حزب الله وحركة أمل يطلقان الرصاصات الأخيرة

الثلاثاء 26 نوفمبر 201906:51 م

في التظاهرات التي نُظّمت على عجل ضد الثورة اللبنانية والثوار، صدحت حناجر محازبي حزب الله وحركة أمل بهتاف "الشعب يريد 7 أيار*". هذا هتاف يراد من إطلاقه التعبير الفج عن قدرة حزب الله على إتيان العنف من دون رادع، وشعوره بالإحباط من مشهد اللبنانيين الذين يتظاهرون دون أن يعيروا قدرته هذه أي اهتمام.

قلة الاهتمام هذه ليس سببها أن قدرة حزب الله لا تخيف، ولا أن اللبنانيين الذين يتظاهرون في الساحات أبطال لا يخافون، بل هم بشر يخافون ويقلقون ويفرّون أمام مَن يريد استخدام القوة المفرطة.

الثورة تقلق راحة حزبي الثنائية الشيعية لأنها لا تقول لهما إننا نريد هزيمتكم بالقوة العارية، ونريد استبدال حكمكم بحكمنا، وسلطتكم بسلطتنا. فالثورة، منذ يومها الأول، لم تدّع أنها تريد استلام الحكم. هي ثورة على الحكم لكنها لا تريد الحلول محله. جل ما تريده وما نجحت في تحقيقه واكتسابه بصورة نهائية، هو حق الثوار في محاكمة أهل السلطة على فشلهم، ومراقبة أدائهم.

والحال، فإن التهديد بـ7 أيار جديد لا يصيب الثورة في مقتل أو حتى في موقع عرضي. 7 أيار في حقيقته ومآله النهائي تمثّل بإجبار أهل السلطة في لبنان على المشاركة في حكم البلاد تحت رعاية حزب الله وإيران من خلفه، وتالياً فإن جل ما يستطيع تحقيقه اليوم ليس أكثر من إعادة ترسيم الشراكة على النحو الذي كانت عليه، وهو أمر لا يصيب الثورة في مقتل.

فاستقالة الحكومة وعجز رئيس الجمهورية عن بدء الاستشارات النيابية لتعيين رئيس حكومة جديد، وعجز مجلس النواب عن القيام بدوره ليست أعراضاً لنشوء سلطة ظل جديدة تتحفز للقبض على مفاصل السلطة وطرد حزب الله ووكلائه المحليين منها. ما يريده الثوار ببساطة شديدة هو دعوة أهل السلطة إلى أن يحكموا على نحو آخر، لا يأخذ البلاد من فشل إلى فشل. وتخبّط أهل الحكم مردّه إلى أنهم لا يعرفون طريقة للحكم غير التي دأبوا على ممارستها وأثبتت فشلها لهم قبل أن تثبت فشلها للشعب اللبناني.

الثورة لا تريد الحكم، ولم تمنع أحداً أصلاً من اتباع الخطوات الدستورية اللازمة لتشكيل حكومة تتصدى للملفات الشائكة. على العكس هذه الثورة تطالب بوقف المماطلة والتأجيل والتسويف، وتمانع ممانعة حاسمة في ترشيح بعض أجسامها أنفسهم للمشاركة في الحكم. إنها ثورة شعب، والشعب يحاكم ويحاسب لكنه لا يحكم.

الثورة اللبنانية تقلق راحة حزبي الثنائية الشيعية لأنها لا تقول لهما إننا نريد هزيمتكم بالقوة العارية، ونريد استبدال حكمكم بحكمنا، وسلطتكم بسلطتنا. فالثورة، منذ يومها الأول، لم تدعّ أنها تريد استلام الحكم. هي ثورة على الحكم لكنها لا تريد الحلول محله
الغزوات التي نفّذها مناصرو الثنائي الشيعي على المحتجين في وسط بيروت، ثم في صور وبعدها في بعلبك، كانت تهدف إلى إظهار عناصرها على أنهم زعران متفلتون من كل ضابط، وليس لديهم ما يجيدونه غير الضرب والاعتداء

وعليه، لا تبدو تظاهرات حزب الله وأمل مفيدة للطرفين على أي نحو من الأنحاء. مثلما لا يظهر أن التهجم على المتظاهرين والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة قد أفاد هذا الثنائي في تغيير المشهد اللبناني. على النقيض من ذلك، دافع الثوار في الساحات، بنسب متفاوتة، عن الشبيحة، ورفض بعضهم، وهو بعض كبير، نسبتهم إلى التشبيح والزعرنة، وأصر على إبقاء وشائج المواطنة المشتركة والمعاناة المشتركة حية ونابضة معهم.

في المقابل، فإن الغزوات التي نفّذها مناصرو الثنائي الشيعي على المحتجين في وسط بيروت، ثم في صور وبعدها في بعلبك، كانت تهدف إلى إظهار عناصرها على أنهم زعران متفلتون من كل ضابط، وليس لديهم ما يجيدونه غير الضرب والاعتداء.

كما لو أن الثنائي الشيعي يريد التصريح من خلال غزواته بما يلي: هذا جمهورنا الذي لا يجيد غير البلطجة وليس مهتماً بأي شيء آخر ولا مجال للحوار معه والاتفاق معه على مشتركات، وهو جمهور غاضب ليس ضد أحد بالتحديد بل هو غاضب بالفطرة، ويكسر كل ما يصادفه حتى لو كان جزءاً مما يمتلكه.

وعلى هذا، يكون الهدف المضمر من هذه الهجمات التشبيحية الإيحاء بأن جزءاً من البلد ما زال غير مؤهل للمواطنة وغير قادر على ممارسة حريته، وهو أصلاً غير منتج في أي مجال، ولا يحسن إلا الضرب والقتل، ويجب على الشعب اللبناني أن يشكر الثنائي الشيعي لأنه يشغل هؤلاء عن الاعتداء على اللبنانيين بالمرابطة في جبهات القتال.

وبكلام أدق، يريد حزب الله، بوعي أو من دون وعي، أن يبلغ اللبنانيين أن خضوعه التام لمموله الإيراني يوفر على اللبنانيين جميعاً قلاقل لا قِبل للبلد بالقبول بها، لأن انقطاع التمويل يعني أن هؤلاء الذين سحبهم حزب الله من مدارسهم وعائلاتهم، وأصبحوا محترفي قتال، سيجدون أنفسهم في الشارع، وعلى اللبنانيين أن يتحملوا تبعات ما سوف يرتكبونه من موبقات.

*أحداث 7 أيار/ مايو 2008 هي حملة عسكرية نفّذها حزب الله وحلفاؤه في بيروت وبعض قرى جبل لبنان بعد إصدار الحكومة اللبنانية قرارات تتعارض مع مصالحه، وكانت نتيجتها اتفاق الدوحة الذي أدخل حزب الله وحلفائه إلى الحكومة وأعطاهم قدرة على تعطيل القرارات التي لا تعجبهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard