المجتمع العراقي كبديل عن الدبابة والفتوى والتحزب

الخميس 28 نوفمبر 201906:25 م

"أبو فلان أغلق الباب بوجهي". كان أبي يكرر هذه الجملة حين يتحدث عن ذكرياته عن اليوم الرابع من انتفاضة غالبية الشعب العراقي على نظام صدام حسين عام 1991.

في ذلك اليوم، بدأت دفة الانتفاضة تتغير. فشلت. استطاع الجيش اقتحام أكثر من حي في البصرة. دباباته حاصرت المنتفضين. وأبي الباحث عن مكان آمن بين الأزقة، واجه خيبة أمل كبيرة. بكى من الخذلان. أبواب الناس الذين آزروا الانتفاضة في أول يومين، أُغلقت.

وحدهما أبو حازم وأم حازم فتحا باب بيتهما له، وطالباه بالاختباء، فشكرهما ومضى. أما باب "أبو فلان"، الجار الآخر، فقد أُغلق رغم أنّه كان داعماً للمنتفضين. أمر متوقع. قسوة الجيش معروفة، وبطشه لا يخفى، والأيام اللاحقة لذلك اليوم الرابع كشفت عن حجم الجريمة وعظم الإبادة.

لكن، لم يكن القمع سهلاً لولا سرعة الملل العراقية. تُرك المنتفضون وحيدين مقابل الدبابات. منذ ذلك الوقت، وكأني أصبت بعقدة. لم أتوقع سوى الملل. وكرّست الأحداث اللاحقة العقدة. لم أتردد في أنْ أعتقد بأننا لن نقوم بانتفاضة طويلة الأمد، وبأن لا بديل عن حل خاطف ينهي المعادلات السياسية. وظلت المعادلات تتغير سياسياً فقط، بدون تغيير اجتماعي يذكر.

عام 2015، شاهدت كيف تناقصت الجموع التي كانت في أوائل الأيام حاشدةً إلى درجة يمكن وصفها فعلاً بأنها أكبر حشد متظاهر شهده العراق حتى ذلك الوقت، وربما بحجم احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر الراهنين.

غير أن التشرينين أبطلا ما كنت أراه ويراه آخرون. فكّا العقدة. بانَ الإصرار والصبر وعدم الملل. تظاهرات يقف فيها شباب على الأبنية وفي الساحات والشوارع، يعتصمون، يصبرون، يتحملون، لا يهابون... وهي حراك لا يقتصر على الرجال. فتيات العراق موجودات، ما خفف الطابع الذكوري الذي ساد السياق الاحتجاجي.

إنها انتفاضة متواصلة في مواجهة مرتزقة الحكم الذين يسلّطون عساكرهم ومليشياتهم على المتظاهرين. لكنها لم تنجرف حتى اللحظة إلى الفعل المسلح. استمرت بصبر، وأهدافها باتت واضحة: رفض مرتزقة الحكم الذين استخفوا بالناس وأمعنوا في الاستهتار. الناس الذين استُخفَّ بهم، هم الموجودون في الاحتجاجات، ليسوا جيشاً، ولا حزباً، بل شعب خرج ساعياً إلى إسقاط زمن الاستخفاف والاستهتار به.

أظنه متغيّراً عميقاً في السياقات الاجتماعية لبلد تحكّمت فيه النخب الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية طويلاً. الناس بدأوا يستعيدون قراراً استحوذت عليه تلك النخب... حتى مَن يقدمون أنفسهم كقادة وهم ليسوا موجودين على الأرض، يعانون من فصام السوشال ميديا وتهيؤات التحكم عن بعد. القائد هو ابن الأرض. القائدة هي بنتها.

هنا نقطة الفصل. الطريق لمعالجة معاناة عراقية طويلة الأمد ممتدة منذ انقلاب العسكر عام 1958، لأن يكون الشعب هو صاحب الاختيار. وهذا ما يخيف الجماعات الحاكمة التي عملت لسنوات على إبقاء العراقيين كجماعات وفئات وطوائف تُوجَّه بالتخويف والترغيب والابتزاز...

بالطبع ليس كل الناس موجودين في الشارع، بل مجموعات كبيرة تحظى بدعم شعبي، وبهذا الدعم أدامت حراكها. فإذا لم يحتضن الأمهات والآباء في البيوت الاحتجاج، لن يستمر. ولا أظن أن الدعم سيتوقف ما دام المحتجون قادرين على إدامة كسب ثقة الناس.

مراكز القوى الاجتماعية من طلاب وعمال وموظفين وعاطلين عن العمل، أفراداً ونقابات، هي الامتداد الطبيعي للناس، هم أبناء الأسر العراقية من كل الشرائح، هم المجتمع، أما مراكز القوى الأخرى، أي المراكز التقليدية المعتادة على طول التجارب السابقة، فتمثل نفسها، طبيعتها هي، مهما حظيت بدعم الناس.

"أمام مرتزقة الحكم والبعث والصدر والفصائل الإيرانية في الحشد، هناك شعب عراقي، شعب يحتشد كاشفاً عن وجهه ومؤكداً على سلميته، ويبلور رأياً عاماً عراقياً انتظرته البلاد طويلاً، ويبدو أنه آخذ بالتشكل فعلاً"
"القائد هو ابن الأرض. القائدة هي بنتها. هنا نقطة الفصل. الشعب هو صاحب الاختيار. وهذا ما يخيف الجماعات الحاكمة التي عملت لسنوات على إبقاء العراقيين كجماعات وفئات وطوائف تُوجَّه بالتخويف والترغيب والابتزاز"

ومفردة "مجتمع" تجد نفسها على الأرض بتمثيل من المتظاهرين، المحتجين سلمياً، المنتفضين بإصرار. هم يؤسسون لمجتمع عراقي، مجتمع مدني، يعبّر عن نفسه مباشرة، ويمهد لولادة أمة. ولطالما افتقرت بلاد ما بين النهرين إلى أمة.

فلا فرق بين حاضنة التظاهرات من الأمهات والآباء والإخوان والأخوات والبنين والبنات، وبين الموجودين في الساحات والشوارع. هم متشابهون، أولئك صورة عن أولئك. كلهم أعزل إلا من الأسباب والمطالب والأهداف.

بينما هناك فرق بين المدني والعسكري، بين ابن العشيرة وشيخها، بين الناس والمرجع الديني أو الزعيم الدينو-سياسي، بين المجتمع والحزبيين المتربصين لتحقيق أهدافهم بالحصول على الحكم أو الانفراد به.

على الأرض، يوجد حراك اجتماعي بحق، حراك شعبي، لا تمثله تلك القوى التقليدية. وأي تفويض لأي قوة أخرى هو قتل لما تحقق، ارتدادٌ كبير سيعيد العراقيين إلى نقطة البداية، وسيذرهم في مهب النهايات الحزينة.

المؤسسة العسكرية إنْ تدخلت لن تفعل ذلك لسواد عيون المدنيين، بل لكي تحرز القوة التي خسرتها. السيسي المصري وقائد صالح الجزائري وحفتر الليبي كافون لرؤية ما يفعله الجيش. أما المرجع السيستاني فهو ليس البديل، يمكن أن يدعم، على الأقل من أجل وقف خسارة المؤسسة الدينية كثيراً من سمعتها في الأوساط المجتمعية، بعد أخطائها السابقة، لكن لا يجوز أنْ يقدم حلولاً بديلة عمّا يريده الناس.

وجرّب العراق القادمين من الخارج. ليسوا أهلاً للثقة بل مجرد شخوص مسترخية تنتظر الفرص لتكون البديل، فضلاً عن أن بعض الخارج استهلك فرصته في الحكم، يوم كان جزءاً من نظام جمهورية القسوة والخوف السابقة. أما التدخل الخارجي، فهو لا يعدو كونه أكثر من مزحة، كيف لا وقد أثبتت سنوات ما بعد 2003 كيف كان وإلى أين اتجه. وأغلب شيوخ العشائر كانوا ولا يزالون وسيبقون حماة لمصالحهم ومشيخاتهم.

والسلطة الراهنة المتمرسة خلف الجسور، تستخدم الآن مراكز القوى التقليدية، إما كوسيلة لتبرير قمع المظاهرات، أو تستخدمها كسلاح مباشر للقمع. هي تتعكز على العسكر، الدين، العدو الخارجي، شيوخ العشائر، أقلام الخارج... في الاتجاهين، وسيلة قمع أو وسيلة تبرير للقمع.

التبرير هو مدخل لاستعادة روح النظام السابق القمعية، بعد أن فشل رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي باستعادتها في شخصه، حين أطيح بطموحاته أن يصبح دكتاتوراً "شيعياً" وريثاً للدكتاتور "السني".

ربما تحتاج السلطة بعض التبريرات لتحريك قادتها العسكريين الذين أرسلتهم ليديروا ملفات القمع في عدد من محافظات الجنوب والفرات الأوسط. إنها تتحضر بمكر وقسوة للعبة كبيرة. مصطلح فتنة بات حاضراً بقوة في خطاب الحاكمين. وبعض الأوساط تتحدث عن فوضى مصطنعة تسهل إطلاق سراح معتقلي سجن "الحوت" في محافظة ذي قار، ويقال إن بينهم جهاديين من داعش. كما أن حرائق شارع الرشيد في بغداد، والتي مسّت مصالح تجار، قد لا تبتعد عن اللعبة، لعبة التبرير.

لكن، إلى جانب السلطة وحشدها الإيراني، هناك ثنائي آخر، لا يقل جريمة واستهتاراً عنها: الصدر والبعث، وكلاهما له أجندته التي تستعين بالملثمين للحرق وبث العنف. كلاهما اعتاده. كيف لا، وهما مؤسسا جيش المهدي وفدائيي صدام.

أمام كل هؤلاء، جميعهم... مرتزقة الحكم والبعث والصدر والفصائل الإيرانية في الحشد، هناك شعب، شعب يحتشد كاشفاً عن وجهه ومؤكداً على سلميته. في الضفة الأخرى، على الجانب الآخر من الجسور، يبلور رأياً عاماً عراقياً انتظرته البلاد طويلاً. ويبدو أنه آخذ بالتشكل فعلاً، بدون الحاجة إلى مراكز القوى القديمة.

النجاح الحقيقي رهن بامتلاك الشعب الرأي العام. ومقولة "الشعب مصدر السلطات" الرهان الوحيد، كي لا يكون الجيش أو الدين أو الأحزاب أو الخارج المصادر التي تركب الموجة.

بل هناك ما يمكن أنْ ينفتح على أكثر من رأي عام. يوجد تحوّل، متغيّر: شابات يتجرأن على نشر صورهن وهن يتظاهرن، رغم خطف مليشيات الحكم واحدةً منهن لإخافة الأخريات. شباب يثقون بأنفسهم، برغم التهريج عليهم بأنهم فاقدو وعي وخبرة. تسميات تطلق على المباني استناداً على إرادة شعبية وليس قرارات رسمية. شعارات قصيرة وواضحة. ابتكار للعديد من النشاطات التي تكون قادرة على إيصال الرسائل: صحيفة، إذاعة، قناة تلفزيونية، نشاطات حوارية، مسرح ومفارز طبية...

هذه علامات على أن الناس يستطيعون إعادة إنتاج الدولة التي بقيت عرجاء أو مشوّهة على مر تحولات الجمهورية العراقية، والتي زادها سادة الخراب الحاكمون الآن تشوهاً وأقعدوها تماماً.

فإذا ما أريد بناءُ دولة، لا بديل عن حراك الناس، ولا بديل عن أن يقوموا هم بمهمة التغيير بإصرارهم وعنادهم وصبرهم. ربما ليست هذه النسخة من الحراك، بل ما سيحدث لاحقاً إن لم يكتمل اليوم، لأن العملية السياسية وسادتها أوجدوا، بمئات الضحايا من المتظاهرين، جرحاً سيعيد العراقيين باستمرار إلى الشارع، إلى الطريق نحو إسقاط عقيدتي الاستعانة بالدبابة والفتوى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard