ثورة لبنان... عن ضرورية الفن والإبداع في مواجهة السلطة

الأربعاء 27 نوفمبر 201901:19 م

تبين بشكل واضح وجلي، في خضم هذه الثورة أو الانتفاضة الشعبية التي يشهدها لبنان، أن أكبر طائفة حيوية وجامعة هي طائفة جيل التويتر والفيسبوك، العابرة للمذاهب والقيادات التقليدية.

هي حرة، متمردة، خلاقة، لا تهاب الخطوط الحمراء التي وضعها خصومها، بدليل أنها أربكت السلطات والأحزاب والعقول المحنطة، وأسست لوعي سياسي جديد وواعد.

تجذبك المواكب أينما حللت في ساحات الثورة، حيث يختلط الليبراليون بالشيوعيين والمؤمنون بالكافرين والمحافظون بالتقدميين، يعبرون عن نفس المزيج من الفرح والمثابرة ومن النشوة والتصميم.

لقد أثبتت حركة الاحتجاج نضجها وأصالتها، حيث تتناوب الأساليب الصعبة مثل حواجز الطرق، مع النشاطات الناعمة مثل الاعتصامات أمام المؤسسات المكروهة، ناهيك عن المزج بين ظاهرة الاحتفالية والاجتماعية والفكرية وبين جوّ الحفل، مع مؤتمر حول استقلال القضاء ومسيرة أمام البنك المركزي.

من منا لم يتأثر مثلاً بالموسيقى والأناشيد الثورية والوطنية التي ضجت في ساحات طرابلس وبيروت وصيدا وجل الديب؟

لكن، لا شك أن الحافز الاقتصادي والمعيشي هو المحرك الرئيس، فجوع البطون لا يرحم، إلا أن خلاصة هذه الثورة هو التحول في النموذج الفكري والتعبيري، أي ظهور قواعد لعب جديدة فيما يخص مفهوم المواطنة والنظرة الى الآخر. فمن سمات الثورة على صعيد أيديولوجي، إذا صح التعبير، هو دحض الرؤية الثنائية للعالم ولمقولة الشاعر الإنكليزي الاستعماري النزعة، رديارد كيبلينغ: "الشرق شرق والغرب غرب".

إن تزايد أعداد مستخدمي ورواد مواقع وشبكات التواصل الاجتماعي له وقع مؤثر على هذه الثورة، نتيجة لاتصال شريحة أكبر من الناس بأفكار مستحدثة وأنماط مختلفة للحياة، يتناقلون معلومات جديدة تغذي عقولهم وتغير ميولهم واتجاهاتهم ونظرتهم للآخر وللعالم. وهذا بدوره يضفي صبغة غير مألوفة في محاكاة المحنة الطائفية التي واكبت إنشاء لبنان الكبير، منذ حوالي مائة عام.

فثورة 17 تشرين هي لبنانية بامتياز، بالرغم من كل المحاولات لشيطنتها والإطاحة بها، ولعل الارتباك الأكبر الذي أصاب خطاب السلطة بارتجاج، هو عدم امتلاكها لغة لمواجهة المتظاهر الجديد المحصّن بوعي نوعي وترسانة رقمية، حيث صار بإمكان الجوال أن يتحول إلى جهاز إنتاج.

وهكذا، فإن السؤال القديم/ الجديد حول ماهية الإرث الثقافي للبنان: هل هو في الصميم عربي-إسلامي أو غربي-مسيحي؟ حتى الآن كان الماضي يؤخذ به بمثابة بوصلة وجودية سياسية، إذ قام ممثلون نصبوا أنفسهم من كلا الجانبين (المسيحي والمسلم) - على الأقل منذ عهد الحروب الصليبية - ببذل كل جهد للحفاظ على الشرخ الطائفي في المنطقة، وقد أعلنوا الحرب على بعضهم البعض في كثير من الأحيان، وما زالت العلاقات بين العالم الغربي والعربي-الإسلامي تتّسم بالحذر وعدم الثقة، حتى لا نقول الكراهية.

إلا أن ما جرى الآن مع الثورة في لبنان يدعو إلى نبذ النظرة الثنائية للعالم، أو على الأقل إعادة النظر بها. في الواقع هناك تداخل فكري وحضاري وقصة حب وإعجاب متبادل بين الشرق والغرب، يصعب الفصل بينهما.

إن سمة الدراما العاطفية أنها تغير كلا الطرفين، وعلاوة على ذلك، فإنها غالباً ما تؤدي إلى أعمال شغب تقوض كل الحدود المسلم بها. وهذا يجري أيضاً في مختلف شرائح المجتمع اللبناني، الذي طالما جهد أن يتشبه بالقيم المستوردة شرقاً أو غرباً.

قلة من الناس تعلم مثلاً أن الجوانب المركزية لما يسميه المرء بالفلسفة الغربية اليوم، تستند إلى جهود كبيرة بذلها مفكرون مسلمون، وأقل عدداً منهم يدرك أن الإسلام تواجد في القارة الأوروبية لفترة أطول من البروتستانتية، وأنه، عبر تاريخ أوروبا، دخلت الدول المسيحية في تحالف مع الدول الإسلامية لمحاربة دول مسيحية أخرى.

أحياناً يأخذ الجهل طابعاً كوميدياً، إذ يضطر المرء أن يذكّر الأوروبيين بأن المسيحية ليست نتاجاً غربياً. بمعنى آخر، غالباً ما يجد المرء أن الشرق متأصّل في الغرب، والعكس صحيح، ومن الجدير بالقول إن الواقع اللبناني يصلح لأن يكون صورة مصغّرة لهذه الظاهرة، إذ إن الأصوات التي تعلو في الثورة لا يمكن اجتزاؤها أو حصرها بإرث حضاري شرقي أو غربي. من المهم الأخذ بهذه الرؤية، حيث يحتاج المواطن اليوم إلى حصانة فكرية ضد الشعبوية اليمينية، ونفاق اليسار الممانع، والتطرّف الديني الذي يرتئي أن نعيش في جهل لأنفسنا وللتاريخ الذي يحضننا.

لكن كيف نميز بين الواقع والخيال، في قضية العلاقة بين الشرق والغرب؟ وكيف نتغلّب على الشكوك المتبادلة التي خلّفها الاستعمار والإرهاب المقدس؟ منذ أن نشر إدوارد سعيد عمله الرائد "الاستشراق" عام 1978، تسلّلت هذه القضايا إلى النقاش الفكري، حيث لم تطارد فقط العلوم والبحث السياسي بل الأدب المعاصر أيضاً.

والمثال الأبرز على هذا هو رواية "البوصلة" للكاتب الفرنسي ماتياس إينار. تعالج الرواية في جزء كبير منها، روابط الحب المعقدة للتاريخ الثقافي الأوروبي مع الشرق، أبطالها ليسوا من الوجوه التقليدية كالصليبيين أو الجنود أو رجال الدولة أو المبشرين، وإنما الشعراء والفنانين والملحنين.

يسعى إينار في كتابه إلى توضيح كيف أن صورة الشرق كانت مصدر إلهام غزير لملحنين مثل موزارت، بيتهوفن، بيرليوز، ليشت وشوبرت وكتّاب مثل غوته، فلوبير، ريمبو وايبيرهارت، ولرسامين مثل انغريس، دولاكروا، ماتيس وكادينسكي.

نعم هناك الكثير من الأسماء التي ترد على هذه الصفحات المشبعة بالأفكار حول قدرة الفن على تجاوز الحدود وتوسيع أفق الوجود.

 ما جرى الآن مع الثورة في لبنان يدعو إلى نبذ النظرة الثنائية للعالم، أو على الأقل إعادة النظر بها. في الواقع هناك تداخل فكري وحضاري وقصة حب وإعجاب متبادل بين الشرق والغرب، يصعب الفصل بينهما
ثورة لبنان ذات رسالة جامعة: في عالم استهلاكي وذرائعي متربص بالسلطة على نحو متزايد، أظن أنه من الضروري أن نضع في مواجهته التطلعات العظمى للأدب والشعر والموسيقى والرسم، لأن الفن والتجربة الجمالية يضفيان الحماسة والشغف على مبادئنا ومعتقداتنا

الفن، بالمناسبة، حاضر بقوة في الثورة اللبنانية، كتعبير إنساني يناهض ما ينفي حرية الإنسان، ويصفها بأنها محكومة بالقدر والخطيئة الأصلية والتديّن الزائف والبيئة الاجتماعية والمحاصصة والزبائنية والفكر الشمولي إلخ... هنا لا يسعنا إلا أن ننحني أمام الشعب العراقي الثائر، رجالاً ونساء، ضد الظلم وقمع السلطة الوحشي الذي يحصد، بالمئات، حياة المواطنين الشرفاء والعزّل.

فشجاعة الثوار العراقيين تضفي بعداً خاصاً لمعنى الحرية والعيش الكريم. أما في لبنان، فالقوى الأمنية (وعلى رأسهم قيادة الجيش) لا تُعتبر امتداداً مباشراً لسلطة الأمر الواقع، فهناك مساحة وافرة للشبّان والشابات لأن يعبّروا عن إبداعهم، حيث يساهمون في ضخّ أفكار جديدة حول ماهية الهوية اللبنانية وسَبْر أغوارها.

من منا لم يتأثر مثلاً بالموسيقى والأناشيد الثورية والوطنية التي ضجت في ساحات طرابلس وبيروت وصيدا وجل الديب؟ ناهيك عن الغرافيتي الساخر والمفعم بألوان الثورة، على الجدران والمنتوجات الحرفية ومقاطع الفيديو، وهنا لا بد من الإشادة بالعنصر النسائي الذي يعتبر قيمة مضافة وفارقة في مجال الريادة، خفض التوتر في الشارع، التضامن الشعبي والحس المرهف.

يعتقد المؤلف الفرنسي، ماتياس إيناس، أن الفنانين يساعدوننا في رؤية الآخر في أنفسنا وأنفسَنا في الآخر. الاستنتاج بسيط ومقنع: في قلب ما نسميه الثقافة الغربية تنبض ألحان وأفكار وأشكال تتناقض باستمرار مع التشهير بالرفض كما لو كان غريباً تماماً علينا.

تجذبك المواكب أينما حللت في ساحات الثورة، حيث يختلط الليبراليون بالشيوعيين والمؤمنون بالكافرين والمحافظون بالتقدميين، يعبرون عن نفس المزيج من الفرح والمثابرة.

الشخصية الرئيسية في الرواية هي عالِم موسيقي ومستشرق نمساوي يدعى فرانز ريتّر. يتذكر هذا الأخير، بعد قضاء ليلة طويلة لم ترَ عينيه النوم فيها في مسقط رأسه فيينا، رحلاته في مدن الشرق الأسطورية، كإسطنبول وبغداد وبيروت والقاهرة. يفكر في المشاهد التي شاهدها والمؤتمرات التي حضرها والنصوص التي قرأها والمخدرات التي جربها. ومن كل هذه الذكريات يستذكر ريتّر خاصة، لقاء حب صاخب مع مستشرقة بارزة تدعى ساره. لوهلة قد يبدو الأمر وكأنه حبكة عادية من وجهة نظر أدبية، ولكن الرواية تبرع من خلال الواقعية السحرية لريتّر في استكشاف كل ما أثاره حلم الشرق في الحياة الثقافية الأوروبية.

"البوصلة" هي تكريم للإبداع العابر والمناهض لأحادية الهوية والنرجسية الضيقة والعزلة الثقافية. عندما يعبر بطل الرواية عن ألمه إزاء التطور الكارثي لهذا الزمن، بدءاً بتفكك دولة سوريا ومروراً بعودة الفاشية في أوروبا، أعود بذاكرتي الى أقاربي في لبنان ومحاولاتهم البائسة في الالتفاف على واقع ترسمه الحروب أو الصراعات باسم الآلهة أو الأمم أو الحضارات، يَشْقَون يوماً بعد يوم من أجل ألا يفقدوا البوصلة في عالم متقلب أو رمادي في حدوده وتحالفاته وهوياته.

لكن شيئاً ما طرأ على الوضع في البلد، ولعل التطور الأكثر لفتاً للانتباه هو هذه الثورة المباغتة والمتحررة من قوى السلطة، ومن هيمنة الأحزاب والتيارات والمعادلات السياسية المفخخة ونظرية المؤامرة، ثورة ذات رسالة جامعة: في عالم استهلاكي وذرائعي متربص بالسلطة على نحو متزايد، أظن أنه من الضروري أن نضع في مواجهته التطلعات العظمى للأدب والشعر والموسيقى والرسم، لأن الفن والتجربة الجمالية يضفيان الحماسة والشغف على مبادئنا ومعتقداتنا. عاشت الثورة. عاش لبنان.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard