الفرار من أرض الديانات إلى سماوات الصوفية

السبت 16 نوفمبر 201904:55 م

محوتُ نفسي ومحوتُ الصّور من نفسي، لكي أرى الله!

قلتُ في نفسي: أمحو هذه عن الله لكي أراه، وأتصل بمنافعه على نحو أسرع.

تذكّرت هذه الكلمة التي سجّلها في كتابه، بهاء ولد سلطان العلماء في بلخ، قبل أن يفرّ بالله إلى الله، بعد أن شاهدت وثائقياً عن مولانا جلال الدين الرومي، سُلط فيه الضوء على وحدة التجربة الروحية بين قدّيس مسيحي شهير هو فرنسيس الأسيزي، وصوفي مسلم أضحى حديث العالم اليوم هو مولانا جلال الدين الرومي، ربما كانت محبّتي للرومي هي ما جعلتني أتوقف عند المقارنة بين هاتين الشخصيتين.

وربما عدم تعرفي بشكل جيد على القديس مؤسس رهبنة الفرنسيسكان هو ما جعلني مندهشاً من اللقاء المزمع بينهما، فما أعرفه عن القديس الذي انتقل من روما إلى مصر، أنه كان حريصاً على التبشير بدين المسيح حرصاً شديداً، ويعدّه البعض من الندرة الذين نفّذوا حرفياً وصية السيد المسيح: "اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" [مرقس 16/15].

وتبعاً لتنفيذ الوصية الدينية، قام فرنسيس برحلة تبشيرية إلى مصر في عام 1219، حيث وصلها في زمن الحملة الصليبية السادسة في عهد الملك الكامل الأيوبي، سار فرنسيس مع زميل له يُدعى إلوميناتو قاصدين معسكر المسلمين، وطلبا مقابلة الملك الكامل في تشرين الثاني 1219م، فقادهما الجند إليه. وأخذ فرنسيس يشرح معنى الثالوث للملك الكامل، الذي أصغى إليه برحابة صدر حيث لم تكن المسيحية غريبة عليه، إذ كان ملكاً مثقفاً فضلاً عن معرفته بأحوال المسيحيين القبط في مصر، فكانت تُعقد المجالس والمناظرات بين المسلمين والمسيحيين في حضرته، كما نص على ذلك الأب قنواتي في كتابه عن المسيحية والحضارة العربية.

قدّر الملك الكامل هذين الراهبين المسالمين المتواضعين، وإذ شعر فرنسيس الأسيزي برحابة صدر الملك المسلم وتسامحه الكبير، بادر من طرفه بدعوة الملك إلى اعتناق المسيحية، وبطبيعة الحال لم يقبل الملك التحول إلى المسيحية، لأن إيمانه بالإسلام كإيمان القديس بالمسيحية. وقد جسد دانتي فيما بعد هذه الواقعة التاريخية في "الكوميديا الإلهية".

التوجّه إلى الله بلغات شتّى

ربما لا تجمع هذه المساحة بين الرومي وفرنسيس، فإذا بشّر القديس بدين المسيح فإن ما بشّر به الرومي غير ذلك، ربما يجمع بينهما حب الموسيقى والتوجّه إلى الله بلغات شتّى، ربما تجمع بينهما الفترة التاريخية التي اختار كلاهما أن تكون رسالته فيها عن طريق الكلمة لا عن طريق حمل السلاح وخوض الحروب.

بدأ الفيلم الوثائقي عن "مولانا والقديس" بأخبار انفجارات وقتل وضجيج كثير في روما، كان سببه جماعة من المنتسبين إلى الإسلام، يصمم بعض الناس في الغرب على أنهم التجسيد الحقيقي لتعاليم الإسلام، فكل ما تفعله هذه الجماعة من قتل وتفجير يستند إلى آيات القرآن وتعاليم السنة، لكن بطل الفيلم يؤمن بغير ذلك، ويود أن يقدم لهؤلاء القوم في روما، صورة من صور الجمال الذي يؤمن به ويحاول أن يحياه، بعد أن اكتشفه عند "مولانا" يُقدّم عبر تلاوة الأشعار، تعليم الموسيقى، وتعليم الرقص الصوفي. هذه الصورة جاذبة لكنها ليست مرتفعة الصوت كدوي الانفجارات، فيخشى ألا يستمع إليها كثيرون، يخشى على نفسه مما يشاع عن الدين والأوطان التي أتت بها إلى حيث الكنيسة وتعدد الأعراق والألوان وصنوف البشر، يخاف أن يخرج من بيته أحياناً.

فرّ الشاب من إيران، من حياة تقتصر على اللون الواحد من التدين لا بدّ وأن يدين به الشخص هناك، وإذا ما رفضه أو علّق على بعض أفكاره أضحى مرفوضاً في وطنه وبين أهله وثائراً على التعاليم. فرّ ليبحث عن حياة جديدة، متسلحاً بسلاح واحد هو رغبته في الحياة والميلاد الجديد، ميلاد لا يُحدِّد له صورة مسبقة، ميلاد يصنعه هو بنفسه، كما يكدح الصوفي إلى ربه كدحاً ليلاقيه، يشاهد المدائن العتيقة، يسمع صلوات البشر على اختلاف أديانهم، يلتقط درر الإنسانية ليكتشف جوهره، ويدخل في عباد الله ليدخل جنّته. فرّ بقلب مفتوح على السماوات، رافعاً يد الدرويش إلى رفيقه الأعلى وخافضاً أيادي الأغيار إلى الأرض التي يتمسّكون بحدودها.

يعلّمنا الرومي أن الذكر لا يكون بالسبحة أو بالقلب فحسب, فمن يصنع رغيف الخبز يذكر الله، ومن يضع لبنة في بناء مادي لا يختلف عن الساجد والراكع لربه، ومن يسعى في منافع الخلائق يذكر الله أيضاً

قراءة في وثائقي يسلط الضوء على وحدة التجربة الروحية بين قدّيس مسيحي شهير هو فرنسيس الأسيزي، وصوفي مسلم أضحى حديث العالم اليوم هو مولانا جلال الدين الرومي

كم يلزم الإنسان من هجرة حتى يصل إلى ضالته؟! يخبرنا الفيلم أن الرومي هاجر من بلخ وتنقل في بلدان عدة، حتى استقر به المقام في قونية، فهل أعلن حينها مذهب العشق الذي وصل إليه وهل حصل على ما أراد؟ كان الرومي صغيراً عند الهجرة بالبدن، فوالده سلطان العلماء صاحب قرار الهجرة الأولى، لكن هجرته الثانية من الدفاتر والأوراق وكرسي الوعظ إلى القلب المفتوح على ما لا ينتهي، كانت حظّه ومدده الذي أراده الله له.

لم يشمّر ويفتش ويبحث حتى وجد ضالته، بل أراد لمرآته المصقولة أن تعكس صورة باطنه الجميل، فرزقه الله بشمس حياته "شمس تبريزي"، ذلك الرجل الخضريّ الملامح، اللدنيّ العلم، الذي ظهر فجأة ليؤدي رسالة ثم اختفى. نفض الغبار عن رأسه وبسط يده إليه فتمسك به الرومي، وبدأت الرحلة التي ألهمته غالب أشعاره وكلماته، بدأت الرحلة التي عد صاحبها الموت عرساً لا نهاية وختاماً، بدأت الرحلة التي يلتمس الناس في الشرق والغرب دروساً منها حتى لحظتنا الراهنة.

ليس غريباً أن يخبرنا بطل الفيلم أنه كلما قرأ عن الرومي عرف أنه يجهل الكثير عنه، وكلما قرأ اكتشف الجديد المبهر، لذا يطلب من غيره أن يتلو أشعار "مولانا" وأن يحدّثه عنه، أن يطيل الحديث لأنه لا يشبع من ذكر ذلك الرجل العظيم، سمع الباحث عن الحياة في الفيلم من الأب جوليلمو سبييريتو Guglielmo Spirito أشعار الرومي التي نُقلت إلى الإيطالية، قرأ الأب جزءاً من رباعيات الرومي، وعرف الشاب من الدكتور عدنان المقراني أن البحث عن القواسم المشتركة في التجارب الروحية من شأنه أن يعزّز الحوار بين الأديان، فعاد من جديد إلى نوتته الموسيقية ليتمّ مشروعه: كلمات الرومي صحبة كلمات الأسيزي، يخالط بعضها البعض في لحنٍ يسمعه الكلّ، لنقترب ونجتمع في عالم الإنسانية الرحب.

يريد الشاب أن يخبر الجمهور بما تعلمه من الرومي.. ولسان حاله: قرَّبني مولانا من ذاتي وعرفني على نفسي أكثر، جعلني أشاهد الحياة في كلّ شيء من حولي.. جعلني لا أهتم بالصور الزائلة، ففي فكر الرومي وتصوّفه أن الرسوم والصور درجة من درجات البناء وعتبة نتجاوزها لنصعد دون أن نمحوها أو نرفضها. يعلّمنا الرومي أن الذكر لا يكون بالسبحة أو بالقلب فحسب.. فمن يصنع رغيف الخبز يذكر الله، ومن يضع لبنة في بناء مادي لا يختلف عن الساجد والراكع لربه، ومن يسعى في منافع الخلائق يذكر الله أيضاً.

لا يهم من أنت ولا من أين أتيت

لم يشترط الرومي على أحد شرطاً ليصحبه ولم يرفض عاملاً أو تاجراً أو صنفاً معيّناً من البشر ليحظى بصحبته، بل خاطب الكل: العامل في المزرعة، والعازف على آلته الموسيقية، والحدّاد والسقّا والواعظ والأمير.. تعال.. لا يهم من أنت ولا من أين أتيت. لم يشترط على أحد التحدّث بلسان أو بلهجة معينة أو بأسلوب محدد بل قال: تكلم من قلبك.

يمكنك أن تقرأ مع السكارى عن واقعات البشر فيتنزّل الغيث من عيونهم ليروي جسدك المنكسر، لكنك لن تعرف طعم هذا الخمر أو تميزه عن القصب ما دمت في قيد الصور. يمكنك أن تقرأ كلمات الرومي بدون أن تطالع المثنوي أو الغزل الكبير، يمكنك أن تعرفه إذا عرفت نفسك، فهو مثلك كان إنساناً لكنه انتبه! وما التفت!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard