لماذا يراهن تونسيون على قيادة فاشلة لتحملهم إلى غد أفضل؟

الأربعاء 20 نوفمبر 201906:39 م

ما لا شك فيه أن التونسيين سيتذكرون ما حدث مؤخراً، داخل قبة البرلمان الجديد، لسنوات طويلة تتجاوز سقف الخمسة أعوام القادمة، وأن حالة الصدمة التي وُلدت من رحم الجلسة الافتتاحية ستكبر يوماً تلو الآخر، بفعل الخيبات والخيانات التي بدأت مبكراً.

فبغض النظر عن انعدام التجانس بين النواب واختلافهم الكبير حد التضاد، فإن التحالفات السرية والفجائية التي جرت سريعاً بين حركة "النهضة الإسلامية" وحزب "قلب تونس"، الذي تحوم حول رئيسه شبهات فساد أودع بسببها السجن وغادره إثر الحملة الانتخابية، على أن يتم البت لاحقاً في قضيته، قد أربكت الجميع وكشفت العورات التي أبى التونسيون رؤيتها قبل التصويت لصالحهم.

لم يصدق الشارع التونسي الأخبار التي تناقلت فوز رئيس الحركة الإسلامية بمنصب رئاسة البرلمان، مستفيداً من دعم كتلة حزب "قلب تونس" التي يرأسها رجل الأعمال والإعلام، نبيل القروي. لم تكن مسألة حصول الغنوشي على المنصب غريبة، ولكن أن ينالها بسبب دعم الحزب الذي كان لأشهر طويلة غريم الحركة، والذي تصفه بأسوأ النعوت، من قبيل "الفاسد" و"حزب المقرونة"، عدا عن تشديد الغنوشي في وقت سابق على استحالة التحالف مع هذا الحزب، فإن هنا مكمن الدهشة.

هذا دون أن ننسى موقف حزب "قلب تونس" الذي هاجم مطولاً الحركة، مطمئناً ناخبيه باستبعاد فرضية التلاقي مع الحزب الإسلامي، الذي لم يقدّم حلولاً لمشاكل التونسيين طيلة السنوات الماضية، وأنه قد يختار الجلوس في صفوف المعارضة على الانسجام معه. كل هذه الخطابات سقطت وفقدت جدواها، بمجرد أن تجاوز السياسيون فترة الوعود الانتخابية وبلغوا مرحلة اقتسام الغنيمة، غنيمة الحكم والكراسي.

لقد اعتقد التونسيون المحكومون بنشوة انتصار قيس سعيد برئاسة البلاد على حساب نبيل القروي، أن المرحلة القادمة ثورية بامتياز، وستحمل في طياتها متغيرات على مستوى آمالهم.

لكنهم لم ينتبهوا أو ربما سهوا، تحت تأثير ذات النشوة، أن الأصابع التي حسمت مصير سعيد، ذاتها التي منحت حركة النهضة الفرصة مجدداً لتكون الكتلة الأولى داخل البرلمان، رغم أنها عمّقت مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية، وساعدوها أكثر حين منحوا حزب "ائتلاف الكرامة"، المحسوب عليها، المركز الثالث بـ21 صوتاً، ومكّنت حزب "قلب تونس" من الصعود ثانياً رغم تهم الفساد التي تحوم حوله.

ولهذا فإن الدهشة والاستياء مما حدث بدا مريباً ومثيراً للشفقة في آن واحد. فقد أثبت البعض أن التغرير بهم سهل إلى الحد الذي يقومون فيه باجترار ذات الوجوه رغم فشلها، ويسمحون بأن يكون تجار الدين والضالعون في الفساد واجهتهم ورهانهم نحو غد أفضل، وهذا مكمن الريبة. في المقابل فإن أنينهم هذه المرة سيكون ثقيلاً جداً، فحركة النهضة من جهة تدرك أن هذه قد تكون فرصتها الأخيرة للوصول إلى الحكم، ولهذا ستفعل الكثير للتغلغل داخل مؤسسات الدولة، وتضمن استمراريتها عبر وكلائها الذين ستوزعهم في مناصب دقيقة، وتضمن حضورها حتى وإن غادرت الحكم، كما ستحاول التحالف مع طرف هش تضعه في الواجهة أمام الشعب لتحمّله مسؤولية الفشل، ككل مرة.

من جهة أخرى فإن ترشح الغنوشي لرئاسة البرلمان غامضة وملتبسة، وتثير التساؤل حول نواياه الحقيقية. فهذا الرجل الذي حاول طيلة السنوات الماضية الظهور أمام أنصاره في ثوب الزاهد عن المناصب، رغم أنها كانت في مرمى يده، بدا فجأة لاهثاً وراءها، وخاض في سبيلها حروباً مع قيادات بارزة داخل حزبه. وعلى مدار سنة أو أكثر قبل الانتخابات، قام الغنوشي بالترويج لنفسه كزعيم وطني، وتجرّد حتى من صفة "الشيخ" وعوضها "بالأستاذ"، للاقتراب أكثر من التونسي الذي دأب على السخرية من صفة الشيخ.

قد أثبت بعض  التونسيين أن التغرير بهم سهل إلى الحد الذي يقومون فيه باجترار ذات الوجوه رغم فشلها، ويسمحون بأن يكون تجار الدين والضالعون في الفساد واجهتهم ورهانهم نحو غد أفضل، وهذا مكمن الريبة

خارجياً، فستكون بانتظار الغنوشي فرص لزيارة دول كثيرة، كممثل رسمي عن تونس، لا باسم الحركة كما جرى سابقاً، وهنا سيكون بوسعه الالتقاء بقيادات عالمية، حيث المجال مفتوح أمامه لتسويق الصورة التي دأب على ترويجها عن حركته، والتي يدرك الجميع أنه منها براء

كانت الوجهة والطموح الأول رئاسة البلاد، ولكن سبر الآراء وجس نبض الشارع أخبراه أن الإقدام على هذه الخطوة سيكون بمثابة انتحار سياسي، في ظل محدودية شعبيته محلياً. عندها جنّد نفسه للوصول إلى البرلمان، واستعد جيداً لهذا الرهان، حتى أنه لم يتوان عن تحييد القيادات التي كانت ترفض إقدامه على هذه الخطوة داخل حزبه، على غرار محمد بن سالم وعبد اللطيف المكي وعبد الحميد الجلاصي، وغيرهم ممن أبدوا اعتراضهم عن ترشحه للبرلمان.

لقد أبدى الغنوشي شراسة كبيرة من أجل دخول البرلمان ورئاسته، وحتماً لم يفعل ذلك فقط لمجرد تسيير جلسات جوفاء باهتة، سيتغيب عنها معظم النواب كما يحدث دائماً.

فهذا الرجل الذي يصفه الكثيرون "بالداهية" و"الذكي" يعي جيداً أن ما أقدم عليه سيمنحه مكاسب هامة داخلياً وخارجياً. فباعتباره رئيساً للبرلمان، سيكون أحد الأطراف الحاضرة في اجتماعات المجلس القومي، إلى جانب رئيس الدولة ورئيس الحكومة ووزير الدفاع وجنرالات المؤسسة العسكرية، وبالتالي سيطلع على تفاصيل الملفات الأمنية الأكثر تعقيداً في البلاد، وخاصة ملفي اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، والجهاز السري لحركة النهضة، وهي الملفات التي تقض مضجعه منذ سنوات.

وهنا سيتسنى له الاستعداد دائماً لمواجهة أي جديد في هذه الملفات، كما سيتسنى له إيجاد فجوات جديدة لاختراق المجلس وتحقيق طموح قديم/ جديد للحركة، وله بالذات.

أما خارجياً، فستكون بانتظاره فرص كبيرة لزيارة دول كثيرة، كممثل رسمي عن تونس، لا باسم الحركة كما جرى سابقاً، وهنا سيكون بوسعه الالتقاء بقيادات عالمية، حيث المجال مفتوح أمامه لتسويق الصورة التي دأب على ترويجها عن حركته، خاصة مسألة عدم انتمائها للإخوان المسلمين، وكونها حزباً مدنياً يؤمن بالديمقراطية والحرية، وغيرها من المبادئ التي يدرك الجميع أنه منها براء.

وبالتالي فإنه سيحظى بفرصة ذهبية للحفاظ على موطئ قدم للإسلاميين في المنطقة، وتجنب أن تصله الرياح التي عصفت بذات التيار في دول مجاورة، ولهذا تحديداً فإن بعض التونسيين يثيرون الشفقة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard