"أن نعيش في مجتمعات تتقبّل ميولنا الجنسية"... فنانون عرب كويريون يتحدثون لرصيف22

الأحد 24 نوفمبر 201901:08 م

ليس من السهل أن تكون مختلفاً في مجتمعات كالمجتمعات العربية، سواء كان ذلك الاختلاف عرقياً، دينياً، مذهبياً، طائفياً، إثنياً، جنسياً أو جندرياً. لذا يبقى الكثير من المنتمين للأقليات والفئات المهمشة وأحياناً المضطهدة، في الظل، إلا أن تعبير هذه الفئات عن نفسها، معتقداتها، أفكارها وانتماءاتها قد يظهر في أشكال متعددة، في الاحتفالات، الأعياد، حفلات الزفاف، أو حتى في الأزياء، الموسيقى والفنون المتنوعة.

فنانون عرب، متعددو الميول الجنسية والتعبير الجندري، أو ما يُسمى "بالكويريين" (الكويرية، حسب موقع "ويكي جندر" مصطلح يطلق على كل الهويات الجندرية غير النمطية، أو الخارجة عن الثنائية الجندرية. يمكن أن يعبّر الكويريون والكويريات عن أنفسهم/ن بخليط من الأنوثة والذكورة، أو خارج البعدين أو يرتحلون بينهما)، قرروا استخدام الفن، سواء كان عبر اللون، الصورة، الأداء الحي، الرقص أو الغناء للتعبير عن أنفسهم/ن، مشاعرهم/ن، هوياتهم/ن.

وعادة ما يتخفّى هؤلاء الفنانون تحت أسماء مستعارة أو أسماء للشهرة، حيث التعبير عن الميول الجنسية والأدوار الجندرية غير النمطية لا يزال مجرّماً في أغلب البلدان العربية ومستهجناً، وقد يطال الشخص أو الفنان لتشويهه والهجوم عليه/ها وعلى العائلة أيضاً.

شخصيات مبتكرة

الفنان والناشط الاجتماعي الفلسطيني الياس واكيم، والذي يعمل في مجال الفنون البصرية والأدائية المختلفة، كالتصوير، الفيديو، الأداء الحي وأشياء أخرى، ابتكر شخصية "مدام طيوش"، وفي حديث عنها، قال لرصيف22: "هي شخصية مبتكرة تجمع في شكلها الخارجي بين رجل وامرأة نمطيين، وتلعب الدورين في آن واحد، من خلال عروض حية ساخرة وترفيهية، غنائية وإلقائية، غالباً مسجلة. وبهذا فهي تتحدى الرأي السائد وتفتح المجال لخلق حديث واسع حول كل ما يخص نظرية المقاومة كطريقة حياة، التي تناولها عالم النفس فرانز فانون في كتابه (بشرة سوداء، أقنعة بيضاء)".

ويواصل: "أنشأت مدام طيوش نفسها في خضم الضوضاء المجتمعية التي نعيشها في فلسطين، وهي شخصية مرابطة وحالمة، ترى العالم كمسرح دمى تلعب فيه وتتماشي مع كل صعوباته، عن طريق الاحتفال به مع كل التحديات التي تواجهها".

أما الفنان اللبناني "خنسا" الذي يعمل في تسجيل الأغاني، الغناء، كتابة الأغاني، بالإضافة لكونه راقصاً ومؤدياً متعدد التخصصات، اختار اسم الشاعرة العربية المعروفة بأنها أم الشهداء "الخنساء"، المشهورة بشعرها الحزين، لأنه يعتبر أن الاسم "هو تواصل بين الجندر والحميمية"، حسب ما أوضح لرصيف22.

وأضاف: "تهدف خنسا إلى كسر القوالب النمطية للقيم الشرق أوسطية الكلاسيكية والتقليدية فيما يتعلق بالذكورة، والوصول بذلك إلى عمل مثير يجمع بين القوة والرقص والحنان".

"خنسا"

تقدم "مدام طيوش" عروضاً عديدة منها، عروض الدراغ "drag" في نوادي سهر ليلية في فلسطين، في أماكن كـ"كباريت"، "العين" وغيرها، ومعارض فنية ومسيرات فخر حول العالم، مثلاً في برلين، نيويورك، فيلاديلفيا، مدريد وإسطنبول.

ويشدد واكيم على أن "للمظهر الخارجي عموماً في عالمنا اليوم، حصة لا يستهان بها في تعريف الشخص/الفنان على المتلقي/الجمهور. فبحسب الشكل الخارجي يثبت الفنان وجوده ويتفاعل مع الجمهور. مدام طيوش تخلط بين ما كان يعتبر موضة في الماضي، الحاضر والمستقبل. ولأن المجتمعات عامة تهتم بالمظهر الخارجي فهو مهم جداً لتغيير أساليب تفكير المجتمعات بشكل عام، أين ما كانت، بشكل جدي وغير محصور فقط في المجتمع نفسه الذي تأتي منه، وإنما للعولمة ومخالطة الحضارات دور كبير كذلك. فوجود شخصية كـمدام طيوش التي تظهر بشكل الرجل والمرأة معاً، وتقوم بتغيير الأفكار حول ما هو مسموح وما هو ممنوع للذكر/الرجل أن يتصرف أو يلبس، وكما تقوم بإنشاء أفكار جديدة حول كيفية الظهور في المجتمع".

أما "خنسا"، فيعمل حالياً على عرض جديد يسمى "رحلة تسمى عيونو"، وهو عبارة عن مجموعة من الأغاني الشرق متوسطية ما قبل موسيقى البوب، ويضيف: "يصور العرض سرداً يرتكز على تاريخ الرقص المثير لدى الشباب الذكور، الذين تم منعهم من ممارسته نتيجة للرغبة العنيفة التي أثاروها بين الرجال خلال الحقبة العثمانية"، قدم خنسا هذا العرض في بيروت وتمكن من نقل نسخ من هذا العرض إلى أوروبا والمملكة المتحدة.

الياس واكيم/ مدام طيوش

التوثيق والتعبير والتغيير

أما الناشطة في حقوق المرأة ومجتمع الميم، المصرية مي دبور، التي تعرف عن نفسها بأنها شخص غير نمطي، فتقول إن لا ثنائية الهوية الجندرية في الفن هو بمثابة متنفس لمشاعرها، وتضيف في حديث لرصيف22: "أعمالي الفنية ذاتية أقدّم من خلالها ما لا يمكنني التعبير عنه بالكلام، وطرح قضايا تمس المرأة والجندر لتجسيد ما نشعر به".

عمل فني لمي دبور

تعمل مي كمدربة في مجال الجندر، وقد نشرت عدداً من أعمالها في العديد من المنصات الإلكترونية مثل "ترانسات"، وأوضحت: "أعمل على دعم المحتوى الكتابي في المنصة بلوحات تعبر عن حالة الأشخاص وتجسيد معاناتهم".

واستطردت: "الأعمال الفنية دائماً ما تعبر عن القصص والأفكار والأحاسيس الداخلية، فأنا استخدم دائماً الألوان التي تعبر عن الإحساس، سواء كان غضباً، فرحاً، حزناً، ديسفوريا، وحدة، سلاماً... فكل لون من الألوان يعبر عن حالة واضحة وصريحة، كأن يكون الأحمر لوناً للغضب والأخضر لوناً للسلام والأصفر مع مزج ألوان مختلفة يعبر عن حاله الديسفوريا الشديدة وهكذا".

وتتابع: "ولكن اللوحة لن تكتمل إلا بالأشكال التي يتم مزجها لتعبّر أكثر عن الحالة، اعتمد الطريقة السريالية دائماً في التعبير وذلك لكسر الحالة النمطية والجمود داخل العمل الفني، لأنها بشكل أو بآخر تعبر عما بداخلي، وهو شيء سريالي غير معلوم الإطار أو الشكل وغير محدد في قالب معين أو تحكمه قوانين ما".

وقالت دبور إن ما تقوم به يساهم "في توثيق القصص الخاصة بنا في مجتمع الميم، وأيضاً القضايا التي تمس جزءاً من شعوري كأنثى داخل المجتمع المصري، وكذلك للحفاظ على تاريخنا في النضال بشكل سلمي وبطريقه العروض البصرية الفنية".

عمل فني لمي دبور

وتحدثت دبور عن بداية مشوارها كفنانة، قائلة: "تعرّضت للسخرية الشديدة ولكن بعد عامين من العمل على قضية العنف الموجه ضد النساء، وعامين آخرين بعدها من العمل على قضايا الجندر، تلقيت قبولاً لتجربتي الفنية على المستوى الشخصي والفني، وتلقيت الدعم ممن مسّتهم أعمالي، كذلك تلقيت دعماً من العديد من النشطاء وأفراد من مجتمعات مختلفة في الوطن العربي، الذين أكدوا على مدى أهمية الفن في خدمة القضايا المعنية بحقوق الإنسان بوجه عام وحقوق الأقليات بوجه خاص".

وكما تهدف دبور لتوثيق النضال والتعبير عن المعاناة، تهدف شخصية مدام طيوش إلى "تغيير الفكر الذكوري الأبوي المتسلط، مواجهة الرجولية المؤذية والقضاء عليها، خلق تعريفات جديدة لمفهوم الرجولة ورفع الوعي تجاه الأفكار النسوية الثورية في المجتمع"، حسب ما أوضح واكيم.

ويهدف واكيم من خلال عمله الفني التطرق لمواضيع تشغل المجتمع الفلسطيني خاصة، والمجتمع المدني عامة، لخلق أسئلة حول مواضيع مختلفة، كالعادات والتقاليد والدين وتأثيرها على المجتمع، وماذا يحدث حين نفصل الدين عن العادات والتقاليد. ويضيف: "يهمني التحدث عن التابوهات الاجتماعية؛ عن الجنسانية والجنس والجندر والحديث عن أهمية بناء وعي مجتمعي حول هذه المواضيع، عن محاربة الغسيل الوردي والاحتلال الإسرائيلي، تحرير فلسطين، الامبريالية والاستعمار، بهدف بناء مجتمع متسامح، واع، مترابط ومحافظ على كيانه الفلسطيني، في أرض فلسطين وفي كل العالم".

التحديات اليومية

تعاني مي دبور في مجتمعها من التنمّر والإقصاء من المجموعات بسبب اختلاف هويتها الجندرية وتعبيرها الجندري، عن هذا تقول: "أنا معرضة للأخطار الأمنية التي تلاحق نشطاء حقوق الإنسان في مصر، بالإضافة للتقليل من قيمة الأعمال الفنية كوسيلة للنضال والتعبير عن الأقليات، أيضاً التقليل من قيمة النضال باستخدام الفنون وعدم اعتباره في بعض الأحيان عملاً حقوقياً".

ويقول الخنسا إن أعماله تم استقبالها بطرق مختلفة، ويوضح: "هناك العديد من العوالم داخل العالم العربي، وبالتالي هناك ردود فعل مختلفة على عملي. فقد يثير تقديم عمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى خشبة المسرح التساؤلات داخل المجتمعات المحافظة، فيما تهاجم العقليات الصعبة العمل، ولكن حصلت على الكثير من الإشادة والاحتفاء من خلال الأصوات الواعدة التي غالباً ما يتم إسكاتها من قبل الأغلبية المحافظة".

أما الياس واكيم فيقول عن التحديات: "التحديات التي تواجهنا في المجتمع الفلسطيني هي عديدة، منها عدم تواجد الأماكن التي تسمح بوجود عروض حية في نواد ليلية تجمع جمهوراً مختلطاً، كذلك تلقي الجمهور لنوعية العروض التي أقدّمها وكيف يمكن أن تصل إلى جمهور متنوع يتلقى المعنى جزئياً أو كاملاً، بالإضافة إلى صعوبة تقديم العرض الذي تتداخل فيه الموسيقى والمسرح وغيرها".

"مدام طيوش"

كما أشار خنسا إلى أن "حياة الناس بشكل عام في لبنان صعبة بسبب الفساد الحكومي، السياسي، الاجتماعي والاقتصادي الذي ظل يفرق الناس لفترة طويلة ويستنزف البلد، ويجعل من الصعب على المبدعين والمبتكرين والكتاب والفنانين البقاء وممارسة حريتهم في التعبير، فبالرغم من كون لبنان مكاناً رائعاً للإلهام، وهناك الكثير من الأحداث والقصص والصراعات والمحادثات التي يمكن أن تشكل وتؤثر بقوة على العمل. فالبلد دائماً بأوقات صعبة لا تسمح للفنون بأن تكون أولوية. إلا إننا اليوم نمر بتحوّل هائل، والناس يثورون ويرفعون أصواتهم، ويتحدون في الشوارع لتطهير البلاد من فسادها، والتغيير قادم، ونحن نرى بلد جديد في الأفق".

عادة ما يتخفّى هؤلاء الفنانون تحت أسماء مستعارة أو أسماء للشهرة، حيث التعبير عن الميول الجنسية والأدوار الجندرية غير النمطية لا يزال مجرّماً في أغلب البلدان العربية ومستهجناً، وقد يطال الشخص أو الفنان لتشويهه والهجوم عليه/ها وعلى العائلة أيضاً

"أن تكون ناشطاً وفي نفس الوقت فناناً، فأنك تطمح لتغيير الكثير"... يتمنى الفنانون أن يكون لهم تأثير، كما وأن يعيشوا في مجتمعات منفتحة، ولا يُهاجَم الناس فقط لكونهم أنفسهم، ويمارسون ما يحبونه... حسب حديثهم لرصيف22

أمنيات للمستقبل

أن تكون ناشطاً وفي نفس الوقت فناناً، فأنك تطمح لتغيير الكثير ولعمل الكثير من أجل التغيير، يتمنى خنسا أن يكون له تأثير، ويضيف: "أتمنى أن أعيش في مجتمع منفتح ولا يهاجم الناس فقط لكونهم أنفسهم، ويمارسون ما يحبونه. أتمنى أيضاً ألا يضطر الفنانين لمواجهة الرقابة، وأن تكون جميع الأصوات مسموحاً لها التعبير عن نفسها وأن تكون مسموعة بحرية".

ويتمنى واكيم أن تنشأ في المستقبل مساحات آمنة ومبدعة تستقبل جميع أنواع الناس المختلفين في ميولهم الجنسية وتعبيراتهم الجندرية، من مغايرين ومثليين وعابرين وعابرات، من كل الأعمار، ويتابع: "تقوم العلاقة داخله على احترام الجميع والنظر لهم/ن بالتساوي قدر الإمكان، لنتقدّم نحو مجتمع سعيد ومؤمن بأن الحب والسعادة هي أسس لا يمكن التخلي عنها في واقع مليء بالكراهية وبالتعاسة، لنكتسح المستقبل بالامتنان والإبداع نحو مستقبل أفضل لنا جميعاً".

أما دبور فتتمنى أن تقيم مشروعاً فنياً ثقافياً توثيقياً كبيراً، يضم العديد من الأشخاص لتسجيل تعبيراتهم/ن عن نضالهم/ن السلمي وعن معاناتهم/ن وقصصهم/ن باستخدام الفنون، كما تتمنى أيضاً العمل على مشروع ثقافي فني توثيقي، لإيمانها بأهمية استخدام الفنون للتعبير عمّا لا يمكن الحديث عنه بالكلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard