انفراجة في أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا

الأحد 17 نوفمبر 201905:22 م

بعد سنوات من الخلاف وتلميحات متعددة باللجوء إلى الخيار العسكري، يبدو أن أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا في سبيلها إلى الحل بعد توافق بينهما، إلى جانب السودان، حول أحد أبرز أوجه الخلاف خلال الفترة الماضية؛ مدة ملء خزان السد وكمية المياه اللازم تمريرها إلى دولتي المصب (مصر والسودان).

وأعلنت وزارة الري السودانية، في بيان ورد في ساعة متأخرة من مساء 16 تشرين الثاني/نوفمبر، أن المفاوضات التي عقدت يومي 15 و16 من الشهر الجاري في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا "أحرزت تقدماً" بالتوصل لاتفاق حول ملء بحيرة السد "خلال فترة زمنية تصل إلى 7 سنوات تبعاً لهيدرولوجية نهر النيل الأزرق".

توافق حول خلاف جوهري

ومثّل الخلاف حول الفترة الزمنية لملء السد عقبة كبيرة أمام محادثات الدول الثلاث؛ إذ اقترحت إثيوبيا أن تكون المدة تقارب الأربع سنوات، فيما اشترطت مصر أن تتم عملية الملء خلال 7 سنوات مع الإبقاء على مستوى المياه في السد العالي عند 165 متراً، وأن تقدم لها إثيوبيا 40 مليار متر مكعب سنوياً من المياه خشية أن تؤدي المرحلة الأولى لملء سد النهضة إلى جفاف شديد في النيل الأزرق في إثيوبيا، على غرار ما حدث في عامي 1979 و1987.

وخلال العامين (1979 و1987)، انخفض تدفق مياه النيل الأزرق بشدة (بنحو 20 إلى 25 مليار متر مكعب)، ما انعكس على تدفق المياه إلى نهر النيل. على الرغم من دور السد العالي في الحد من تعرض مصر لأزمة كبيرة آنذاك.

في المقابل، كانت إثيوبيا ترفض الاقتراح المصري قائلةً إنه "لا يحترم سيادتها وحقها في تنمية مواردها".

وبينما اشترطت مصر تمرير 40 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، اقترح السودان تمرير ما لا يقل عن 35 مليار متر مكعب سنوياً من السد، وتمسكت إثيوبيا بتمرير 31 مليار متر مكعب فقط.

إعلان سوداني وتوضيح مصري

وفي حين لم يخرج عن المباحثات أي إعلان رسمي، أشار البيان السوداني إلى مواصلة الاجتماعات للتفاوض بشأن القضايا العالقة خلال شهري كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير المقبلين.

واكتفى بيان لوزارة الري المصرية بتوضيح أن الاجتماع شمل "تبادل المناقشات الفنية بين الوفود المشاركة بخصوص رؤية كل دولة فيما يخص قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، والعناصر الفنية الحاكمة لعملية ملء وتشغيل سد النهضة والتعامل مع حالات الجفاف والجفاف الممتد وحالة إعادة الملء".

كما أشارت إلى استمرار المشاورات والمناقشات الفنية حول جميع المسائل الخلافية في الاجتماع الثاني المقرر بالقاهرة يومي 2 و3 كانون الأول/ديسمبر المقبل.​

وبعد اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث في واشنطن في وقت سابق من الشهر الجاري، اتفق على عقد 4 اجتماعات على مستوى وزراء الموارد المائية في كل من مصر والسودان وإثيوبيا، بمشاركة ممثلين من الولايات المتحدة والبنك الدولي كمراقبين.

"دماؤنا واحدة"

في الأثناء، أكد سفير أديس أبابا في القاهرة دينا مفتي، خلال مقابلة صحافية مع صحيفة "الشرق الأوسط"، نشرت في 17 تشرين الثاني/نوفمبر، أن "الدماء التي تجري في عروق المصريين والإثيوبيين واحدة لأننا نشرب من النهر ذاته، وكل ما أود قوله إنها علاقات ودية وجيدة للغاية، خصوصاً أن كلتا الدولتين مؤسسة للاتحاد الإفريقي".

عقب مراحل من تأزم المحادثات وبلوغها حد التلويح بالخيار العسكري، مصر وإثيوبيا تتفقان حول بند خلافي رئيسي في إطار أزمة سد النهضة


"دماؤنا واحدة"... السفير الإثيوبي في القاهرة يقول إن تصريحات رئيس حكومته عن الخيار العسكري لحل خلاف البلدين أسيء فهمها إعلامياً

ودافع مفتي بحماس عن المشروع الذي قال إنه يواجه مقوضات التنمية، شارحاً "النمو السكاني، ليس في بلادي فقط وإنما كثير من الدول النامية... تزداد أعداد الشباب على نحو هائل، ولا توجد فرص عمل كافية، فالبطالة تحدٍ كبير، والشباب العاطل من الممكن أن يُسيء البعض استغلاله".

ثم أردف: "السد يحمي الماء من التبخر، وسيتراجع بسببه تراكم الطمي الذي يكبد السودانيين تكاليف ضخمة، كما سنحصل منه على الكهرباء. ومثلما تؤكد مصر دوماً، أنها لا تُعارض التنمية في إثيوبيا، فإننا لا نُعارض مصالح القاهرة... ليس لدينا مصلحة في الإضرار بحاجة مصر إلى الماء".

وتقدر إثيوبيا تكلفة بناء "سد النهضة" بما يقارب 4 مليارات دولار. وهي تعول على أن تصبح عبر توليد أكثر من 6000 ميغاواط عبره، إلى أكبر مصدر إفريقي للكهرباء.

لكن مصر تخشى أن يؤثر على إمداداتها الشحيحة بالفعل من المياه.

وتعليقاً على تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أشار خلالها إلى إمكانية اللجوء للحل العسكري لإنهاء هذا الملف، علقت عليها مصر معربةً عن دهشتها وصدمتها، لفت السفير الإثيوبي إلى أنه "جرى توضيح ذلك خلال لقاء رئيس الوزراء الإثيوبي (آبي أحمد) والرئيس المصري (عبد الفتاح السيسي) في سوتشي بروسيا (نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي). هذه التصريحات كانت مجرد سوء فهم من قبل وسائل الإعلام، لأن رئيس الوزراء يؤمن دوماً بالسلام، وهذا ما تؤمن به كذلك القيادة المصرية".

وشدد مفتي على أنه "إذا كان ثمة سوء تفاهم بين إثيوبيا ومصر، فإنه ينبغي تسويته سلمياً فقط لأن الحرب ليست خياراً... ليس باستطاعتنا تحمل تكاليفها، ولسنا بحاجة إليها. إنها سبيل غير مثمر، خصوصاً أن لدينا ما يكفي من توترات في هذا الجزء من العالم".

وكانت وساطة أمريكية قد أثمرت عن "عقد 4 اجتماعات عاجلة لوزراء الموارد المائية في الدول الثلاث، وبمشاركة ممثلي أمريكا والبنك الدولي، وتنتهي باتفاق حول ملء وتشغيل السد، بحلول 15 كانون الثاني/يناير عام 2020".

لنحل مشاكلنا بأنفسنا

ورغم أن مفتي لم يبد انزعاجاً من الدور الأميركي في المفاوضات، إلا أنه سعى، بحسب "الشرق الأوسط"، إلى التقليل من أهمية مبدأ الوساطة مؤكداً تفضيله "أن نحل هذا الأمر بأنفسنا لأن الماء ماؤنا وليس ماءهم، وينبغي علينا أن نُظهر استقلاليتنا، وأننا أُمتان راشدتان كبيرتان".

وكانت مصر قد ناشدت الولايات المتحدة ومنظمات دولية أخرى مثل البنك الدولي التدخل بعد "تأزم المحادثات ووصولها طريقاً مسدوداً"، ورفضت إثيوبيا الوساطة الأمريكية سابقاً.

لكنها قبلت دعوة واشنطن نهاية الشهر الماضي، متمسكةً بأنها "مناقشات برعاية أمريكية وليست وساطة".

أما عن مشاركة مجموعة البنك الدولي في المحادثات، فقال مفتي إن "مهمته مساعدة التنمية في الدول عبر توفير التمويل. وعليه، يوجد مراقبون لمتابعة ما يحدث، وإذا احتجنا إليه يمكننا الاستعانة به في جولة أو أخرى لأن بمقدوره دعمنا بالمال، لذا وجوده لن يكون مشكلة".

وعن توقعه لما ستسفر عنه المفاوضات، قال مفتي: "المناقشات حول كيف يمكن لمصر وإثيوبيا الوقوف في صف واحد سياسية. أما المفاوضات الجوهرية فستستمر بين وزراء المياه. الخبراء الفنيون التقوا ربما أكثر من خمس مرات حتى الآن، إنهم يتحدثون حول نموذج ملء السد، وكيفية العمل على ضمان عدم تأثيره على دولتي المصب".

يشار إلى أن وكالة الأنباء الإثيوبية قد أعلنت "اكتمال مشروع بناء سد السرج، أحد مشاريع سد النهضة الإثيوبي الكبير لسد احتياطي له، وليصبح علامة فارقة في المشروع بأكمله" في 13 تشرين الثاني/نوفمبر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard