ساعات من السّلام في التكية السليمانية... فسحة الدمشقيين بين الماضي والحاضر

الأحد 1 ديسمبر 201904:10 م

تعتبر "التكية السليمانية" مكانًا لطيفًا لاستجماع أفكاركم وسط صخب العاصمة دمشق بعد يوم طويل، إن كنتم من سكّان المدينة أو ممّن يجبرهم مسارُ "السّرفيس" بالمرور بجسر الرئيس، فتتوقفون  حتماً عند هذا المكان الآسر العبقِ برائحة التاريخ.

نالت سوريا إرثًا حضاريًا كبيرًا، حيث يتجاوز عدد المباني العثمانية 300 أثر تقريبًا، وتتباين وظائفها بين مبانٍ دينية كالمساجد والمدارس ودور المتصوفة ويبلغ عددها 118 أثرًا.

يقع المبنى في منطقة إستراتيجية وسياحية بدمشق عند مدخل المدينة الغربي، في الشارع الذي يطلق عليه اسم "شارع بيروت" أو "شارع شكري القوتلي". ويمرّ من شمالها أحد فروع نهر برَدى. وتقع على مقربة منها حالياً مجموعة من المنشآت المهمة منها متحف دمشق الوطني، وكذلك جسر فيكتوريا الشهير، كما تطلّ عليها مباني جامعة دمشق وفندق "فورسيزونز" وفندق "سميراميس".

التكية تجاور أيضًا منطقة "الحلبوني" التي عُرفت بأنها سوق المكتبات والمطابع الدمشقية؛ ولذا يلاحظ زائرو التكية، وتحديدًا على سورها الجنوبي المجاور لسوق الحلبوني، انتشارَ باعة الكتب والمجلات القديمة على البسطات، حيث يعرضونها على سور التكية في مشهد يوميّ لجذب هواة قراءة واقتناء هذه الكتب من الذين يقصدون سور التكية والحلبوني.


لماذا سميت التكية السليمانية بهذا الاسم؟

معظم التكية هو عبارة عن مبنى يتألف من أقسام: قاعة داخلية واسعة تسمى الصحن "السمع خانة"، وهي قاعة تُستخدم للذّكر والصلاة والرقص الصوفي الدائري وغرف للمريدين، وهي الغرف الذي ينام فيها الدراويش؛ وغرفة استقبال لاستقبال العامة؛ وقسم الحريم وهو مخصّص لعائلات الدراويش؛ وقاعة طعام جماعية ومطبخ؛ ومكتبة؛ ودورة مياه ومستحمّ.

يقع المبنى في منطقة إستراتيجية وسياحية بدمشق عند مدخل المدينة الغربي، في الشارع الذي يطلق عليه اسم "شارع بيروت" أو "شارع شكري القوتلي". ويمرّ من شمالها أحد فروع نهر برَدى

أما لفظة التكيّة (وجمعها تكايا)، فمأخوذة من المتكأ، وتعني مطعماً عمومياً للفقراء، ولكن الأتراك أعطوه معنىً آخر؛ فالتكية من العمارات الدينية المهمة، ترجع نشأتها إلى العصر العثماني، وهو مكان يعدّ لإيواء الفقراء من المسافرين. كما أنه مأوى الصوفيين لممارسة شعائرهم.

وقد سمّيت بهذا الاسم نسبة إلى السلطان سليمان القانوني الذي أمر ببنائها في موضع "قصر الظاهر بيبرس" المعروف باسم "قصر الأبلق" في مدينة دمشق، لخدمة عابري السبيل والفقراء والحجاج في طريقهم، وتأمين لهم الطعام والمأوى. التكية من تصميم المعماري التركي معمار سنان، أشهر معماري عثماني في وقته، وقد أشرف على بنائها المهندس ملا آغا.

بدأ بناء التكية السليمانية وانتهى في عهد الوالي خضر باشا. أما المدرسة الملحقة بها فتم بناؤها في عهد الوالي "لالا مصطفى باشا"، وعلى غراره تمّ بناء "جامع مراد باشا" في دمشق عام 977هـ.

تمتدّ التكية السليمانية على مساحة 11 ألف متر مربع، تجمع بين سحر الألق والوداعة. وأبرز ما يميز مسجدها المأذنتان النحيلتان اللتان تشبهان المسلتين أو قلمي رصاص لشدّة نحولهما.

تتألف التكية من قسمين؛ التكية الكبرى التي تضمّ مسجد ومدرسة، والتكية الصغرى، والتي تضمّ حرماً للصلاة وباحة واسعة تحيط بها أروقة وغرف تغطيها قباب متعددة.


في القسم الشرقي منها، والذي يضمّ عشرات الغرف وباحة كبيرة، يطلّ حرم المسجد على صحن التكية المشترك، وهذا الحرم مربع الشكلِ، طولُ ضلعِه ستة عشر متراً، تغطّيه قبة عالية ذات قطر واسع، ولها عنق يضمّ عدداً من النوافذ التي يغطيها الزجاج المعشق. وتحمل القبة أربع أقواس محمولة على أركان الجدران، وفي زواياها مثلثات كروية.

في جدران الحرم ثمة نوافذ مطلة على الحدائق، وقد صنعت من الزجاج المقسى والملون بزخارف عثمانية رائعة. كما يتميز محراب الحرم بزخارف من الفسيفساء الرخامية

أما واجهات الحرم من الخارج فهي مؤلفة من مداميك من الحجر الأبيض والأسود بشكل متناوب، وينفتح الحرم على الصحن بباب رائع الزخرفة تعلوه مظلة ضخمة محمولة على أعمدة ذات تيجان مقرنصة ملساء، وهذه المظلّة مؤلفة من ثلاث قباب.

في جدران الحرم ثمة نوافذ مطلة على الحدائق، وقد صنعت من الزجاج المقسى والملون بزخارف عثمانية رائعة. كما يتميز محراب الحرم بزخارف من الفسيفساء الرخامية. أما المنبر فهو من الرخام الأبيض، وتزيّن جدران الحرم لوحات فسيفسائية ملونة. وفي الجانب الشرقي من التكية تقع المدرسة، وفيها بناء مستقل لمسجد آخر خاص بها، يمتاز بزخارفه الوفيرة ورشاقة بنائه، وجمال بابه ونوافذه.

وتشكل المدرسة والسوق مجموعتين مستقلتين ضمن التكية وهو مستثمر كسوق مهن يدوية دمشقية تضمّ أكثر من مائة حرفة، افتتح في منتصف سبعينات القرن الماضي من قبل وزارة السياحة السورية، ويشهد هذا القسم بدوره إقبالًا جيدًا من قبل السيّاح والزوار المهتمين بالتعرّف على المنتجات الدمشقية اليدوية.

متعة التجول بين محلات الفضّة لا تضاهيها متعة أخرى، وقد كانت هذه السوق شهدت في بداية عهدها وجودَ الحرفيين اليدويين الذين كانوا يعملون أمام الزوار، غير أن هذا المنظر الحيّ والجميل اختفى منذ سنوات إلا من عدد قليل منهم كحرفيي نسج البسط وصنع الخزف والزجاج، في حين بقيت منتجاتهم معروضة.

كما لا يخلو المكان من محالّ صناعة الجلود بأنواعها، والجزء الأحبّ في المكان هو محالّ الرسّامين والفنانين؛ فخلال تجوالكم سيصادفكم كلُّ فنان بلوحته ولمسته الخاصة يصورها على قطعة من القماش بمختلف الأحجام والأشكال عاكسةً بذلك الأجواءَ الدمشقية.

وبالطبع لا ننسى منسوجات الصّوف والحياكة اليدوية والملابس الشامية الفلكلورية وصناع الصابون اليدويّ، وحتى الحلي النحاسية.

في مطلعِ تسعيناتِ القرنِ الماضي تعرّضت مباني المدرسة إلى حالةِ غمرٍ بمياهِ الأمطار تعطّل فيها نظامُ الصرفِ، وارتفعتِ المياه فيها قرابة المتر والنصف فوق أرضيات مبانيها، ممّا استدعى عمليات ضخٍ قسريّ توزعت على كاملِ مساحتها لإخراج هذهِ المياه، وبعد ذلك بدأت عناصر مبانيها تعاني من مظاهر تدهور.

وانخفض مستوى المياه الجوفية في منطقةِ حوض بردى، ومن خلال الصّور التاريخية تبيّن أن جزءًا من الأرضية كان عبارة عن تربة زراعية، وفي وقتٍ لاحق تمَّ رصفهُ دون التأسيس بالشكلِ الفنّي الصحيح.

تعهدت تركيا بترميمها عام 2009 بكلفة 20 مليون دولار، ولكن ذلك لم يتمّ، بسبب انقطاع العلاقات بين البلدين.

تقام بين الفينة والأخرى معارض فنية وبعض معارض الكتب في هذا المكان، ويتكوّن زائروه من جميع الأطياف والأعمار، وعند ذلك في كلّ خطوة تتبدل الوجوه في لحظة لتعكس تنوعَ دمشق الثقافيّ والعرقيّ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard