"بلهاء معزولة اجتماعياً"… الصورة النمطية عن غير المتزوجات في الجزائر

الأربعاء 20 نوفمبر 201905:59 م

"أرهقتني نظرات أمي التي تحمل في طيّاتها حسرة وألم، خاصة وأننا بقينا وحيدتين في البيت بعد وفاة أبي، ولم يتبق لها الكثير لتعيشه"، هكذا تحدثت نورة، سيدة جزائرية في الخمسينيات من العمر، أتت التجاعيد على كامل وجهها الذي تكسوه تعاسة صامتة، لأنها الوحيدة التي لم تعثر على شريك حياتها، في عائلة تقدّس الزواج والحياة الأسرية، مثل أسر كثيرة في الجزائر.

النظرات الساخرة تُحاصرني

تروي نورة، تسكن في مدينة "بودواو البحري"، بمرارة حياتها اليومية، هي "آخر العنقود" في عائلتها المكونة من أربع بنات وثلاثة ذكور. كل أخواتها تزوجن، ورزقن ببنات، وأولاد إلا هي، بقيت حبيسة جدران البيت برفقة والدتها المُسنّة إلى أن بلغت الخمسين، ولعل أبرز شيء خلَّف في قلبها ألماً، هو "الحب الذي لم تتذوَّق طعمه يوماً، ولم تشعر لذته منذ أن كبرت".

يتعامل غير قليل من الجزائريين، اجتماعياً ونفسياً، مع غير المتزوجات بطريقة عنصرية، خاصة التي تتجاوز الثلاثين عاماً، ويطلقون عليها ألقاباً جارحة، وعنصرية مثل: "بايرة" و"عانس".

تفاصيل اليوم الذي يمر على غير المتزوجة ثقيلة ومرة، كأن العائلة كلها تعاقبها على عدم زواجها.

تقول نورة إن الشيء الذي حزَّ في نفسها كثيراً هو تغيّر طريقة معاملة والدتها وأشقائها معها، فممنوع أن تخرج من البيت، وإذا خرجت فبرفقة والدتها المسنة أو إحدى أخواتها الأربع رغم نضجها.

يتعامل غير قليل من الجزائريين، اجتماعياً ونفسياً، مع غير المتزوجات بطريقة عنصرية، ويطلقون عليها ألقاباً جارحة، وعنصرية مثل: "بايرة" و"عانس"
بعد اختبار زينب عالم العزلة، لجأت إلى الدين كحل لمعاناتها النفسية، بعد أن أصيبت بمرض نفسي قاهر

تقول نورة: "الفتاة التي لم يحالفها الحظ في دخول "القفص الذهبي" تعاني من ضغوط كبيرة، خاصة في المحيط الذي تنتمي إليه، فهي محاصرة بالنظرات الساخرة من كل جانب، إضافة إلى العيوب والنقائص التي تُلصق بها لتبرير عدم زواجها".

وظلت نورة تكابد صعوبات الحياة، تتألم بصمت، ولا تستطيع الاعتراض على أي قرار يُفرض عليها من طرف والدتها أو أشقائها، بمبرر "كلام الناس" الذي شكَّل عقبة أمام أحلامها وطموحاتها المستقبلية، وحتى واقعها الذي كانت تعيشه، إلى أن بلغت من العمر عتياً، حينها تقدم لخطبتها شيخ طاعن في السن، يبحث عمن تعيله بعد وفاة زوجته الأولى، لتنتقل بذلك من رعاية والدتها المصابة بمرض القلب إلى رعاية زوجها الذي عمره أقرب إلى عمر والدها.

ولم تكن نورة لترغب في الزواج من طاعن في السن، لكنها رضخت لذلك خوفاً من فقدان والدتها، فتجد نفسها وحيدة تصارع نكد أشقائها وزوجاتهم الراغبات في تقاسم البيت الذي تركه والدها والمكون من ثلاث غرف، لكن برأي نورة كان هذا الزواج بمثابة "لعنة" حلت عليها ولن تتخلص منها إلا بموتها.

وتطرح تجربة نورة تساؤلات تتعلَّق بالخيارات الحقيقية المتاحة للمرأة في المجتمع الجزائري، بعيداً عن الأسرة والزواج، حيث يصور لها أنه لا شيء يعادل زواجها.

"عالم العزلة"

أما تونس وزينب ونعيمة فحكايتهنّ مختلفة، فقد لازمن البيت إثر توقفهن عن الدراسة، بعد عدم تمكنهن من الحصول على شهادة البكالوريا، ورفض والدهنّ تزويجهن رغم ما يتمتعن به من جمال.

زينب، الأخت الكبرى التي كانت أكثر المتضررات من سلوك والدها، ورغم اقتناعها بما يروجه المجتمع من أن مشاعر الزواج والأمومة هي الأهم لدى المرأة، إلا أنها بلغت أربعين عاماً دون أن تتزوج، وتحمل طفلها بين يديها.

وتروي زينب (48 عاماً)، تسكن في "باب الزوار" شرق الجزائر العاصمة، لرصيف22، أن أباها كان يرفض تزويجها رغم تقدم سنها، فكلما كان يتقدم لها شاب يرفضه بمبرر أو بغير مبرر، ومعظمهم رفضهم دون أن يأخذ رأيها أو يستشيرها، تقول زينب: "رغم أن من بين الذين تقدموا لخطبتي أشخاصاً ذوي أخلاق عالية وحسنة، ولهم سكن خاص بهم ورزقهم حلال".

وتكشف زينب أنها وجدت نفسها أمام واقع مرّ بعد أن تقدمت في العمر، دون أن يفكر والدها في احتياجاتها الخاصة ومشاعرها، وتضيف: "مرت السنين وأنا على هذا الحال، صرت أعتزل عائلتي الصغيرة والكبيرة لأتفادى نظرات الشفقة، خاصة بعد أن مرت السنين وعرف والدي أن تصرفه هذا خاطئ"، حيث عدل عن تصرفهن ولكن ليس معها بل مع شقيقاتها اللواتي يصغرنها بحوالي أربع أو خمس سنوات.

وبعد اختبارها عالم العزلة، لجأت زينب إلى الدين كحل لمعاناتها النفسية، حيث قرّرت التفرغ لحفظ القرآن الكريم حتى تتغير نفسيتها إلى الأحسن، بعد أن أصيبت بمرض نفسي قاهر، ووسعت مشروعها للقيام ببعض الأعمال الصالحة كالصدقة.

"كابوس يطاردني"

"حلم جميل يراودني كل ليلة عندما أضع رأسي على الوسادة، لكنه يتحول إلى كابوس في النهار، عندما أصادف أمي التي تظل تلومني، ونظرات أبي التي تحمل الكثير من الشفقة"، تروي فطيمة، كوافيرة في الأربعينيات من العمر، وتسكن في مدينة "هراوة"، تأثير نظرة المجتمع على نظرتها إلى نفسها.

وتضيف قائلة: "في كل مرة كانت أمي تبلغني فيها أن شاباً متديناً وخلوقاً سيتقدم لخطبتي، كنت أرفض المقترح رفضاً قاطعاً، لأنني كنت حينها أفكر في الدراسة والعمل وشراء كل ما يحلو لي والسفر وما إلى ذلك، وبقيت على هذه الحالة سنوات كثيرة".

"الجميع ينظر لي نظرة تهكمية ساخرة وكأنني دميمة أو بلهاء".

نظرة أسرة فطيمة لها، جعلها تعيد نظرها بخياراتها، تقول: "الجميع ينظر لي نظرة تهكمية ساخرة وكأنني دميمة أو بلهاء".

ولذلك تقول فطيمة أنها أصبحت تفضل "العزلة الاجتماعية"، وترفض الذهاب إلى المناسبات العائلية والأفراح، تفادياً لنظرات من حولها وأسئلتهم المحرجة وهمساتهم الجارحة.

المرأة الطموحة

وتشير دراسة أجرتها جمعية حورية للمرأة الجزائرية، على عينة شملت 20 امرأة، أعمارهن بين الخمسين والستين سنة، إلى أنّ أغلب السيدات غير المتزوجات يعشن ظروفاً مزرية مع أشقائهن، ويعانين الأمرين مع زوجات أشقائهن، حسبما كشفته رئيسة الجمعية دليلة حسين لرصيف22.

وعن أسباب عدم زواجهن، تشدد دليلة حسين على أن أغلبهن كنّ ممنوعات من الخروج بسبب التحفظ الذي تلتزم به العائلات الجزائرية، وبقين حبيسات بين أربعة جدران، لا يعرفهن أحد حتى تأخروا في العمر.

وتطرقت دليلة حسين للحديث عن عينة أخرى شملتها الدراسة، وهي النساء اللواتي أكملن مشوارهن الجامعي، بينهن مهندسات وطبيبات ومعلمات، رفضن الزواج لعدة أسباب، مثل عدم العثور على رجل "كفؤ"، فرفضن كل من تقدم لخطبتهن، في إشارة إلى أن الكثير من الرجال "الناجحين" لا يُفضّلون المرأة الطموحة، والمستقلة مادياً.

الكثير من الرجال "الناجحين" لا يُفضّلون المرأة الطموحة، والمستقلة مادياً.

ومن ناحية ، تكشف حسين عن تفاقم نسبة العزوف عن الزواج عند الرجال لعدة أسباب، أبرزها البطالة وأزمة السكن، إضافة إلى التكاليف المادية الباهظة التي يتطلبها إقامة عرس في الجزائر، بسبب العادات والتقاليد الدخيلة على المجتمع الجزائري، كالتباهي والمصاريف الخيالية.

وتشير حسين إلى وجود نساء طموحات، يرين أن فكرة الزواج ستحول دون تحقيق أحلامهن، وسيصبح عائقاً أمام مشاريعهنّ الخاصة.

ولكن، في النهاية، تظل المرأة غير المتزوجة في الجزائر واقعة تحت ضغط الأهل، والمجتمع، الذي لايزال ينتقد غير المتزوجة، وفي أحايين كثيرة يغيب عنصر التقدير الاجتماعي لسعي المرأة إلى الاستقلال، والتحقق، والنجاح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard