الغريزة مقابل العقل… ربما لم يكن الإنسان خيراً في جوهره

الخميس 28 نوفمبر 201906:58 م

"لأنك محروم من العقل ساعدك الشيطان"، دوستويفسكي.

يسقط الملاك الأبيض عن الكتف الأيمن ويعلو الشيطان أحمر اللون، ليستقرّ فوق الرأس تماماً، ويبدأ بإعطاء التوجيهات بدقّة صانعٍ وخفّة بهلوان، برواية أخرى نستطيع أن نقول: طغت الغريزة على العقل، فلم نعد نفكّر بعواقب أو قيود أو دوافع أو تبعات، هذه الحالة تحدث في لحظات الانفجار الكبرى، حين يشحب اللون وتضيق حدقات الأعين ويبدأ شيء ما فيك بالارتعاش، حدث هذا مع راسكولينيكوف يوم ارتكب جريمته، كما حدث مع كثيرين منا، سواء في السرّ أم في العلن، بغض النظر عن درجة الجريمة.

ربما لم يكن الإنسان خيّراً في جوهره... فضروراته لطالما أباحت محظوراته، عبر التاريخ.

عُرّف السلوك الغريزي بأنه تلقائي لا يمكن مقاومته، وتسببه محفزات بيئية ولا يحتاج إلى تدريب، فيما اعتبرت الغريزة بأنها الجزء الأكبر من السلوك الوراثي، إلا أن هذا ليس قاعدة، ولسنا الآن بصدد مناقشة الاستثناءات، ما يثير الاهتمام حقاً هو اعتبار الغريزة كـ"ممثل للطبيعة في مواجهة الثقافة"، الطبيعة البكر في مواجهة التدجين والتعليب وتواريخ انتهاء الصلاحية، الطبيعة البكر هي ما يجب الانتباه لها، على اعتبار أنها تكشف الجوهر البشري حين يكون في حالته الأنقى، بما أن الغريزة هي المتأصلة في السلوك البشري منذ ولد وحتى آخر إنسان على هذا الكوكب، الغريزة وليس ما يكتسبه من عادات تفرضها علي البيئة والمجتمع والمحيط والتجربة والخبرة.

بنظرة على حياتنا تشبه خرائط غوغل، أي من الأعلى، نلاحظ أن الغريزة هي من يقودنا وليس العقل، ما يفعله العقل هو محاولة خلق التبرير المناسب لتصرفاتنا، الحب غريزة، الرغبة غريزة، النوم غريزة... من يمكنه تعليم طفل كيف يحب أمه؟ من يستطيع منعك من النوم، حين من التعب لا تغمض عينيك، بل يغمى عليك؟ لا أحد.

لعل أهم مثال على تحكم الغريزة بالسلوك البشري في العصر الحديث، هو مواقع التواصل الاجتماعي: الجميع لامع ونزيه وجميل وأبيض، الجميع مجبر أن يكون هكذا، كي يصل إلى غايته التي نراها واضحة وفاضحة، وفي كثير من الأحيان، مشينة. في محادثات الماسينجر، المحادثات الثنائية أعني، حين يخف تأثير العقل كلمة بعد كلمة، ويتم الاستسلام لتأثيرات أخرى.

أسقطت وسائل التواصل صورة النخبوي إلى الأبد، ورفعت عالياً صوت الغريزة المسيرة للشعوب أينما كانوا وبكافة أنواعها، أهم نوعٍ هنا ليس غريزة الجنس وإنما غريزة القطيع، انتقل الخوف الجمعي من الواقع إلى العالم الرقمي، فتكتّل الناس دون وعيٍ منهم في صف واحد في مواجهة الأعداء، الذين هم أنفسهم لكن في العالم الواقعي... العالم الغريزي الحقير كما يصفه "ملائكة الفيسبوك "، نكاد لا نسمع أحداً يقول رأيه خارج جدران هذا العالم الأزرق، الجميع يغضب إذا شعر أن الجميع يجب أن يغضب، الجميع راض إذا فعل الجميع كذلك، الجميع حائر إن اقتضت الضرورة، الجميع... الجميع... الجميع... لا صوت لفرد هنا... كل مخالف يعاقب بتناقص عدد "لايكاته" تدريجياً، حتى يُرمى خارجاً أو يعود إلى رشده.

 نلاحظ أن الغريزة هي من يقودنا وليس العقل، ما يفعله العقل هو محاولة خلق التبرير المناسب لتصرفاتنا، الحب غريزة، الرغبة غريزة، النوم غريزة... من يمكنه تعليم طفل كيف يحب أمه؟ 

غريزتا القطيع والبقاء هما المحرك الأساسي للبشرية، وفيهما تتجلى طبيعة الإنسان ومنهما تتفرّع كل الغرائز المسيّرة الأخرى، هنا لا دور للعقل صاحب القوى الإدراكية التي تتضمن الوعي والمعرفة والتفكير والحكم واللغة والذاكرة، إلا في جعل تصرفاتنا مبرّرة

مظهر آخر من مظاهر سيطرة الغريزة يتجلى عند التزاحم من أجل الانقضاض على باصات النقل، خاصة في ساعات الذروة، حين يختلط الجميع بالجميع، دائماً يكون هناك عجزة أو نساء حوامل، ودائماً يتعرضون للدفع أو التحرّش ممّن هم أقل عمراً، لا أحد يراعي أحداً هنا، الكل يريد أن يركب، ولأن الركوب غاية قصوى فكل شيء مباح.

الآن تصبح القيمة المطلقة سيدة الموقف: يلغى العمر والوضع الصحي وكل ما يبقى هو منافس على مقعد يجب أن يتنحى كي تفوز أنت. يمكن أن نسحب الفكرة هنا إلى مصطلح يعرف بـ"غريزة البقاء" أو كما يسمى بالعامية "عزّة الروح"، لا يجب أن تتفاجأ إذا رُميت أرضاً أو إذا دخل مرفق أحدهم في خاصرتك.

في فيلم "Hannibal Rising" الذي تدور قصّته حول شاب هرب مع أخته الصغيرة ليختبئا في كوخٍ بعيد، خوفاً من الحرب الدائرة في مدينتهم، بعد قليل ينضم إليهما جنود هاربون أيضاً ليتشاركوا جميعاً المكان الصغير، وبسبب البرد الشديد وانعدام أي شيء يؤكل، ومع مرور الأيام، يقرر الجنود ذبح الطفلة الصغيرة وأكلها للبقاء على قيد الحياة، لاحقاً ينتقم هانيبال لأخته من السفاحين ويقتلهم جميعاً، المفجع في هذا الفيلم هو نهايته التي تظهر أنّ هانيبال شارك في أكل أخته أيضاً كي يعيش، وما كان قتله للجنود سوى محاولة للتكفير عن خطيئته.

غريزتا القطيع والبقاء هما المحرك الأساسي للبشرية، وفيهما تتجلى طبيعة الإنسان ومنهما تتفرّع كل الغرائز المسيّرة الأخرى، هنا نقف عراة أمام مرآة لا تهتم بما كنّا نرتديه، هنا لا دور للعقل صاحب القوى الإدراكية التي تتضمن الوعي والمعرفة والتفكير والحكم واللغة والذاكرة، إلا في جعل تصرفاتنا مبرّرة.

كل مقدرات العقل مسخّرة في سبيل ارتداء الغرائز لأثواب ملكيّة على الدوام، ربما لم يكن الإنسان خيّراً في جوهره... فضروراته لطالما أباحت محظوراته، عبر التاريخ.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard