شباب الانتفاضة العراقية... جيل الأغنية المجنونة التي أنهت عصر أغاني السبعينيات النائحة

السبت 23 نوفمبر 201912:13 م

عندما طلبت منّي زميلة اقتراح اسم ناشط في التظاهرات العراقية، ليكون ضيف برنامج تنسقه، سمّيت لها شخصاً، ولم يغب عن تفكيري وأنا أقترحه عليها أنه يُعَدّ من شيوخ الحراك العراقي مع أن المطلوب منه هو الحديث عن لحظة راهنة شابة.

سبق لي أنْ تساءلت بيني وبين نفسي، وأنا أقلّب بين القنوات وأشاهد ضيوفاً يتحدثون وكأنهم قادة الحراك العراقي، عن ماذا تغيّر في قادة الصورة. وجدتهم كما هم منذ خمسة أعوام، بل وعشرة. الأسماء نفسها التي عهدتها سابقاً: شيخ يتمنى، أو كهل يحلل، أو عتيق يتحدث عن أهداف الثورة ومنطلقاتها مستعيداً مقولات 17 تموز/ يوليو و8 شباط/ فبراير و14 تموز/ يوليو والبلاشفة والمناشفة والناصريين والبعثيين، أو شخص يعيش بعيداً جغرافياً عن انتفاضة العراقيين ويريد جاهداً إيجاد موطئ قدم فيها، أو متسلق يسعى إلى شهرة ووجاهة ومآرب أخرى...

وبالطبع، يوجد في المقابل آخرون لديهم الكثير مما يقال ولا يزالون يبلون بلاء حسناً، مثل صاحبي الذي اقترحته، والذي كان منصفاً وصادقاً كما عهدته. التزم بدوره كصحافي وأنثروبولوجي، وتعمق في الحديث كمراقب يحلل ويروي، أو صاحب رأي ينقد ويناشد دون تقديم نفسه قائداً فريداً أو صاحب قرار مركزي.

"مَن أنتم؟"

كونه جيداً لم يمنع السؤال: أين هم مَن لوّنوا الجدران وصعدوا الأسطح ورفعوا الأعلام ونقلوا جثامين زملائهم الضحايا وأسعفوا الجرحى والمختنقين وظلوا في الشوارع وأسقطوا الحواجز الكونكريتية واجتازوا الجسور واصطادوا القنابل المسيلة للدموع وساقوا التكتك ودوّنوا الشعارات... من فتيات وفتيان؟

فمهما بلغ حنق شخوص الاستعراض الإعلامي المكرَّرين منذ سنوات، على الواقع والسياسات، لم يعودوا الفاعلين الوحيدين في النشاط الاجتماعي المناهض لخراب العملية السياسية العراقية. يوجد تأثير حاسم لأشخاص آخرين، مهمين وقادة أنفسهم، وموجودين في أرض السوَاد، وعلى ضفاف الموت، ويصطادون مسيل الدموع والدماء.

وأنا أرسم علامات الاستفهام تلك، تذكرت معمر القذّافي، الزعيم الليبي الذي توقف لديه الزمان فاستغرَبَ ما حصل في بلده، بمقولته الشهيرة "مَن أنتم؟!". كأنّي به الآن يخاطب شباب العراق وشاباته مستغرباً كالعادة، فيأتيه الجواب: عفواً مَن المتحدث؟

أخشى أن يكون المتظاهرون الحقيقيون قد اختاروا البقاء على الأرض دون فضاء الصورة. أظن أن لسان حالهم يقول: نحن نصنع اختياراتنا ولن يكون ممكناً تفسير أنفسنا وشرح ماهيتها لمَن لا يستطيع أنْ يرى قبل أنْ يسأل، أو لا يسمع فيطلب إعادة الكلام. والخشية أيضاً من أن المانع كونهم مرصودين من سلطة المسيل للدماء وقنص الميليشيات الشيعية.

بطبيعة الحال، لا أشك في أنّ في ساحة التحرير مَن يريد ممارسة الوصاية وفرض الرأي من شيوخ الحراك، ممَّن أعرفهم لأني كنت منهم. هم، بحسن نية لدى جلّهم، يسعون إلى الإمساك بمقود التجربة انطلاقاً من دروس التجارب القديمة، لكنهم قد يخطئون. التجارب لن تتكرر بالطريقة نفسها. دُهاة ولاية الفقيه وجنودها، مثلهم كمثل البعثيين والعلمانيين المنتمين إلى إيديولوجيات ميتة، وغيرهم ممَّن اعتادوا امتصاص الغضب أو ركوبه، لن يَطعنوا من الخلف إرادة الناس بذات السكين. لديهم خناجر أخرى.

نحن أخفقنا عام 2015، حين تسرّب من بيننا مقتدى الصدر آخذاً ما لا يحق له، نافضاً عباءته من جرائم هو شريك لمرتكبيها وعملية سياسية هو سيد فيها، ولم يرد سوى أنْ تغطي عباءته كلَّ العملية وتسيطر على المشهد برمته. سمحنا له بالعبور، سواء عبر الهرولة إليه وتعليق الصفات والأوسمة من الكتابات عليه، أو بالسلبية والانسحاب لينفرد بزملاء وثقوا فيه بحثاً عن داعم كبير، مع أقلية رفعت الصوت بأنه خطر فأسست "مدنيون" عام 2016 لكنها لم تفلح.

وأظن أن تلك التجربة، بما فيها من دروس صعبة واختبارات قاسية، كانت مفيدة، أثْرت النخب والمدوّنين والناشطين، وباتت عظة. ومَن عاشها يمكن أنْ يكون ناقداً مُعِيْناً وصاحب رأي ذا صوت. وهناك آخرون شبّوا ونضجوا الآن ماسكين المقود بشجاعة، والمرجو أنّهم يمتلكون ذاكرة غير مثقوبة مع الأزمنة القريبة والبعيدة.

هنا، لا أفترض أن ما يجري في الشارع خيّر أو خيْر بالمطلق، ولا أنّ الكل تغيّر وسيكون نقياً بقدرة قادر. هذا افتراض أحمق. النتائج مفتوحة على احتمالات، منها نهايات مأساوية وسوء أكثر من السابق. ولا أفترض أن الجدد أفضل ممن سبقوهم، ولا أنه يجب أن يكونوا لوحدهم وكأنّ البلد حكر عليهم.

لا يمكن النظر إلى المستقبل مفصولاً عن تعقيدات داخلية وإقليمية وعالمية كثيرة ستلقي بظلالها عاجلاً أو آجلاً على الوضع فتعقّده وتأخذه إلى قصص جديدة وحكايات متشابكة. لكن تلك الثلة تحرّكت، أصرّت، بقيت في الشوارع، رسمت على الجدران والسوشال ميديا، ولديها القدرة على التفاهم مع بعضها، كأن لديها كلمات مفتاحية خاصة لا يفهمها غيرها. فلتكمل مشوارها، دون أنْ يجرّب التائبون من أخطاء الأمس والخبراء في اليوم ممارسة الوصاية.

الجيل المنتفض في ساحات العراق هو جيل أغنية مجنونة، أنهت عصر أغنية السبعينيات اللاطمة والنائحة، ورَقَصَ على إيقاع بهيج، ونَشر نمطيته في كثير من البلدان العربية، ولا يجوز أنْ يُسمح لأحد باستعادة السيطرة عليه وإعادته إلى البكائيات الطويلة
جيل شباب العراق صنع متغيّراً جسيماً، ليس في عالم السياسة، بل في السياقات المجتمعية، وهذا أمر جلل. وسادة الخراب من ساسة ورجال دين وعسكريين ومليشياويين... سيدركون أن هذا المتغير خطير جداً على مستقبلهم وممالكهم المالية وعقائدهم السياسية والدينية

لا وقت للوصاية

لا وقت للوصاية. الحراك في الشارع وصل إلى طريق حرجة. الرجوع مكلف للموجودين فيه. قادة العملية السياسية ونظام طهران الواقف وراءهم توجعوا جداً، أثارهم الفزع والرعب، ولن ينسوا ذلك، فلا بد من تحقيق شيء، حتى لا يكون مَن استعادوا الشجاعة والإصرار، وأرجو أنْ يكونوا قد استعادوا الصدق أيضاً، لقمةً سائغة لسلطة قتلت نحو أربعمئة ضحية في فترة قياسية، ولم تخجل من أن تلقي اللوم على طرف ثالث... ربما قصدت ملك الموت.

ولأن الرجوع صعب، لا بد أن يكون الموجودون في انتفاضة المدن العراقية قادرين على امتلاك زمام المبادرة واكتشاف طريقة للحل، أن يكونوا شركاء ويلعبوا الدور الحاسم، لا أن يصبحوا مجرد انعكاس لرغبة الشيوخ، شيوخ الحراك التقليديين.

هناك جيل على المحك، صنع متغيّراً جسيماً، ليس في عالم السياسة، بل في السياقات المجتمعية، وهذا أمر جلل. وسادة الخراب من ساسة ورجال دين وعسكريين ومليشياويين... سيدركون أن هذا المتغير خطير جداً على مستقبلهم وممالكهم المالية وعقائدهم السياسية والدينية. لذا من الضرورات حماية المتغيّر في مواجهة البطش، وأيضاً حماية المتظاهرين من ألاعيب طوابير الأنظمة الإقليمية الأخرى المنتظرة سقوط طابور إيران ظناً منها أنها البدائل. والحماية لا تصح بوصاية، بل برعاية وشراكة ودعم والوقوف سداً لحماية ظهر المتظاهرين.

أما الوصاية، فهي ما أوصل الناس إلى فقدان الاختيار، في الفكر والسلوك والعاطفة. ظل أهل الجنوب والفرات الأوسط وضفاف دجلة فاقدي الاختيار أمام بيوتات دينية أو سياسية تسلطت على المصائر، وفي مقدمتها آل الحكيم وآل الصدر، وبالطبع أصبحوا تحت إرادة المليشيات والسلاح، في عملية ابتزاز رخيصة زُج من خلالها بشباب العراق في الحروب كي تبقى ممالك أولئك. بالضبط كما فعل صدام حين كان يأخذ الشباب والكهول إلى حروبه كالخراف، وعند انتهاء أي هزيمة يحتفل بالنصر لأنه حافظ على كرسيه بدماء الناس.

تلك عبودية يجب أن تسقط. من حق الناس احترام المرجع الشيعي علي السيستاني، أو أي رجل دين آخر. لا يمكن أن نطالب الناس بألا يفعلوا، لكن يجب أن ينتهي مبدأ التبعية العمياء للمرجع الديني، وبالضرورة للآخرين الأقل رتبة. هذا المبدأ يفترض كذلك ألا يجرّب بعض مَن امتلكوا مهارة الثقافة أو شهرة الصحافة أو نفوذ التجارب والانتماء للحراك عبر السنوات، ممارسة ما يُديم الاستلاب. يجب عدم خذلان من كسر كثيراً من قيوده، بأي خطاب أو سلوك يعيده إلى فقدان الاختيار والاستعباد الفكري.

فالجيل الموجود هو جيل أغنية مجنونة، أنهت عصر أغنية السبعينيات اللاطمة والنائحة، ورَقَصَ على إيقاع بهيج، ونَشر نمطيته في كثير من البلدان العربية، ولا يجوز أنْ يُسمح لأحد باستعادة السيطرة عليه وإعادته إلى البكائيات الطويلة.

صحيح أنّه قد يكون عنيفاً ومخيفاً، هنا دور مَن اختبر قسوة الدم ونتائجه ليكون معيناً على منع الانجراف وراء الرغبة في الثأر بالدم. أساسي هو منع العنف، والاستمرار في الدعوة إلى المحافظة على السلم وعدم الانجرار إلى ما يريده الملوَّثون بالدم من تلويث أيدي الشباب البيضاء بأحمر الدماء وسواد القلوب.

هذا الجيل هو وليد الظلم، وليد لحظة مجزرة سبايكر المفزعة، وسقوط الموصل الكبير، ومفخخات داعش والقاعدة، وحرب الميليشيات... وهو أيضاً وليد القهر السياسي بفعل النهب الممنهج والطبقية الحزبية، لكنه لم يخرج نائحاً لاطماً من كل هذا القهر. لذا لا يمكن السماح بإعادته إلى النوح عبر "الأنا" التي تتحكم ببعض مَن يرون أنفسهم أفهم وأوعى وأنضج وأحكم...

الموجودون في الساحات وعلى أسطح المباني، ليسوا جنوداً، بل كل منهم ذهب ليغيّر حياته ويحقق مصيراً أفضل. ولكل واحد منهم الحق في أنْ يكون جزءاً من صناعة المستقبل، وابتكار الخيارات البديلة التي تمنع من جعل الانتخابات مجرد صناديق اقتراع خرساء، ومن الديمقراطية مجرد مسمى تُقمع تحته الحريات، ومن الدولة حقاً لممارسة العبث والنهب والقتل والإفساد، ومن التعددية مدخلاً لإبقاء العراق بلاد اللادولة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard