمعة 29 نوفمبر 201907:33 م

لقد خططتم طوال شهور لتقديم مقترح معيّن، وبقيتم مستيقظين طيلة ليال طويلة للتأكد من جميع تفاصيله، وها هو اليوم المنتظر قد أتى: تستيقظون بعصبية، تشعرون بآلام في معدتكم وبنوع من الغثيان، تتوجهون مباشرة إلى مكان العمل وتحديداً إلى قاعة الاجتماعات، تأخذون نفساً عميقاً وتبدؤون بشرح مقترحكم بكل ثقة، رغم مشاعر الخوف والإثارة التي تسيطر عليكم، وبعدها تخرجون من القاعة بقشعريرة تسري في عروقكم، مع إحساس بالنشوة و الارتياح، فتتنفسون الصعداء، إذ إن كل ما كنتم تعلمون بجدّ عليه قد تم إنجازه... هذا النوع من التوتر الذي اختبرتموه يُعرف باسم التوتر النافع (Eustress) أو "الإجهاد الإيجابي"، وبدونه تكون حياتنا مملة وبلا معنى.

فكيف يمكن أن يغيّر التوتر حياتنا للأفضل؟

توتر أكثر... أداء أفضل

أصبح التوتر سمة مميزة للقرن الحادي والعشرين، ما تسبب بطفرة في تطبيقات تمارين اليقظة على الهواتف الذكية، لكن التوتر ليس دائماً هذا "الوحش الشرير" الذي نظنه ونخشى الوقوع بين مخالبه، بحيث يحرص علماء النفس على التأكيد لنا بأن بعض أنواع الضغوط تكون جيدة وصحية، وحتى مثمرة على الصعيد الشخصي.

تحدث موقع verywell mind عن وجود نوعين من التوتر: "التوتر الجيّد" و"التوتر السيء"، مشيراً إلى أن النوع الأول هو عبارة عن الضغط الذي ينتابنا عندما نشعر بالإثارة، بحيث تتسارع النبضات وتتدفق الهرمونات في مواقف معيّنة: الموعد الغرامي الأول، القفز بالمظلة، شراء منزل جديد، البدء بوظيفة جديدة، الإقدام على الزواج...

وبالتالي يمكن القول إن "التوتر الإيجابي" ينطوي على الكثير من التحديات وتحركه العديد من المحفزات، والتي تجعل المرء يشعر بأنه كائن نابض بالحياة ومتحمس لخوض "معاركه اليومية" وإثبات نفسه، وهو أمر يناقض تماماً الصورة النمطية السلبية التي ننسبها في العادة للتوتر.

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت دانييلا كوفر، عالمة الأعصاب في جامعة كاليفورنيا بيركلي، لصحيفة الغارديان البريطانية: "لطالما كان للتوتر تلك السمعة السيئة. فهناك تصور عام بأن التوتر دائماً ما يكون ضاراً بالدماغ، لكن هذا ليس صحيحاً، فاستجابات التوتر أمر جوهري لبقائكم على قيد الحياة. إذ ترفع من مستوى أدائكم، إضافة إلى أنها شديدة الأهمية لإبقائكم في حالة يقظة، وتأهيلكم للتكيف مع كل ما سيأتي...".

في الحقيقة، يُعدّ مفهوم التوتر النافع Eustress الذي يبدأ بـEu (تعني في اليونانية القديمة نافع أو جيد) مسألة بديهية، وشرحت كوفر ذلك بالقول: "بإمكان الناس أن يحددوا متى ينتابهم التوتر، بحيث ترتبط هذه المشاعر بالأدرينالين، وهو ما يحثهم على الاستجابة. يمكن أن يصاحب كل هذا المرور بلحظات من القشعريرة، مثلما يحدث في الامتحانات".

 "لطالما كان للتوتر تلك السمعة السيئة. فهناك تصور عام بأن التوتر دائماً ما يكون ضاراً بالدماغ، لكن هذا ليس صحيحاً، فاستجابات التوتر أمر جوهري لبقائكم على قيد الحياة. إذ ترفع من مستوى أدائكم، إضافة إلى أنها شديدة الأهمية لإبقائكم في حالة يقظة، وتأهيلكم للتكيف مع كل ما سيأتي"

وتشدد دانييلا على أن المواقف العصيبة تميل إلى الدفع بأدائنا نحو الأفضل، فمن خلال أبحاثها، وجدت دليلاً فيزيولوجياً على قوة التوتر النافع، إذ قارن فريقها النشاط الدماغي في منطقة الحُصين (وهي منطقة في الدماغ لها دور في عمليتي التعلم والذاكرة) في أدمغة فئران تعرضت لضغط مستمر، مقابل عوامل ضغط معتدلة يسهل مقارنتها بحالة التوتر النافع لدى البشر، ووجد العلماء أن النوع الأخير حفّز نمو خلايا عصبية جديدة، بحسب ما أكدته كوفر بالقول: "هذه الخلايا التي تمكنا من إظهارها تتعرض لعملية تنشيط بشكل انتقائي، وتساعد في التعلم لمواجهة موقف التوتر القادم. لذا فإن أداءك يكون أفضل في تلك اللحظة، ومن ثم تكون مجهزاً بشكل أفضل لمواجهة الضغوط في المستقبل".

آثار الإجهاد

عندما يتعلق الأمر بآثار الإجهاد، فإن المنظور الذي نقيّم به الأمور يكون سيد الموقف.

وفي هذا الصدد، أشار ريتشارد ستيفنز، المحاضر البارز في قسم علم النفس في جامعة كيلي، أن هناك سبباً رئيسياً آخر وراء حاجتنا جميعاً إلى تعلم المزيد عن التوتر النافع، وهو أنه من الممكن تحويل الضائقة إلى توتر نافع، عن طريق إعادة صياغة المواقف العصيبة باعتبارها تحديات إيجابية، وجني الفوائد من وراء ذلك.

وبدورها، دعمت دانييلا كوفر هذه النظرية، مستندة إلى دراسة أجريت في العام 2004 من قبل باحثين من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، كانوا قد وجدوا أن النساء اللواتي أبلغن عن بلوغ مستويات عليا من التوتر، لديهن علامات في الحمض النووي الخاص بهن تظهر معادل الشيخوخة بمقدار عشر سنوات إضافية على الأقل.

كانت هذه النتيجة متسقة عبر مجموعة من النساء اللواتي يرعين أطفالاً مصابين بأمراض مزمنة، ومجموعة من أمهات لأطفال أصحاء. ومع ذلك، لم تكن مدة رعاية طفل مريض هي ما تنبئ بشيخوخة الخلايا، بحسب ما تؤكده دانييلا: "لم يكن السبب مستوى هرمون الإجهاد الموجود في دمائهن. بل كان تقريرهنّ الشخصي بمدى الضغط الواقع عليهن"، مشيرة إلى أن ما نشعر به من ضغط هو ما يملي على جسدنا الاستجابة الفيزيولوجية لذلك الضغط.

استيعاب التوتر

إن تبني حالة التوتر النافع بدلاً من الضيق يؤدي إلى رفع مستويات هرمون الأوكسيتوسين ومستقبلاته، وهي استجابة شوهدت فيها الفئران وهي تسعى للحصول على مزيد من الدعم الاجتماعي، بحسب ما توصلت إليه الدراسة التي أجرتها دانييلا كوفر: "بدأت الحيوانات في احتضان بعضها البعض وتقاسم الموارد".

هذا وتكشف دانييلا أن عتبات التوتر لدى بعض الأشخاص تكون أعلى من غيرهم، وهذا يتوقف على الجينات، تاريخ الحياة، ما حدث لهم في الرحم، وطبيعة الدوائر العصبية الموجودة في دماغهم، مشيرة إلى أن الكثير من تلك الأشياء تكون خارج نطاق السيطرة: "لذلك من المهم ألا تجعلوا أي شخص يشعر بالمسؤولية تجاه استجابات معينة للضغط، إذ علينا أن نعرف ونحترم ما هو مناسب لنا".

واللافت أنه عندما تم إدراك وجود ضغط أكثر تهديداً، فإنه تمت ملاحظة انخفاض في مستقبلات الأوكسيتوسين لأسابيع متتالية، وفي مثل هذه المواقف، نكون في العادة بحاجة إلى دعم اجتماعي، لكننا نقرر الانسحاب، لذلك من المهم استيعاب التوتر بالطريقة الصحيحة، عن طريق تنظيم العاطفة.

هذه النقطة شدد عليها د. ريتشارد ستيفنز بالتأكيد على أنه وبدلاً من أن نكون أسرى مشاعرنا، فإننا يجب أن نطبق استراتيجيات مختلفة لاختبار نتائج إيجابية، على غرار تمارين اليقظة أو تجنب بعض المواقف، بالإضافة إلى أنه من المفيد القيام بأي شيء آخر من شأنه أن يساعد على رفع الحالة المزاجية، سواء كان ممارسة التمارين الرياضية، اتباع نظام غذائي صحي، أو الحصول على قسط كافٍ من الراحة.

وإلى جانب إعادة صياغة الموقف نفسه، كشف د. ستيفنز أنه بإمكان المرء تأمل استجابته واستخدام ما يسميه "القبول العاطفي"، شارحاً ذلك بالقول: "لا تحاولوا تعديل مشاعركم، بل اتركوها لحالها، فهي موجودة لسبب ما، يقودنا ذلك إلى تمارين اليقظة/الوعي الآني، كونوا حاضرين في تلك اللحظة، احظوا بتلك التجارب. هذه هي الطريقة لتصبحوا أكثر مرونة"، وأضاف: "اعتادوا على مشاعركم وتعلموا أن تكونوا أكثر قبولاً لها بدلاً من الافراط في التحكم بها. بالطبع، ستعتادون على المواقف الصعبة أيضاً".

 تذكروا دائماً أن بعض أنواع الضغوط مرغوب بها، لا بل إنها ضرورية لنموكم ونضجكم، فمن دون التحديات يغرق عالمنا في الملل، ووجود حياة بدون أي ضغوط ليست حياة تستحق أن تُعاش

ومن خلال بحثها، وجدت أستاذة علم النفس في جامعة تولسا جينيفير راغسدال، أن الطاقة والإثارة المرتبطين بالتوتر النافع يمكنهما مكافحة التعب، بحيث أن الأشخاص الذين تظهر عليهم مؤشرات التوتر النافع، أي الشعور بالسعادة أو الإحساس بالمزيد من الجدوى خلال أيام العمل، يعانون بشكل عام من انخفاض في مستويات التعب: "من أجل أن تختبروا التوتر النافع عندما يكون لديكم وظيفة مرهقة، انظروا إلى مواعيد التسليم النهائي وعبء العمل على أنها تحديات يجب مواجهتها أو فرصة للنمو، بدلاً من اعتبارها أشياء يستحيل التكيف معها. فكروا في الجوانب الإيجابية لعملكم: ما الذي يجلب قيمة أو دافع لعملكم؟ ما الذي يستحق أن تستثمروا طاقتكم فيه؟"

في الختام، إن كنتم تعانون من صعوبة في النظر إلى "نصف الكأس الممتلىء" أي التركيز على النقاط الإيجابية التي يمكن استخراجها من موقف معيّن يسبب لكم القلق والقشعريرة في البدن و"الغصة" في المعدة، اعلموا أنه لا داعي للهروب من هذه الأحاسيس أو قمع المشاعر، إذ تذكروا دائماً أن بعض أنواع الضغوط مرغوب بها، لا بل إنها ضرورية لنموكم ونضجكم، فمن دون التحديات يغرق عالمنا في الملل، ووجود حياة بدون أي ضغوط ليست حياة تستحق أن تُعاش.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard