الثورة اللبنانية تكسر النصاب الطائفي الذي سمح لحزب الله بالهيمنة

الثلاثاء 19 نوفمبر 201904:25 م
Read in English:

Lebanon’s Revolution Forever Ended Hezbollah’s Domination

مضى أكثر من شهر واللبنانيون في الشوارع. هذا ليس زمناً قصيراً أبداً. فزمن الانتفاضات الشعبية مكثف إلى حد لا يمكن للناس احتمال إبقائه مشتعلاً لمدد طويلة. مع ذلك ما زال اللبنانيون قادرين على التجمع للاحتجاج وعلى المبادرة حين تدعو الحاجة للمبادرة.

ورغم هذه الحيوية الفائقة التي أبداها الشعب اللبناني في محاولته للقبض على مصيره وخلعه من أيدي مَن أمعنوا في إفقاره وتهميشه واللامبالاة به، إلا أن الزمن المكثف الذي تصنعه الثورات مرهق وشديد الوطأة على الثوار أولاً وعلى مَن يثور الثوار عليه.

على هذا، ليس غريباً أن يشعر الكثيرون ممَّن شاركوا في الانتفاضة بالإحباط، ويطلق آخرون مبادرات غير ناضجة في مسعى منهم لإبقاء جذوة الثورة مشتعلة على النحو الذي كانت عليه منذ انطلاقتها. وليس مستغرباً أن يعترض آخرون على هذه المبادرات ويعتبرونها من أسباب خفوت الحماسة بين الناس. لكن هذه الأعراض كلها لا تطمس وقائع لبنانية استجدت وباتت غير خافية على أحد.

نقطتان مفصليتان

يمكن اليوم، وبعد هذه الأسابيع الطويلة والتاريخية، أن يخلص المرء إلى تثبيت نقطتين مفصليتين في مسار التاريخ اللبناني، يُجمع عليهما الثوار وخصومهم، بصرف النظر عن الخطابات النافية أو المستنكرة والمكابرة.

أولاً: اختلال النصاب الاجتماعي-السياسي اللبناني لغير مصلحة حزب الله، بحيث لم يعد هذا الحزب وحلفاؤه يوازون خصومهم التقليديين أو يتفوقون عليهم. قبل ذلك، استطاع حزب الله، بعدما استمال التيار الوطني الحر إلى معسكره، أن يعدّل ميزان النصاب الاجتماعي السياسي، بحيث لم يعد، هو ومَن يمثل، مستفرَداً في مواجهة احتشاد واسع من كل الطوائف في مواجهته.

التيار الوطني الحر مسؤول مسؤولية مباشرة عن تمكين حزب الله، المسلح والقادر على تهديد الخصوم، من تصدر المشهد اللبناني وفرض شروطه في الاجتماع والسياسة على حد سواء، بعدما كان ميزان البلد مختلاً لغير صالحه في الفترة التي تلت اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. ولم تكن هيمنة حزب الله الأمنية قادرة على تحقيق ترجمتها السياسية لولا أن الحزب استند إلى قوة مارونية كبيرة في مواجهة خصومه، ما جعل البلد مقسوماً إلى معسكرين متساويين تقريباً من حيث التمثيل وحجم التأييد.

ولكن الثورة اللبنانية، بعدما اندلعت، طالت الهدف الأكثر إيلاماً لحزب الله، ونجحت في وقت قياسي من تحويل التيار الوطني الحر من تيار جماهيري عريض إلى مجرد حزب شبه مغلق، لا يستطيع أن يواجه الشارع المنتفض بشارع مؤيد. وقد تبدى هذا الأمر واضحاً في التظاهرة التي دعا إليها لدعم العهد في بعبدا ومحيط القصر الجمهوري.

ثانياً: انهيار التسوية الطائفية التي حرص حزب الله على بنائها حجراً حجراً منذ عام 2015 على أقل تقدير. فطوال السنوات الماضية، كان حزب الله يسعى جاهداً لإخضاع القوى اللبنانية الأخرى لخدمة مصالحه. لم يكن قادراً على الحكم بمفرده، لسبب أول يتعلق بطبيعة تركيبة السلطة اللبنانية التي تتألف من طوائف لها وزنها في المعادلة الداخلية وقادرة على تهديد غيرها من الطوائف حين تتحصل على دعم خارجي، وهي بطبيعة الحال تسيطر على مناطق شبه متجانسة ديموغرافياً ولا يسهل اختراقها على أي طرف داخلي مهما بلغت قدراته.

"الانقلاب على المعادلة التي أرستها الثورة اللبنانية لا يمكن أن يحصل بتعذيب الناشطين أو اعتقالهم، أو بكيل الاتهامات للمشاركين فيها يميناً وشمالاً. فهذه إجراءات لا تدخل في السياسة من أي باب وهي إجراءات انتقامية لن تغيّر في المعادلة المستجدة شيئاً"
طالت الثورة اللبنانية الهدف الأكثر إيلاماً لحزب الله، فقد نجحت في وقت قياسي من تحويل التيار الوطني الحر من تيار جماهيري عريض إلى مجرد حزب شبه مغلق، لا يستطيع أن يواجه الشارع المنتفض بشارع مؤيد، ما أدى إلى خلخلة التسوية التي منحته نفوذاً واسعاً في لبنان

لذلك، لم يجد حزب الله مفراً من البحث عن تسوية ترسخ أفضليته في إدارة البلد وتقرير شؤونه السيادية، بمشاركة الطوائف الأخرى التي تم توكيلها بتلطيف وجه حزب الله المكروه والمرفوض دولياً، ومحاولة تسويق تسوية الضرورة في المحافل الدولية بما يتيح لحزب الله التعايش مع عزلة دولية مفروضة عليه، عن طريق انفتاح دولي على مكونات البلد الأخرى، في محاولة لتجنب انهيار لا يريد أي طرف دولي حصوله. وهذا ما يفسر الاتجاه الأوروبي إلى إعادة إنتاج التسوية التي كان لحزب الله حصة الأسد فيها، تارة من خلال دعم ورقة الحريري الإصلاحية، و طوراً من خلال الاستعداد للبحث في مساعدة لبنان على تجنب الانهيار المالي والاقتصادي، وتارة أخرى من خلال إيفاد مبعوثين أوروبيين لمحاولة إعادة اللحمة إلى التسوية التي انهارت بفعل الثورة.

نجحت الثورة اللبنانية في كسر العمود الفقري لهذه التسوية. خرج سمير جعجع منها علناً واتسعت المساحة أمام وليد جنبلاط وسعد الحريري للاعتراض عليها. حالياً، تغامر هذه الأطراف الثلاثة بكل مكتسباتها في السلطة من دون أي ضمانة لتصدر الثورة والنطق باسمها وقيادتها، على أن تبقى ضمن تسوية جامعة لا تهدف في حقيقة الأمر إلا إلى إطالة عمر هيمنة حزب الله على مقدرات البلد، وتجعل لبنان منبوذاً في محيطه، لا لشيء إلا لأن قادة حزب الله غير مستعدين للتخلي عن منطقهم الأمني في التعامل مع شؤون دول الجوار والتدخل في شؤون دول خارجية بطريقة ليس للبنان مصلحة أو قدرة على تحمل تبعاتها.

في المحصلة لم تعد كتلة ما كان يُسمّى بـ"14 آذار"، جزءاً من التسوية التي أتت بميشال عون رئيساً للجمهورية. وتالياً، فإن حزب الله والتيار الوطني الحر أصبحا اليوم دستورياً وجماهيرياً غير قادرين على الاستمرار في التحكم بمقدرات البلد وتعطيل مستقبله، وفرض مواقفهما على الأطراف الأضعف في التسوية الرئاسية. لم يعد تحالف حزب الله-عون قادراً على الحكم ميثاقياً، والأرجح أن الأيام المقبلة، خصوصاً بعد اعتذار محمد الصفدي عن تشكيل الحكومة، ستثبت أن هذا التحالف لم يعد قادراً على التحكم بالبلد دستورياً.

أزمة السلطة نتاج الثورة

ليس خافياً أن الأزمة التي تعيشها السلطة اللبنانية اليوم هي نتاج مباشر لهذه الثورة. وهذه إنجازات لا يجدر بأي كان، خصوصاً حلف حزب الله-عون، الاستهانة بها. والانقلاب على المعادلة التي أرستها هذه الثورة لا يمكن أن يحصل بتعذيب الناشطين أو اعتقالهم، أو بكيل الاتهامات للمشاركين في هذه الثورة يميناً وشمالاً. فهذه إجراءات لا تدخل في السياسة من أي باب وهي إجراءات انتقامية لن تغيّر في المعادلة المستجدة شيئاً ولن تنجح في إعادة تحويل الرأي العام.

لا تختصر هذه النقاط إنجازات الثورة كلها. فثمة إنجازات أخرى لا تقل أهمية عما سبق ذكره. لكن هذه المقالة تهدف لإيضاح انحلال السلطة وتذررها ولم تتطرق من قريب أو بعيد إلى ما نجحت الثورة في بنائه لتؤسس عليه مستقبل البلاد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard