"اللي تحت ميخصكش"... رفع الوعي في مواجهة وصم العابرين جنسياً بسبب أعضائهم الجنسية

الثلاثاء 26 نوفمبر 201901:29 م

شهر نوفمبر هو شهر الاحتفاء بالعابرين جنسياً وذوي الهويات الجنسية المرفوضة اجتماعياً. هذا العام اختارت مجموعة "ترانسات" التي تضم عابرين/ات جنسياً من مختلف أنحاء العالم العربي تنظيم حملة شعارها "اللي تحت ميخصكش" للتطرق إلى أشكال التمييز والعنف التي يتعرض لها العابرون/ات جنسياً في العالم العربي.

يقول باسل – عابر جنسياً مشارك في الحملة - "أعضاؤنا الجنسية هي أبرز سبب لما نتعرض له. يظن الناس أن لهم الحق بالتدخل في أجسادنا لإشباع فضولهم أو هوسهم عبر التقليل من احترامنا وانتهاك خصوصيتنا والسخرية منا والحط من إنسانيتنا".

وترى فريدة أبو عوف، المصرية العابرة جنسياً، أن للحملة أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث "الناس شديدو الهوس بالأفكار الجنسية المتمركزة حول الأعضاء الجنسية للآخرين".

السؤال المُلِّح للعابرين/ات جنسياً حول أجسادهم/ن وأعضائهم/ن الجنسية يجعل تعاملاتهم/ن اليومية ضاغطة. يقول باسل: "لا يمكن أن نصف ما نتعرض له بتعبير أقل من الانتهاك الجنسي. ما يحدث يجردنا من إنسانيتنا وحقنا في الخصوصية". ما يلقاه العابرون من أسئلة لا تنقطع عن أعضائهم وأجسادهم يؤثر في جميع جوانب حياتهم الاجتماعية والمهنية، وفي الحياة اليومية وعلى الإنترنت.

"‘عندك إيه تحت؟"

المساحات الاجتماعية ساحة دائمة للصراع. تقول أبو عوف إن أول سؤال يوجه للشخص العابر جنسياً "عندك إيه تحت؟". ويضيف باسل أنه حتى عندما يصيغ البعض السؤال بطريقة أكثر تهذيبًا "هل أنت ولد أم فتاة؟"، يكون الغرض هو التساؤل عن نوع العضو الجنسي. "أحيانًا ما يُلقي السؤال أناس غرباء تمامًا. ويكون هدفهم فقط هو معرفة نوع العضو".

الهوس بالأعضاء الجنسية يؤثر أيضاً في العلاقات العاطفية والمواعدة

ويضيف: "رهاب المتحولين جنسياً Transphobia أمر شائع جداً في مجتمعاتنا. هناك إلحاح شديد على معرفة التركيب التشريحي للعابرين جنسياً، ويتسبب هذا في المزيد من القلق الاجتماعي لنا، إذ نخشى محاولة تكوين الصداقات أو الإعلان عن هويتنا الجنسية لأصدقائنا وعائلاتنا أو توطيد علاقاتنا بزملاء العمل حتى لا نواجه بما لا نحب من الأسئلة". علاوة على هذا، بينما يجد الكثير من العابرين حريتهم في الإعلان عن هويتهم والتصرف على طبيعتهم عبر الإنترنت، يستقطب انفتاحهم هذا العدد من التدخلات الفضولية. يقول عابر رفض الكشف عن اسمه "من السهل جداً على الناس أن تسألنا هذا النوع من الأسئلة بلا تردد، متخفين وراء هويات زائفة أو وراء شاشاتهم".

الأعضاء الجنسية والعلاقات العاطفية

الهوس بالأعضاء الجنسية يؤثر أيضاً في العلاقات العاطفية والمواعدة. تقول فريدة أبو عوف: "عندما يعجب بك أحدهم ثم يكتشف أنك عابر/ عابرة جنسياً، فإن أول رد فعل هو التساؤل عن عضوك الجنسي". وتواصل: "عادة، يسألون للتأكد إذا كانوا سيستمتعون جنسياً معك أم لا، ويضيف بعضهم سؤالاً: هل يبدو العضو طبيعيًا؟إنهم يضعون مقاييس جمال حتى للأعضاء".

البعض تجاوز حدود المقبول في نظر فريدة: "هناك من يطلب أن يرى ما الذي يوجد بالأسفل، إنهم لا يكتفون باختصاري كإنسان بمجرد عضو، بل صاروا يجدون أن من حقهم أن يروا هذا العضو، ويضعون ذلك شرطًا لقبولي. بعضهم تجاوز حتى هذا ويطلب أن (نجرَّب في السرير)". تؤكد أبو عوف أن اختصار امرأة - عابرة كانت أو متوافقة مع جسدها الأنثوي- في عضوها الجنسي هو شكل من أشكال التمييز ضد النساء في العالم العربي، رافضة أن يكون تحديد هويتها كامرأة عبر التثبّت من كونها قادرة على إثارة الرجال أم لا.

يوضح باسل أن تطبيقات المواعدة باتت معروفة ببدء المحادثات بالسؤال عن الأعضاء الجنسية للعابرين وأجسادهم "لا تقود كل الدردشات على هذه التطبيقات للجنس بالضرورة... لهذا فإن بدء محادثة بهذه الأسئلة فورًا، أمر مزعج ومُنتَهِك. من يلقون بهذه الأسئلة هم إما فضوليون أو يشعرون بالاستحقاق. حتى لو كان التطبيق موضوعًا لغرض اللقاءات الجنسية، تظل هناك طرائق أكثر احترامًا لبدء المحادثات بين الناس".

قبل/ بعد 

العديد من العابرين جنسياً يضيفون لوصفهم تعبير (قبل/ بعد العملية) إذا كانوا قد مروا بعملية التصحيح الجنسي أو في انتظارها، أو (قبل/ بعد الهرومونات) بحسب مرحلة علاجهم الهرموني. بعضهم يذكر عضوه الجنسي صراحة في صفحته على تطبيق المواعدة. ويرى باسل أن الناس الذين تتسق هويتهم الجنسية منذ الميلاد مع تركيبهم التشريحي "غير العابرين"، عليهم أن يعتادوا هذه المصطلحات ويألفوها إذا أرادوا مواعدة العابرين، عوضًا عن إجبارهم على الشرح والتفسير في كل مرة. لافتاً إلى أن هناك عبئاً دائماً يقع على عاتق العابرين جنسياً للشرح والتفسير لسواهم كلما واجهوا تلك الاستجوابات، أو تم رفضهم.

يواصل باسل: "الأمر كما أراه: إن لم تكن مسألة المواعدة مطروحة فعلاً فلا داعي للسؤال. ولو لم يبادر الشخص العابر جنسياً بطرح مسألة العلاقة الجنسية فلا داعي لفتح الموضوع. ويمكنك حينذاك إذا أردت أن تبادر، أن تفعل ذلك بطريقة ذكية. وأخيراً، ربما يثير هذا غضب البعض، لكن الميول الجنسية لا تتكوَّن في لمح البصر".

ويضيف: "يمكنك أن تكون غير مهتم بالعابرين جنسياً أو مهتماً بهم، عليك أن تكون صريحاً مع نفسك ولا تتصرف بشكل دفاعي تجعلهم فيه هدفاً لغضبك وعدم قدرتك على قبول نفسك". ويتابع: "لو أنك تبحث عن علاقة عاطفية رومانسية، فبالتأكيد السؤال عن الأعضاء الجنسية ليس الطريقة الصحيحة لبدء مثل هذه العلاقة. عليك أن تعرف الشخص أولاً".

إعلان العابر جنسياً عن هويته لأسرته العربية أمر صعب جداً وتزداد صعوبته عندما يقرر هذا الشخص تصحيح جنسه من ذكر إلى أنثى, إذ لا تزال الأسر العربية تعتبر الذكور أفضل من الإناث
"العديد من النساء العابرات جنسياً – وأنا منهن- ينظرن إلى أسفل أجسادهم أثناء الاستحمام ويتساءلن: هل هذا الشيء هو ما يسبب لي كل هذا الظلم؟ وتمر برؤوسنا خواطر نتخيل فيها قطع هذا الشيء"

إيمان* عابرة جنسياً كانت تحيا في الإمارات العربية المتحدة، لديها طريفتها الخاصة في كشف نيات من يحاولون مواعدتها: "أبادر بالهجوم ولا أمنحهم فرصة لوضعي في موضع الاختبار. أبادرهم لمعرفة نياتهم وطبيعتهم، مثلاً ألقي دعابة ولكن بوجه جاد، أسألهم: هل تريد تغيير جنسك أم تريد النوم معي؟ وصدقني إنهم يكشفون عن طبيعتهم فوراً عندما تواجههم بمثل هذه القوة".

التحرش والانتهاك 

لكن صراع الأعضاء الجنسية وما يترافق معه من تحرش وانتهاك يبدآن حالما يدرك الشخص أن هويته الجنسية تختلف عن الجنس الذي جرى تحديده عند الميلاد. أُجبِرَت إيمان على الهروب بعيدًا عن عائلتها في دبي بسبب العنف المنزلي. ولدت إيمان في جسد ذكر، وأثناء نشأتها كانت ترتدي ثيابًا نسائية، وهذا ما أثار غضب أخيها. كان يضربها ويحرقها. وتسبب بتكسير أسنانها وأنفها وأجبرها على قص شعرها بالقوة.

عندما قررت فريدة أبو عوف أن تخبر أمها أنها ليست ذكراً، كان رد الفعل هو إخضاعها لفحص أعضائها التناسلية، وقال الأطباء إن أعضاءها التناسلية "الذكرية" تعمل بكفاءة. تتذكر أبو عوف: "شعرت بالحرج. كيف يمكنني أن أشرح؟".

إعلان العابر جنسياً عن هويته لأسرته العربية أمر صعب جداً وتزداد صعوبته عندما يقرر هذا الشخص تصحيح جنسه من ذكر إلى أنثى. فالتراتبية الجنسانية تفرض سيطرتها إذ لا تزال الأسر العربية تعتبر الذكور أفضل من الإناث، وهو ما تركز عليه مايا أنور، عابرة جنسية من الأردن التي تقول لرصيف 22: "سأظل دومًا بالنسبة لهم الابن الذي تخلَّى عن عضوه الذكري ليصبح امرأة، الشخص الذي جلب العار للعائلة. سأظل دائماً الشخص الذي انحط درجة ليصبح أنثى".

الرعاية الصحية والعبور الجنسي 

الرعاية الصحية لا تمثل استثناءً في صعوبة كل ما يتعلق بالعبور الجنسي. العديد من العابرين جنسياً يتذكرون بوضوح انتهاكات تعرضوا لها على يد أطباء فضوليين لا يتمتعون بالمعرفة الكافية للتعامل مع حالاتهم، حتى عندما يلجأون للمساعدة الطبية لعلاج مشكلات صحية لا تتصل بكونهم عابرين أو لا تتصل بجنسهم على الإطلاق، وهذا ما يجعلهم يتفادون اللجوء للأطباء. أما الخدمات الطبية المتصلة بمسألة العبور الجنسي فهي تحدٍّ آخر صعب.

يقول باسل إن الخدمات الطبية المقدمة للعابرين جنسياً في العالم العربي شحيحة ومحاطة بسياج صارم من السرية، عدا أنها خدمة متواضعة الكفاءة: "يضع هذا مصيرنا في يد أطباء لا يدركون مشكلاتنا الخاصة بالهوية الجنسية، ولن يمكنهم أبداً أن يفهمونا". وعلى العابرين جنسياً أن يقنعوا هؤلاء الاطباء بحقهم في أن يعيشوا كما يريدون. ويتابع باسل: "هذا عنف واضح ضد الناس الذين عاشوا حياتهم في انتظار تصحيح وضعهم الجندري، ليجدوا أنفسهم مضطرين للانتظار أكثر ومواجهة المزيد من العراقيل في طريقهم للتحوُّل، حتى يمكن لاجسادهم أن تتوافق مع هويتهم الجنسية".

الإرغام على إبقاء الجنس 

لا تزال الأسر العربية تجبر أبناءها من الأطفال والشباب على الخضوع لعلاج يرغمهم على البقاء على الجنس الذي حُدد لهم عند الولادة، فأغلب الأطباء العرب يعتقدون أن الرغبة في العبور الجنسي ما هي سوى مرض يمكن علاجه بـ"التدخل المبكر لمنعه من التطور".

ويضيف باسل: "هذا يعني أن يُجبَر هؤلاء الأطفال والشباب على أن يقدموا أنفسهم للمجتمع ويتصرفوا بطريقة لا تناسب هويتهم الجنسية الحقيقية، وهذا ما يتسبب بأمراض كالاكتئاب والقلق والشعور الدائم بالانزعاج والهشاشة خلال سنوات التكوين الأولى: أهم فترة في عمر الإنسان. نحن العابرين جنسياً ندرك هذا الأذى إدراكًا تامًا، ونشعر أن طفولتنا وشبابنا سُرقا منَّا قسرًا، وتحولا إلى فترة سوداء في حياتنا".

فريدة أبو عوف تضيف: "العديد من النساء العابرات جنسياً – وأنا منهن- ينظرن إلى أسفل أجسادهم أثناء الاستحمام ويتساءلن: هل هذا الشيء هو ما يسبب لي كل هذا الظلم؟ وتمر برؤوسنا خواطر نتخيل فيها قطع هذا الشيء".

نقص المعرفة لدى مقدمي الخدمات الصحية

عندما يبدأ العابرون جنسياً اللجوء للطب، سيواجهون نقص الهرمونات في الصيدليات والأسعار المبالغ فيها للعمليات الجراحية، بالإضافة إلى نقص المعرفة لدى مقدمي الخدمات الصحية ووقوعهم في خطأ التقدير.

مثلا: العابرون جنسياً من الرجال (تم تصنيفهم على أنهم نساء عند الميلاد)  لا يعرفون شيئاً تقريباً عن خيارات الجراحة التي يمكنها أن تعينهم. هناك كذلك معوقات لا حصر لها لتغيير الجنس في الأوراق الرسمية وما يترتب عليه من أمور.

تقول مايا أنور: "لا يمكنك تغيير أوراقك الرسمية التي تحمل اسمك ونوعك من دون إجراء جراحة تغيير الجنس. هذه الجراحة ممنوعة في معظم الدول العربية. لهذا سيقول مظهرك عنك ما يخالف ما هو مذكور في أوراقك الرسمية. هذا يتسبب بمشاكل في العمل والتعليم والمواعدة وأمور أخرى". مثلًا، بعض العابرين جنسياً الذين بدأوا العلاج في أعمار صغيرة نسبيًا، تعكس أجسادهم النوع الاجتماعي الذي يعرِّفون أنفسم به، في حين لا تعكس أوراقهم الرسمية الأمر نفسه. لهذا لا يستطيعون التسجيل في المدارس أو الجامعات. ناهيك بالتعرض للتنمُّر الذي تسبب بتخلِّي العديد من العابرين جنسياً عن حقهم في التعليم.

تضيف مايا أنور: "النوع الاجتماعي موجود في الأذهان. إنه يأتي من الداخل، مما تشعر به نحو نفسك وانتمائك"، وتتفق معها فريدة أبو عوف التي تقول: "نحن لسنا مجرد أجساد، نحن أجساد وعقول وأرواح وتركيبات نفسية وهويات وانتماءات جنسية".

"الأمر يحتاج إلى ثورة نسوية"

في عالم ثنائي الجنس، إن السؤال عن "اللي موجود تحت" يمحو العابرين جنسياً غير الراغبين في الخضوع للجراحة، العرب الذين يرون أنهم غير محددين جنسياً (لا يعرفون أنفسهم بكونهم ذكوراً أو إناثاً) وأولئك الذين يميلون لارتداء الثياب التي تميز جنساً يخالف الجنس المُعيَّن لهم عند الولادة Crossdressers، كل هؤلاء معزولون ومحرومون من تعريف أنفسهم بهويتهم الجنسية الحقيقية نتيجة لهذه الثنائية الحادة (ذكر أم أنثى). يقول باسل: "عليك أن تكون محدداً جداً، ومتوافقاً جداً مع جسدك، عليك أن تكون غيرياً (لا مثلياً ولا عابراً جنسياً)، أن تكون متديناً تتبع ديناً محدداً معروفاً.. وهكذا".

هذا بدوره يؤدي للتفرقة بين من ينظر إليهم باعتبارهم "عابرين طبيعيين" وغيرهم من العابرين "المارقين". يقول باسل: "الأمر كله يتصل بالعزل الاجتماعي. ما أعرِّف نفسي به كشخص ليس كافياً للمجتمع بسبب الشكل الذي اتخذته أعضائي الجنسية عند الميلاد. في نظر الناس، تثبت أعضائي شيئاً يتناقض مع ما أقوله عن نفسي، وهذا ما يجعلهم يضعونني في خانة المريض عقلياً".

ويستخلص: "ما دام المجتمع مبنياً على الثنائيات الذكورية الأبوية، سيظل العابرون جنسياً وسواهم ممن لا تتوافق هوياتهم مع شكل أجسادهم غارقين في المعاناة. الأمر يحتاج إلى ثورة نسوية تبدأ من الصفر وتصعد نحو تحريرنا جميعاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard