ثورة أو حراك أو انتفاضة... ما الذي يحدث في لبنان؟

الثلاثاء 26 نوفمبر 201902:07 م

مذ انطلاق الشرارة الأولى لـ 17 تشرين الثاني، تعدّدت تسميات هذا الحدث. البعض سماه حراكاً، والبعض ارتأى أن يصفه بالانتفاضة، وسرعان ما راجت تسمية لاقت قبولاً سريعاً وأصبحت على لسان المعارض والمشارك: "الثورة".

في ظل الغضب الشعبي والرفض القاطع للسلطة الحاكمة في لبنان، والتي اتخذت من العباءة الطائفية والحزبية شرعيتها متجاهلة المصلحة العامة، احتضن لبنان أبناءه المتظاهرين من مختلف المناطق، حيث لقبوا أنفسهم "بالثوار" لأجل الوطن.

وكانت الشعارات التي ردّدها اللبنانيون في الشارع قد ساهمت بتكريس مصطلح "الثورة" كتسمية مطلقة لهذه الاحتجاجات، فجاءت الهتافات بـ"الثورة" فاصلاً بين المقاطع الغنائية وإيقاعاً يجيّش المتظاهرين.

ولعل شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" الذي ردّده اللبنانيون، والذي تحوّل مع الوقت إلى أيقونة الثورات العربية في وجه الأنظمة القمعية، قد منحهم للمرة الأولى الشعور بأن لبنان قد التحق بركب هذه الثورات. إلى ذلك، كانت قبضة اليد التي تحمل عبارة "الثورة" والتي نصبها المتظاهرون في الأيام الأولى في ساحة الشهداء، قد غدت رمزاً يدل على هوية الاحتجاجات، ليستبدلوها لاحقاً بعد حادثة حرقها، بقبضة تحمل عبارة "للوطن".

استخدمت تسمية الثورة عدة مرّات في لبنان، غير أن كل مرحلة كرست معنى مختلفاً لها يتناسب مع سياق قيامها ونتائجها. فقامت في عهد الحكم العثماني في القرن التاسع عشر، ثورة الفلاحين، أو ما يعرف بـ"ثورة طانيوس شاهين"، والتي قامت من أجل الدفاع عن حقوق الفلاحين بوجه الإقطاع ذي الانتماءات الطائفية.

ويمكن أن نرى أن رفض الاستعاضة عن تسمية "الثورة" بمسميات أخرى يأتي للتأكيد على جدية مطالب الشارع، والإصرار على أن 17 تشرين ليس كغيره من التظاهرات

وبعد الحرب الأهلية، أطلقت فئة من اللبنانيين ما يسمى بـ"ثورة الجياع" في ظل تردي الأوضاع المعيشية لدى الشيعة، لكنها في الأصل لم تحدث تغييراً يذكر. وفي العام 2005 قامت "ثورة الأرز" التي أدّت الى انسحاب القوات السورية من البلاد، ومهدت لقيام انتخابات برلمانية جديدة.

أمّا اليوم، وبعد احتجاجات العام 2011 ثم تلاه حراك 2015، الذي نجح في دعوة الشارع إلى التظاهر، لكنه فشل في الضغط على الحكومة ولم يحقق أياً من أهدافه، أتى 17 تشرين الثاني ليستنهض الشارع اللبناني في كل المناطق، خلافاً للتجارب السابقة التي اتخذت من بيروت نقطة ارتكازها.

يستطيع متصفح صفحات التواصل الاجتماعي أن يلاحظ الكم الهائل من الصفحات التي تحمل عناوين تنتمي للثورة: لبنان ينتفض، صور تثور، طرابلس تنتفض، الشوف ينتفض، وغيرها من المناطق، ويمكنه أن يلاحظ أن معظم المنشورات تحمل تعبير الثورة: "ثورة حتى النصر، ثورة مش حراك، ثورة حتى تحقيق المطالب".

قد تتبدل التسميات لكن المشهد الإعلامي للمتظاهرين وحده ما يحدد الإجماع الشعبي على "الثورة"، حتى اضطر المراسلون في مقابلاتهم مع المتظاهرين لاستبدال تسمية الانتفاضة بالثورة، بعد أن شعر المتظاهرون بأن التسميات الأخرى لا تعبر عن غضبهم العارم تجاه الفساد السياسي وإصرارهم على التغيير.

وكان شبان لبنانيون قد عبروا عن رفضهم لتسمية الحراك بإطلاق مجموعة من الفيديوهات وهم يرددون "ثورة مش حراك". ويمكن أن نرى أن رفض الاستعاضة عن تسمية "الثورة" بمسميات أخرى يأتي للتأكيد على جدية مطالب الشارع، والإصرار على أن 17 تشرين ليس كغيره من التظاهرات، وإنه تجسيد لمفصل تاريخي في الشأن اللبناني.

وفي ظل خروج تظاهرات مناصرة للأحزاب السياسية التي لطالما اعتمدت على مبدأ النفعية والاستنسابية تجاه مناصريها، للحفاظ على قاعدتها الشعبية، أصر المتظاهرون المنتفضون بوجه الهيكل السياسي بكامله، على أن يطلقوا على أنفسهم تسمية "الثوار" ليفصل بينهم وبين المتظاهرين في المقلب الآخر، وليؤكدوا على نزاهة تحركهم ووطنيّته أيضاً.

لعل الهاجس لتحقيق العدالة والحرية في العالم، هو ما أكسب المصطلحات معنى سياسي واجتماعي جديد، فقد وضع أرسطو تعريفاً سوسيوسياسي للثورة، معتبراً أنها الخروج عن الوضع الراهن بسياقين سياسيين: الأول، عن طريق التعديل الكامل للدستور، والثاني التعديل على دستور موجود وانتقال الحكم الى طبقة الثوار. أما التعريف المعاصر بحسب ماكسيموف، في كتابه "الثورة المضادة والاتحاد السوفياتي"، فرأى أن "الثورة هي الإطاحة بالنظام السياسي والاقتصادي السائد الذي يقوم على الاستغلال. ما يعني بناء نظام جديد يرفع إلى أعلى مستوى، رخاء القسم الأعظم من الجماهير، والذي ينتج أقصى قدر من حقوق الإنسان والحرية، التي تستبدل أخلاق السادة الكنسية والدولتية بأخرى تقوم على الحرية والمساواة والتضامن".

لا يهم إن كان ما يحصل في لبنان هو ثورة أو حراك أو انتفاضة، والخلاف على التسمية لا يزيد أشواطاً في مسيرة التغيير، والتسرّع في الحكم قد لا يأتي في مصلحة الثوار أنفسهم، فالثورة تكمن في استمرار النضال حتى تحقيق الهدف

ما يجدر الاعتراف به هو أن هذه التظاهرات قد خلقت ثقافة شعبية في الشارع اللبناني على امتداده، هذه الثقافة التي تجسدت في الجرأة والقدرة على نزع الهيبة والقدسية عن الأحزاب السياسية التي رسمت ملامح لبنان الطائفي منذ انتهاء الحرب الأهلية

وباعتبار أن المدى الزمني لقياس التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا يزال ضيقاً، يضاعف هذا من الحيرة حول إطلاق تسمية "الثورة"، بل نحن لسنا في مخاض نثبت فيه أن هذه الثورة مستوفية أو غير مستوفية للشروط، لأن لكل ثورة مناخها وشروطه وسياقها الخاص.

وقد تنتهي هذه التحركات الشعبية التي بدأت بشكل عفوي عكس ما آلت اليه، ولا يمكن تقدير ذلك أو توقعه الآن، وكل ما عدا ذلك لا يستحق وضعه إلا في خانة التنبؤات.

ولكن لا يمكننا أن ننكر أن المجتمع اللبناني يتأرجح بين نوعين من الاستجابات: الصدمة السلبية والصدمة الإيجابية التي استخدمها الفيلسوف "أرنولد توينبي" عن عالم النفس السلوكي "كارل يونغ" في محاولته لفهم عوامل التحدي والاستجابة للثورات. ففي حين يستجيب فئة من اللبنانيين بطريقة سلبية للضغوطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تاركين مصائرهم معلقة في الحاضر، لا بل مرهونة لقرارات قياداتهم، خرجت شريحة كبيرة من اللبنانيين إلى الشارع لتعبر عن استجابتها بصورة إيجابية، من خلال رفضها للضغوط والتحديات ومحاولتها استعادة حاضرها.

هاتان الاستجابتان المتناقضتان في الشكل والفعل، وضعتا الشارع اللبناني المنتفض على السلطة، في موقع التبرير لموقفه السياسي الرافض للسلطة كاملة، وأدخلتاه في معركة إيقاظ سبات العامة لاسترجاع حقوقها وتذكيرها بهذه الحقوق. وعلى الرغم من اكتمال عناصر قيام الثورة المتمثلة بوجود الاستبداد السياسي، التدهور الاقتصادي، تغوّل الرقابة الأمنية وتعاظم الشعور بالتهميش والاستغلال، إلا أن هذه المظاهرات التي ولّدت واقعاً لبنانياً جديداً اليوم، وردّت الاعتبار لشريحة المستقلين والمهمشين والمنشقين عن أحزابهم، والمواطن اللبناني بشكل عام، لا تزال تحتاج مزيداً من الوقت لفهم متغيراتها السياسية والمؤسساتية، وربطها بالنظام الاجتماعي القائم.

في الختام، لا يهم إن كان ما يحصل في لبنان هو ثورة أو حراك أو انتفاضة، والخلاف على التسمية لا يزيد أشواطاً في مسيرة التغيير، والتسرّع في الحكم قد لا يأتي في مصلحة الثوار أنفسهم، فالثورة تكمن في استمرار النضال حتى تحقيق الهدف.

وقد يحتاج لبنان إلى ثورات متعاقبة لتغيير الواقع الطائفي المتجذر في تركيبة المنظومة السياسية الفاسدة، ولكن ما يجدر الاعتراف به هو أن هذه التظاهرات قد خلقت ثقافة شعبية في الشارع اللبناني على امتداده، هذه الثقافة التي تجسدت في الجرأة والقدرة على نزع الهيبة والقدسية عن الأحزاب السياسية التي رسمت ملامح لبنان الطائفي منذ انتهاء الحرب الأهلية، في حين كان المطلوب أن ينتقل لبنان إلى اللاطائفية السياسية، بحسب اتفاق الطائف الذي أتى على ذكر "تأسيس هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية لدراسة طرق إلغاء الطائفية"، وهو ما لم يبصر النور.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard