"ماذا يريدون منا؟ نريد العيش بسلام".... قصص أهالي القامشلي في ظل التفجيرات

الثلاثاء 26 نوفمبر 201905:08 م

تقول الأجيال الكردية الفتية: "كتب علينا الشقاء، كما حال أسلافنا، وكأن نصيبنا في الحياة هو لزوم قتل الإنسان الكردي، فقط لأنه كردي".

قبل أيام، وما أن بدأت حركة الأسواق تقلّ، والمحلات تغلق أبوابها، والأسر تلتم حول مائدة الطعام، إلا القليل ممن بقوا في الأسواق لقضاء بعض الحاجيات، أو من لم يشأ العودة للمنزل لضيق الوقت الشتوي، ولم تكد تتلاصق عقارب الساعة حول الثانية، حتى بدأت سلسلة أصوات عنيفة تملأ أرجاء المدينة، وتحركت معها عجلات عربات الإسعاف وأصوات الإطفائيات.

ففي حي ميسلون الذي يقطنه الكرد في شرقي قامشلي، أستقبل مزكين (43 عاماً) المُهنئين له بنجاته من الموت.

واستقبلنا بدوره، وفي حديث خاص لرصيف22، قال: "بعد أن أنهيت عملي في محل صرافة العملة، لم أشأ العودة إلى المنزل، تناولت صحناً من المتبل مع رغيف من الخبز التوست في مطعم سيمار، واشتهيت نفس أركيلة، حجزت طاولة بجانب الشباك في مقهى الشموع".

ولكي يكسب مزكين الوقت لم ينتظر تجهيز الأركيلة ورغب بالتشييك على وضع هاتفه النقال، ويتابع: " نزلت إلى الأسفل لأضع هاتفي عند محل الموبايلات، وصعدت إلى المقهى مجدداً، لم تمض دقيقة حتى شعرت إنني ككرة طائرة قذفني أحدهم ثلاثة أمتار".

حينها كان التفجير الإرهابي الأول قد وقع نتيجة تفجير سيارة من نوع "جيب" عند تقاطع شارع الوحدة مع طلعة السبع بحرات، ونتيجة للزجاج المتطاير، احتمى مزكين ورفاقه خلف الطاولات وحموا رؤوسهم عبر أيديهم، وتابع: "بعد أقل من دقيقة سُمع دوي أكبر، حينها انتشرت ألسنة النار وقطع الزجاج في المقهى، وكثافة الدخان جعل من البقاء مستحيلاً، مع النزف الحاد في أصابع يدي اليمنى".

وكانت سيارة من نوع "فان" تم تفجيرها عن بُعد، تحت المقهى مباشرة وأمام محل الموبايل الذي أراد مزكين أن يضع موبايله لديه. ويتابع: "صعد البعض منا إلى المقهى، منهم من بقي هناك، ومنهم من قفز إلى السقف المجاور وتعرض للكسر في قدمه ويده، أما أنا ولضخامة حجمي لم يكن أمامي سوى النزول عبر درج المقهى".

ويستغرق النزول في الحالة الطبيعية أقل من دقيقة، لكن كثافة الدخان جعلت الأمر أشبه "بتسلق الجبال" كما يصفه مزكين، ويضيف: "كنا مجموعة قررنا اقتحام الدخان وألسنة اللهب قبل أن تكبر، أغمي على مسنٍّ بسبب ضيق التنفس، وفي النهاية خرجنا من المدخل الثاني للعبارة". يتأسف مزكين على صديقه المرحوم الشاب عامر، صاحب محل الموبايل، ويقول: "في المرة الأولى طلب مني الجلوس، لكن بسبب تواجد بعض النساء أخبرته أني سأعود بعد قليل، أنا عدتُ لكنه لم يستقبلني هذه المرة".

بينما أراد علي (27 عاماً) الذهاب إلى المطعم لشراء وجبة الغداء لمنزل شقيقه، وصل إلى كراج "نوروز" الذي لا يبعد عن مكان التفجير سوى بضع دقائق، يتحدث علي عن هروبه مرتين وإصابته في المرة الثالثة، ويقول لرصيف22: "هربت صوب سوق الذهب، كحال كل الموجودين من حولي، لأنه يبعد عن ساحة التفجير، وما هي سوى لحظات حتى سُمع صوت دوي مرتفع، هربنا من هناك أيضاً صوب شارع الوحدة".

بالقرب من ثانوية القادسية للبنات، توقف علي بعد ركضه لمسافة بعيدة، أراد معرفة ما حصل، ويتابع: "استدرت صوب السوق وكانت المدرسة خلف ظهري، لحظات وكنت متدحرجاً على الأرض والدماء تُغطي جسدي دون أن أعرف من أين جاءت"، فقد تم تفجير دراجة نارية مفخخة كانت مركونة عند جدار المدرسة، نُقل علي إلى مشفى السلام المجاور للمدرسة، ويضيف: "أصبت بشظيتين في ظهري وواحدة في كاحل قدمي، ليس لي علاقة بأي شيء، فقط ودت أن أجلب الطعام لأبناء أخي لنتناوله سوية".

شواهد على التفجير

أما روناك يوسف (38عاماً) الذي وصل إلى محله لبيع الألبسة الرجالية قبل التفجير بدقائق، يقول في حديث لرصيف22: "جلست على الكرسي ولم أتمكن من فتح أحد الأدراج حتى انهارت واجهة المحل المقابلة لمكان التفجير، أشكر الله لوجود قطع من الخشب خلف الزجاج الذي حماني من الشظايا".

لم يهتم روناك لحجم الأضرار التي لحقت بمحله، فقط فكر كيف يحمي روحه، ويتابع: "أسرعت إلى غرفة تبديل الملابس، بقيت هناك دقيقة أو دقيقتين، لا أذكر، ناداني صديقي للخروج، ولجأنا إلى عبارة خلف المحل للاختباء".

لم يكد روناك وباقي المتواجدين في المحلات المجاورة للتفجير الأول، يتمكنون من الاختباء حتى حصل التفجير الثاني، ويضيف: "شعرت أن هزة أرضية ضخمة قد حصلت، من ضغط الصوت وكثافة الغبار والدخان خرجنا من العبارة، لأرى منظراً مروعاً، لا أبالغ إن قلت: كدت لا أعرف المكان".

بقي روناك مذهولاً من ضخامة الحريق الذي أبتلع المحلات وأقتلع أحجار الرصيف وهدم واجهة فندق السفراء، ويضيف: "أثناء محاولتنا إسعاف الجرحى وإخماد النار، سمعنا صوت تفجير ثالث بعيد عنا، لكننا لم نكترث، فما نشاهده جعلنا نفقد أي مشاعر أو استجابات فورية، فقط توجهنا صوب المشافي للتبرع بالدم".

في فصل الشتاء، ونتيجة لقصر النهار، غالباً ما يقضي العاملون وأصحاب المحلات فترة الظهيرة في محلاتهم، كحال علاء الذي عمل في محلات هيثم للألبسة، الذي تردد قبل الحديث لرصيف22، فقال: "كنا نتناول الغداء في المحل، سمعنا صوت التفجير الأول، خرجنا مسرعين للخارج، لحظات ووجدنا السقف المستعار والبلور والواجهة والرفوف كلها قد انهارت لشدة التفجير الثاني".

صاحَبَ الانفجار الثاني كثافة دخانية سببت حالات ضعف التنفس، كحال مسؤول علاء في العمل، ويتابع: "وجدنا المعلم هيثم مغمياً عليه، أسعفناه للمشفى، تركنا كل شيء خلفنا، الحمد الله أخرجناه بعد جرعات من الأكسجين، عدنا إلى المحل أغلقنا الأبواب، وتوجهنا صوب بيوتنا نحمل من الهموم والآلام ما لا يمكن شرحه".

في الوقت الذي كنا نتفقد وضع الجرحى في مشفى فرمان، تعرفنا مصادفة على الصحافي كاظم خليفة الذي كان عائداً إلى منزله، حين مرّ مصادفة بجانب إحدى المفخخات، أصيب بحروق في يديه ووجهه، لم يتمكن من الحديث أبداً، وأجّل الأطباء البت في وضعه إلى حين تخفيف آثار الحريق.

زرنا منزله فيما بعد، رحّب فينا وقال: "كنت عائداً للمنزل، ما أن قطعت شارع الوحدة، حتى رأيت نفسي سابحاً في الهواء، والنار مشتعلة في ثيابي".

لم يعلم كاظم أن وجهه محترق أو أنه قد أصيب، ويضيف: "حاولت النهوض ففشلت، ثم حاولت ثانية عبر الاتكاء على الجدار، شرعت بإطفاء النيران الخفيفة في ثيابي، ثم شرعت بنقل أحد المصابين إلى مكان محمي، بعد لحظات شعرت أن جلد وجهي قد أزيل، أسعفوني إلى المشفى، وها أنا في المنزل الآن". ويخضع كاظم إلى جلسات علاج للعين والوجه، في انتظار البت في وضعه.

ما أن بدأت حركة الأسواق تقلّ، والمحلات تغلق أبوابها، والأسر تلتم حول مائدة الطعام، حتى بدأت سلسلة أصوات عنيفة تملأ أرجاء المدينة، وتحركت معها عجلات عربات الإسعاف وأصوات الإطفائيات... أهالي قامشي يتحدثون لرصيف22
لا يخفي صاحب مكتبة الحرية حجم الاضرار المادية الكبيرة التي لحقت بمكتبته، لكنه يفضلها على أي أذى يلحق بالعاملين في المكتبة، ويتابع: "الماديات تعوض لكن الأرواح غالية"

الحياة في اليوم الثاني للتفجير

زرنا مكان التفجير في اليوم الثاني، كان الناس يقفون للترحم على من فقدوا حياتهم، وأصحاب المحلات يقومون بتنظيفها وإخراج قطع الزجاج.

يقول روناك: "الحمد الله على كل شيء، يبدو أنه كتب لنا عمر جديد، الأضرار المادية تعوض لكن من فقد حياته أو جرح هي المشكلة، سترنا الله أن التفجير خارج وقت الذروة، وإلا فإن كارثة بشرية كانت ستقع".

يساعد وسيم عمر، لاعب سابق لنادي الجهاد الرياضي، العاملين في مقهى "كيف كفي" الذي يملكها، في تنظيفها من بقايا الزجاج المتكسر، وفي حديث لرصيف22، قال: "ماذا يريدون منا؟ نرغب أن نعيش بسلام، نحن هنا لنكسب ما يساعدنا على العيش والحياة، ليس لهؤلاء أي علاقة بالدين، فليتركونا وشأننا، لا علاقة لنا بالسياسة. جميع الجرحى ومن فقدوا حياتهم كانوا يعودون إلى منازلهم أو يرغبون بشراء بعض الحاجيات، أشكر الله أن جميع العاملين لدي لم يتعرضوا لأي أذى، الأضرار لدي قليلة قياساً مع مقهى الشموع".

يقف مالك خرزاني، صاحب مكتبة الحرية، التي وقع الانفجار الأول بجانبها، متأملاً حال مكتبته التي تعد ثاني أقدم مكتبة في قامشلي، في حديث لرصيف22، قال: "كانت المكتبة مغلقة لحظة وقع الانفجار، كنت في المنزل، أسرعت إلى المكان، كان المشهد مروعاً، كل هذا لأجل ماذا، قتل بعض الأبرياء؟ كل شيء سيء والأوراق مختلطة، لا يمكن تحديد الجهة المستفيدة أو المنفذة".

لا يخفي خرزاني حجم الاضرار المادية الكبيرة التي لحقت بمكتبته، لكنه يفضلها على أي أذى يلحق بالعاملين في المكتبة، ويتابع: "الماديات تعوض لكن الأرواح غالية، هنا ليست سوى منطقة مدنية لا عساكر ولا مراكز أمنية، المستهدفون هم من الأبرياء المدنيون، جئت اليوم كي أنظف المكتبة وأباشر بالعمل مجدداً، هكذا هي الحياة في القامشلي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard