ماذا يختلف الداعية الذي يريد طمس فرقة "صول" الغزاوية عن الاحتلال؟

الثلاثاء 26 نوفمبر 201901:06 م

"تنتهك حرمات الله بالترويج للتبرج والسفور، وتزين الاختلاط، وتدعو بأفعالها إلى تمييع الشباب، والتشجيع على المأثم، وفعلها منكر ظاهر، ومنعها واجب في حق صاحب السلطان".

كلمات كهذه ليست جديدة على مسامعنا. قد يُطلقها أي داعية في وجه ما يراه "فُسقاً"، ولكن هذه المرة مختلفة بعض الشيء، فقد وُجهت إلى فرقة فلسطينية من قطاع غزة تُدعى "صول". كل ما تقوم به هذه الفرقة هو الغناء في وضح النهار بآلاتها الموسيقية لتعيد إحياء الأغنية الفلسطينية بتوزيع معاصر. أليس لكل زمان فنّه؟

اعتبر الشيخ الفلسطيني محمد سليمان الفرا، وهو نائب عميد الجامعة الإسلامية - فرع الجنوب - وعضو رابطة علماء فلسطين وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، أن الفرقة تنتهك حرمات الله، مضيفاً أن "التساهل معها يفضي إلى فساد كبير، وشر مُستطير، وينتج منه انحراف سلوكي فكري لدى الشباب".

وأضاف: "ما كانت هذه الفرقة لتجاهر بمخالفة موروثنا القيمي، وتعاليم الإسلام في مجتمعنا المحافظ، لولا السكوت أو الرضا عن أفعالها من بعضِ الجهات السيادية".

ولكن "فتوى" الشيخ تأخرت نحو سبع سنوات، إذ انطلقت الفرقة المكوّنة من ستة شباب وشابة عام 2012، مختارة لنفسها اسم غير تقليدي وسط وجود عشرات أو مئات الفرق الفلسطينية التي تُحاول إبقاء الإرث الفلسطيني مع انتهاكات الاحتلال المستمرة ومحاولاتها في طمس الثقافة الفلسطينية.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ماذا يختلف الشيخ الفرا عن الاحتلال؟ كلاهما يحاول طمس الثقافة الفنّية الفلسطينية، والاختلاف يكمن في أن الداعية يفعلها بحجة العادات والتقاليد في قطاع غزّة على اعتبار أنه مجتمع محافظ جداً.

لماذا الآن؟

تزامن تصريح الداعية تقريباً مع إطلاق الحلقة الثانية من برنامج "وصلة" الذي يُعرض على قناة "تلفزيون فلسطيني" بهدف "إعادة الحياة لبعض الأغاني الفلسطينية العريقة وصناعة الحياة في قطاع غزة الفلسطيني".

تمتد الحلقة نحو 10 دقائق تبث خلالها أغنية تراثية فلسطينية أو أغان عربية مقاومة للاحتلال، من بينها أغنيات للشيخ إمام وأم كلثوم وفيروز ومارسيل خليفة وجوليا بطرس.

في الجزء الأول من الحلقة، تجري مناقشة تاريخ الأغنية، أو القصة التي تختبئ وراءها، فيما ينطلق أعضاء الفرقة في الجزء الثاني إلى أحد معالم قطاع غزة لإعادة إحياء الأغنية بتوزيع جديد بآلات موسيقية حيّة والتركيز على جمالية القطاع، بعيداً عن مشاهد الحرب وما تتضمنه من قسوة وبشاعة وخيبة للآمال مع تجاهل الأمم ما يجري فيها. 

"الصغار ما بينسوا"

"إذا الكبار بموتوا، الصغار ما بينسوا"، هذا ما قاله أحد أعضاء الفرقة موضحاً باختصار في أولى حلقات برنامج "وصلة" ما المقصود من أغنية "هبت النار" التي كانت محور الحلقة الأولى. 

تقول بعض كلمات الأغنية التي تعود إلى فرقة "أغاني العاشقين" الفلسطينية التي تأسست عام 1977 في العاصمة السورية دمشق:

هبت النار والبارودِ غنى

أطلب شباب يا وطن وتمنى

وهبت النار من عكا للطيرة

كمشة صغار ربيوا عالحصيرة

وهاي صاروا كبار وما نسيوش الديرة

ومين اللي ينسى فلسطين الجنة

هبت النار

ماذا يختلف الشيخ الفرا عن الاحتلال؟ كلاهما يحاول طمس الثقافة الفنّية الفلسطينية، والاختلاف يكمن في أن الداعية يفعلها بحجة العادات والتقاليد في قطاع غزّة على اعتبار أنه مجتمع محافظ جداً
"تنتهك حرمات الله، بالترويج للتبرج والسفور، وتزين الاختلاط، وتدعو بأفعالها إلى تمييع الشباب، والتشجيع على المأثم، وفعلها منكر ظاهر، ومنعها واجب في حق صاحب السلطان"... قالها شيخ فلسطيني قاصداً فرقة "صول"، ولكن ما الذي "ارتكبته"؟

مين جفرا؟

أما الحلقة الثانية، فقد خُصصت للحديث عن أغنية "جفرا"، التي قال أعضاء الفرقة إنها تتضمن أكثر من قصة، من بينها واحدة تعود إلى شاب فلسطيني يُدعى أحمد عبد العزيز أُغرم بابنة عمّه رفيقة الحسن، وتزوجها بحكم العادات والتقاليد من دون أن يكون لرفيقة مشاعر تجاهه. وبعد زواجهما، فرّت من المنزل، وما كان عليه سوى أن يُوجه لها هذه الكلمات عبر أغنياته باسم مستعار نظراً إلى أن البيئة لم تكن تسمح بالإفصاح عن أسماء الإناث المقرّبات.

أما الرواية الثانية، فتعود إلى فتاة تدعى جفرا بالفعل، وهي "جفرا الشهيدة" التي استُشهدت بغارة جويّة في بيروت، قبل أيام قليلة من زفافها من الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة الذي روى القصة في إحدى الصحف اللبنانية عام 1976.

يقول أعضاء الفرقة، في برنامج وصلة، بناءً على البحوث التي قاموا بها، إن ما كتبه لقي تفاعلاً واسعاً أدى إلى ترجمته إلى نحو 20 لغة. وغنى كلمات المناصرة مارسيل خليفة، وخالد الهُبر، وتحوّلت القصة إلى فيلم يوغوسلافي تضمّن الأغنية بصوت خليفة، عُرض في مهرجان موسكو الدولي عام 1980.

وأضاف أحد أعضاء الفرقة إن جفرا "مثلت الأرض والبندقية" كذلك، إذ غنّتها فرقة العاشقين الفلسطينية بشكل مختلف تماماً، وأصبح لكل منهم "جفرا"، ولكنّها الحياة والجمال في كلّ الحكايات.

بهذه الكلمات غنّتها "صول" في البرنامج بتوزيع خاص بها:

جفرا وهي يا الربع

طير الحب الشادي

يغني للسما الزرقا

فلسطين يا بلادي

جفرا وهي يا الربع

ع البير نشاله 

ومحزمة بالكمر فوق الكمر الشاليه 

والله وان غاب القمر 

لأجيكم بحالي 

وأنزل على داركم مثل الحرامية 

"تحريض إسلامي"

وبرغم التأييد الذي حظي به تصريح الشيخ الفرا من الدكتور صالح حسين الرقب، أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة والباحث الشرعي في كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية في قطاع غزة الذي اعتبر أنها "فتوى موفّقة حول هذا العمل الشائن الذي ينتشر في غزة"، كان للبعض الآخر رأي مخالف.

فقال الإعلامي الفلسطيني عماد الأصفر: "الحقيقة هي أن التساهل مع هؤلاء (العلماء) هو ما أفضى وسيفضي إلى شر مستطير"، معتبراً أن الفتوى"تحريض إسلامي".

وتساءل مختصراً تساؤلات الكثير من الناس: "كيف ستعرف الجامعة الإسلامية بغزة أنها مخطئة إذا لم تصدر وزارة التعليم العالي واتحاد الجامعات موقفاً ضدها؟ كيف يمكن أنصار الشيخين الرقب والفرا معرفة معنى انتهاك حرمات الله، إن لم يرتفع صوت المفكرين الإسلاميين؟ كيف سنفهّم العالم أنه ليس من حق أي إنسان أن يصدر فتوى، إذا لم يتحرك المفتي العام في مواجهة من يصادر حقه؟".

وتابع: "كيف ستعرف حركة حماس أن قياداتها الفكرية ستدفع بالمجتمع إلى 'حوض نعنع' (داهية) إن لم يقف أمامهم اليساريون؟ كيف نفهّم الشيخين أن تحريضهما قد يسبب أذى جسدياً للفرقة إن لم تحرّك منظمات حقوق الإنسان قضايا ضدهم؟ كيف سيبدع شباب غزة وشاباتها إن لم يحمِهم المجتمع ويدافع عنهم؟".

أما الممثل الفلسطيني الكوميدي-الساخر نيكولاس خوري، فقال: "رح أفاجئكم بس مضطر أحكي للشيخ شكراً من كل قلبي؛ عشان عرّفني على هالفرقة الحلوة بأغانيهم الحلوة". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard