التفسير الصوفي للقرآن

السبت 7 ديسمبر 201912:37 م

يأتي هذا المقال ضمن ملفّ قسم ثقافة في رصيف22 ''تفاسير القرآن... إبداع دينامي ثري"

«فإذا عظم في صدرك تعظيم المتكلَّم به لم يكن عندك شيءٌ أرفع ولا أشرف ولا أنفع ولا ألذّ ولا أحلى من استماع كلام الله جلَّ وعزَّ، وفهمِ معاني قوله تعظيمًا وحبًّا له وإجلالاً، إذ كان تعالى قائلَه، فحبُّ القول على قدر حبِّ قائله» الحارث المحاسبي (العقل وفهم القرآن من دار الفكر، بيروت، 1983).

في التراث الإسلامي نصوصٌ كثيرة تعبّر عن حياة الصوفيّ مع النصّوص الدّينية المقدّسة. فالصُّوفي يعرفُ قواعد اللغة وعلوم البلاغة والبيان وأسباب النزول وكافة علوم القران التي اعتمدها الفقيه، لكنّ الصوفيّ لا يكتفي بتكرار ما ورد في كتب السابقين عن القرآن، لا يرضي بأن يكون وريثًا لتجارب وآراء السابقين فحسب، مهما كانت رتبتهم أو مقامهم العلمي، ربما يستفيد منهم إشارة تفتح له الباب على إشارات أُخَر، أو توضّح له ما استُغلق عليه، فتكون استفادته منهم بالتقاطه لخيط يوصّله إلى صنع نسيجه الخاص، لكنْ أن يكون تابعًا لغيره لاغيًا لتجربته الخاصة غير معبّرٍ عن ذاته، فهذا ما لا يقنع به من وُلدوا ولادة جديدة وعاشوا تجربة الوحي المتجدد كما هو الحال عند متصوفة التجارب المتفرّدين.

ربما نَظّرَ الصوفيُّ لكيفية استنباط المعاني من النصوص، وذكر ما يُروى من حديث الظاهر والباطن، لكنّه في حقيقة الأمر لا يتوجّه بهذا التنظير إلى أمثاله ممن يحيون الحروف الإلهية ويجسدونها بدمائهم وأقوالهم؛ إنما يكون كلامه النظري ساريًا على دروب التآاليف التي لا يمكن الخروج عنها في عصره، موجّهًا إياه إلى الجماهير التي تعشق فكرة التأصيل ويطلبون الدليل على كلّ كلمة تقال، بصرف النظر عن المعاني التي تعجز الكلمات عن الإبلاغ عنها فيما بعد ولا تستطيع اللغة بحروفها المخلوقة التعبير عنها بحقّ.

تختلف تجربة كلّ صوفيّ عن غيره بحسب ما وصل إليه وما رُزقه من فهم ومعرفة، كما تختلف تفاسير أهل الظاهر للآية الواحدة، فهل يلغي الصوفي إذًا التفاسير الشهيرة بما يقدّمه لنا من أذواق جديدة حول معاني الآيات؟ 

يلتمس التفسير الصوفي مشروعيته من كلام النبيّ محمد وآل بيته الكرام، فتتكرر في كتب التفسير الصوفي مرويّات تنسب إلى النبي مثل: "القرآن ذُو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه"

إن قرأت كلام الصوفيّ عن أنّ لكلّ ظاهرٍ سبعين باطنًا، فهذا الكلام مخاطبة منه للجماهير بما تعشق، وإلاّ فما يتلوه من كلام يُدهش الجمهور فيما بعد، ويتحول عند خصوم التصوّف إلى كفر وإلحاد وباطنية تُخرج الدين عن صورته الحقّة! بدلاً من أن يحسن القارئ الظنّ به ويحاول أن يقرأ تفسير الصوفي وإشاراته باعتباره تجربة عيش مع الله وكلامه.

«تُوجدُ في التاريخ الديني للعالم الإسلامي مغامرة كبرى وحيدة لها قيمة كونية ارتقت بالإسلام إلى مستوى بحثٍ حقيقيّ عن المطلق وهي مغامرة الروحانيين المتّفقِ على تسميتهم بالصوفيّة». الأب بول نويا.

يلتمس التفسير الصوفي مشروعيته من كلام النبيّ محمد وآل بيته الكرام، فتتكرر في كتب التفسير الصوفي مرويّات تنسب إلى النبي مثل: «القرآن ذُو وجوه، فاحملوه على أحسن وجوهه»، «القرآنُ تحت العرش، له ظهر وبطن يحاجّ العباد»، «أُنزل القرآنُ على سبعة أحرف، لكلّ آية منه ظهر وبطن، ولكلّ حرفٍ حدّ، ولكلّ حدٍّ مُطلع». كما يُنسب إلى الإمام جعفر الصادق أنّه قال: «كتابُ الله على أربعة أشياء: العبارة والإشارة واللّطائف والحقائق. فالعبارةُ للعوامِّ والإشارةُ للخواصّ واللّطائفُ للأولياء والحقائقُ للأنبياء عليهم السّلام». وقيل: «القرآن عبارةٌ وإشارةٌ ولطائفُ وحقائقُ. فالعبارةُ للسّمعِ، والإشارةُ للعقلِ، واللّطائفُ للمشاهدة، والحقائقُ للاستسلام» (يمكن مراجعة لإمام جعفر الصادق، التفسير الصوفي العرفاني للقرآن، بحسب حقائق التفسير وزيادات حقائق التفسير للسلمي الشافعي، تقديم وتحقيق علي زيعور، نشرة دار البراق بيروت 2002، ص 71).

لأن القرآن الكريم وإن كانت ألفاظه قديمة، إلا أنّ معانيه غضّة طريّة متجدّدةٌ ومفتوحةٌ على تفكُّر المتلقّي في كلّ زمان

هذه النصوص وغيرها أعطت الحرية الدينية لكثير من الصوفية في قراءتهم للقرآن وفهمه وتفسيره، لأن القرآن الكريم وإن كانت ألفاظه قديمة، إلا أنّ معانيه غضّة طريّة متجدّدةٌ ومفتوحةٌ على تفكُّر المتلقّي في كلّ زمان. مما يعني أنه لا توجد أيّ سلطة تملك حقّ مصادرة تفسير القرآن من أحد المسلمين، واحتكاره في طائفةٍ علميةٍ مكلّفةٍ بإنتاج "تفسير رسمي"، كما لا توجد سلطةٌ تملك حقّ حبس المعاني القرآنية في التفاسير التراثية، مهما كانت هذه التفاسير مقبولةً ومعتمدةً من جمهورٍ واسعٍ من الأمة.

وفي هذا يقول سهل التستري (تـ. 283 هـ): «لو أُعطي العبدُ بكلّ حرفٍ من القرآن ألف فهم، لما بلغ نهاية ما جعل الله تعالى في آية من كتاب الله تعالى من الفهم، لأنّه كلام الله وكلامه صفته، وكما أنّه ليس لله نهاية فكذلك لا نهاية لفهم كلامه، وإنّما يفهمون على مقدار ما يفتح الله تعالى على قلوب أوليائه من فهم كلامه».

يمكنك أن تصبح عالمًا في الكلام أو النحو أو العروض أو البلاغة إذا أدمنت النظر في قواعد هذه العلوم وكتبها، وعكفت على دراستها وقتًا من الزمان، دون أن تكون ملزمًا بتطبيق ذلك في حياتك الخاصة، أمّا أن تُقبِلَ على القرآن لتكشف عن درره وجواهره الكامنة خلف حجاب الأحرف والكلمات، فإن ذلك يتطلّب منك الكثير بحسب قواعد المتصوفة، بداية من مجاهدة النفس وتصفيتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل وحضور القلب مع الله وإلقاء السمع بين يديه حتى يفتح الله لك، ويرزقك الكشف ويلهمك من لدنه علمًا، حتى تتنزّل عليك معاني القرآن. ومن كلام الصوفية في ذلك ما قاله ابن عطاء الآدمي (تـ. 309 هـ) –أحد مفسّري الصوفية-: "لا يفهم إشارات القرآن إلاّ من طهّر سرّه عن الأكوان بما فيها». وقد فصّل القول في ذلك صاحب قوت القلوب –أبو طالب المكّي (تـ. 386 هـ)- قائلاً: "فإذا كان العبدُ ملقيًا السمع بين يدي سميعه مصغيًا إلى سرّ كلامه، شهيد القلب لمعاني صفات شهيده، ناظرًا إلى قدرته، تاركًا لمعقوله ومعهود علمه، متبرئًا من حوله وقوّته، معظّمًا للمتكلّم، واقفًا على حضوره، مفتقرًا إلى الفهم بحالٍ مستقيمٍ وقلبٍ سليمٍ وصفاء يقين وقوة علمٍ وتمكينٍ، سمِع فصل الخطاب وشهِد علم غيب الجواب".

تختلف تجربة كلّ صوفيّ عن غيره بحسب ما وصل إليه وما رُزقه من فهم ومعرفة، كما تختلف تفاسير أهل الظاهر للآية الواحدة، فهل يلغي الصوفي إذًا التفاسير الشهيرة بما يقدّمه لنا من أذواق جديدة حول معاني الآيات؟ يرى ابن عطاء الله السكندري حكيم المتصوفة (تـ. 709 هـ) أن ما يفعله الصوفي ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكنّ الآية مفهوم منها ما جُلبت له ودلّت عليه في عُرف اللسان، وهناك أحكام باطنة تُفهم عن الآية لمن فتح الله قلبه. على أنّ الصوفي حريصٌ على تدبّر التفاسير الظاهرة والتعرّف على ما جاء فيها، ويؤكد حجّة الإسلام الغزالي (تـ. 505 هـ) على أنه لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يُحكم التفسير الظاهر فهو كمن يدّعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، أو يدّعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم وهو لا يفهم لغة الترك.

ويحسن بنا أن نذكر مثالاً على التفسير الصوفي يوضّح ذلك، حينما قرأ أبو يزيد البسطامي قوله تعالى: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ) [سورة النمل:43] فسّر الآية قائلاً: "أراد بذلك أن عادة الملوك إذا نزلوا قرية أن يستعبدوا أهلها، ويجعلوهم أذلّة لهم، ولا يقدرون أن يعملوا شيئًا إلاّ بأمر الملك، وكذلك المعرفة، إذا دخلت القلب لا تترك فيه شيئَا إلاّ أخرجته ولا يتحرك فيه شيءٌ إلاّ أحرقته". ونلاحظ في تفسير البسطامي للآية أنه حافظ على المعنى الظاهر للآية، وعن طريق المشابهة بين ما تفعله الملوك من إفساد واستعباد وما تفعله المعرفة بقلب الإنسان ذكر لنا ذوقه وإشارته الصوفية حول هذه الآية. لكنه في سياق آخر يقدم لنا لونًا تفسيريًا مغايرًا يحظى بحوار صوفي من ابن عربي بعد فترة من الزمن، فحينما سمع أبو يزيد قارئاً يتلو الآية القرآنية: "إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ" [سورة البروج: 12]، فقال: "بطشي أشدّ". أي إن بطشي أشدّ من بطش الله عز وجل. وقد حظيت هذه العبارة التي نطق بها البسطامي باهتمام الصوفية وغيرهم من العلماء، وصُنّفت ضمن "شطحات الصوفية"، لكن ابن عربي فسّرها بشكل مقبول، معتبرًا أن المخلوق إذا بطش فلا يكون في بطشه شيءٌ من الرحمة، بل قد يخالطه الانتقام فيزيحه عن العدالة، أما بطش الله عز وجل وإن كان شديداً ففيه رحمةٌ بالمبطوش به.

في سياق آخر نجد ابن عربي يعلّق على قراءة أبي يزيد البسطامي للآية القرآنية: "يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ" [سورة مريم: 85]. وذلك أن أبا يزيدٍ عندما سمع هذه الآية طار الدم من عينيه وقال: عجبًا كيف يَحْشُر إليه من هو جليسه. فإن الله يقول: أنا جليس من ذكرني، والمتّقي ذاكرٌ لله. ويعلّق ابن عربي على موقف أبي يزيدٍ فيرى أن دموعه هي دموع فرح لا دمع حزن وخوف، لأن في حَشْر المتقين إلى الرحمن، بشارة بالأمان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard