الحبس المنزلي... تحويل المنزل من بيئة آمنة إلى سجن لتدمير أطفال القدس نفسياً معنوياً

الأربعاء 20 نوفمبر 201901:42 م

كان يوماً عادياً من أيام الصيف. وهناك في مخيم شعفاط للاجئين الفلسطينيين، شرق القدس المحتلة، كان الطفل علي بلال طه يرسم تفاصل يومه في مخيلته. سيعود من المدرسة، ينهي واجباته المدرسية، ويتناول وجبة طعامه المفضل ثم يلقي بنفسه إلى أزقة المخيم ليمارس مع أصدقائه لعبة كرة القدم. لكنه لم يفعل.

بينما كان عائداً من مدرسته، شهد مواجهات بين شباب فلسطينيين ومستوطنين، بالقرب من الحاجز العسكري المقام على أراضي المخيم، وما أن بدأ بالتراجع قليلاً لينجو بنفسه، اخترقت ساقه الأيمن رصاصة إسرائيلية وتناثرت شظايا في ساقه الأيسر، وسرعان ما وجد نفسه في قبضة الجنود الذين لم يرأفوا بحاله رغم أن دمه كان يلوّن الأسفلت بالأحمر القاني، بل انهالوا عليه بالضرب وقيّدوا أطرافه ليمسي فجأة ودون سابق إنذار أسيراً.

تقرير فلسطيني صدر مؤخراً عن وزارة الأسرى والمحررين الفلسطينيين، أكد أن إسرائيل تعتقل حوالي 190 طفلاً فلسطينياً موزعين على سجن عوفر ومجدو، ومراكز التوقيف والتحقيق المختلفة، بينهم 20 طفلاً تحت سن الـ16 عاماً، فضلاً عن اعتقالات منزلية تُفرض بشكل شبه يومي على الأطفال المقدسيين بشكل خاص لمنعهم من المشاركة في أي عمل احتجاجي ضد الاحتلال.

قهر الحبس المنزلي والإبعاد

ستة عشر عاماً لم تكن كافية للطفل علي ليعي ويدرك معنى الأسر أو حتى مفهوم التعذيب. يقول والده بلال طه لرصيف22: "اعتُقل علي يوم الإصابة في 2 تموز/ يوليو، ورغم جرحه، اعتدى عليه جنود الاحتلال بالضرب المبرح على الحاجز وداخل غرفة التحقيق وبعد تحويله للمستشفى وإجراء عملية جراحية له بقيت القيود مثبتة في أطرافه وحوكم في عدة جلسات غيابية حتى أصدر قاضي المحكمة الإسرائيلية في 9 تموز/ يوليو قراراً بالإفراج عنه مشروطاً بالإبعاد عن منزله في مخيم شعفاط إلى منزل عمه في بيت حنينا، شمال القدس، والحبس المنزلي المفتوح ودفع كفالة نقدية، إضافة إلى التوقيع على كفالات أخرى لضمان شروط الإفراج".

مرّت الأيام ثقيلة على قلب الطفل وأسرته، فقد حُرم من عنايتها وهو في أمس الحاجة إليها وحُرمت منه إذ سحبت السلطات الإسرائيلية تصريح والدته التي تحمل هوية الضفة الغربية ومنعتها من زيارته خلال فترة إبعاده إلى منزل عمه في بيت حنينا شمال القدس.

يقول علي لرصيف22: "استمر ألم الإبعاد عن والدتي ومنزلي ثلاثة أشهر حتى نهاية شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، فنتيجة تدهور حالتي الصحية والنفسية وافقت المحكمة الإسرائيلية على طلب المحامي بعودتي إلى المنزل في مخيم شعفاط"، ويُتابع: "رغم تحول البيت إلى سجن والوالدين إلى سجانين إلا أنه كان أفضل حالاً من شعور النفي والإبعاد الذي كان يتملكني في بيت حنينا".

ما زال الفتى يعاني من وضع نفسي صعب نتيجة الحبس المنزلي من جهة وبسبب معاناته وأوجاعه الشديدة في ساقه. يقول والده لرصيف22: "اضطررت قبل أسبوعين للخروج به إلى الطبيب، وكانت النتيجة الاعتقال بذريعة خرق شروط الحبس المنزلي"، ويُضيف: "بعد ساعات طويلة من الاحتجاز في مركز حرس الحدود، وبعد تدخل المحامي وتقديمه طلباً للمحكمة من أجل الحصول على تصريح لاستكمال علاجه وافقوا بشرط الحصول على العلاج في مستشفى إسرائيلي لحين البت في قضيته".

وتلجأ السلطات الإسرائيلية إلى فرض عقوبة الحبس المنزلي على الأطفال المقدسيين الذين لا تتجاوز أعمارهم الـ16 عاماً كبديل للاعتقال الفعلي خلف القضبان، لحفظ صورتها أمام المجتمع الدولي بتجنب الاعتقال الفعلي للأطفال.

ويصف مفيد الحاج، محامي نادي الأسير الفلسطيني، الحبس المنزلي بأنه إجراء تعسفي وغير أخلاقي، يخالف قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني وكل المواثيق والأعراف الدولية وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 وبروتوكولاتها الاختيارية، وكذلك اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977.

ويوضح لرصيف22 أن قرار الحبس المنزلي يأتي بعد عقد محاكمة، ويكون مرتبطاً بتهديد الأب أو هدم المنزل أو غرامة مالية قد تصل إلى 5 آلاف شيكل إذا تمت مخالفة شروط الحبس المنزلي بالخروج لزيارة الطبيب دون الحصول على تصريح أو إذا جرى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

أحلام مستحيلة

في قرية العيساوية، شمال شرق مدينة القدس، حكاية أخرى وتفاصيل أيضاً مؤلمة لحادثة اعتقال وحبس منزلي تعرض لها الطفل طه رائد أبو ريالة (16 عاماً) من داخل منزله. فقد دهم أفراد قوات الاحتلال الإسرائيلي يوم 31 تشرين الأول/ أكتوبر منزله وأجروا أعمال تفتيش وعبثوا بمحتويات المنزل، وقبل انسحابهم اعتقلوه واقتادوه إلى أحد مراكز التحقيق، وبعد ساعات طويلة من التحقيق والتعذيب أفرجوا عنه شريطة الحبس المنزلي ومعنه من التواصل مع أصدقائه والخروج من المنزل ومن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

عقوبة الحبس المنزلي... تلجأ السلطات الإسرائيلية إلى فرضها على الأطفال المقدسيين الذين لا تتجاوز أعمارهم الـ16 عاماً كبديل للاعتقال الفعلي خلف القضبان، لتجنب اعتقالهم الفعلي وحفظ صورتها أمام المجتمع الدولي
"يهدف الاحتلال الإسرائيلي، بزيادته إلى تدمير جيل نفسياً ومعنوياً... ودفع العائلات المقدسية إلى منع أبنائها طواعية من المشاركة بأي شكل من أشكال المقاومة المشروعة للاحتلال"... عقوبة الحبس المنزلي

يؤكد والده لرصيف22 أن قرار الحبس المنزلي حرم طه من حقه في ممارسة طفولته، فلم يُسمح له بالعودة إلى مدرسته ومخالطة أقرانه في اللعب خارج المنزل، ناهيك عن أنه ما زال يخضع لمحاكمة.

يقول الأب بحرقة: "يحاول الاحتلال تمديد فترة الحبس المنزلي إلى حين يبلغ الطفل 17 أو 18 عاماً لتتم محاكمته كشخص غير قاصر والزج به في غياهب الأسر سنوات".

الاكتئاب أو السلوك الحاد تجاه الأهل كانت أهم التخبطات النفسية التي عانى منها طه خلال فترة الحبس المنزلي بانتظار محاكمته، نتيجة حرمانه من أبسط حقوقه كالتعليم واللعب واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

آثار سلبية على الطفل وعائلته

يترك الحبس المنزلي آثاره السلبية على الطفل وعائلته. وبحسب محمد الطويل، الخبير والمعالج النفسي المقدسي، فإن أحد أبرز تأثيرات الحبس المنزلي على الطفل إصابته بحالة صراع نفسي بين معتقده بأن المنزل بيئة آمنة لا يمكن أن يصاب فيها بالضرر وبين الطبيعة الجديدة التي يفرضها الاحتلال بجعل تلك البيئة ضاغطة ومانعة له من عيش طفولته كما يُريد.

وفي تفسير ذلك يقول الطويل "إن الاحتلال يحوّل المنزل الذي يعني دفء العائلة والملجأ الآمن إلى سجن مظلم يكون فيه الوالدان أو أحدهما سجانين".

ويعاني الطفل المفروضة عليه العقوبة، وفقاً للطويل، من أعراض مختلفة. فعلى الصعيد الدراسي تنتابه حالات من تشتت الانتباه ويُسهم انقطاعه عن الدراسة وعدم السماح بذهابه إلى المدرسة في تأخره الدراسي، وعلى الصعيد السلوكي يصبح أكثر عدوانية وأكثر انزواءً وانسحاباً من المجتمع، فيما يظهر لدى البعض اضطراب ما بعد الصدمة، بحيث يظل الطفل في حالة خوف من المداهمة الدائمة لقوات الاحتلال لمنزله لفحص التزامه بالحبس المنزلي، وذلك في ظل ترقب وانتظار للحكم بالسجن الفعلي أو التبرئة.

إفراط في استخدام العقوبة

يكشف عبد الناصر فروانة، رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية، عن إفراط في استخدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي لعقوبة "الحبس المنزلي"، بحق الفلسطينيين، وتحديداً المقدسيين.

وتوضح الإحصاءات أن المحكمة الإسرائيلية بدأت بوتيرة متصاعدة منذ اندلاع الهبة الشعبية في المسجد الأقصى في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 بإصدار قرارات الحبس المنزلي إذ بلغت آنذاك 60 قراراً، وأخذت في التزايد خلال عام 2016 لتصل إلى 78 قراراً، في حين بلغت 95 قراراً في عام 2017، وفي عام 2018 تجاوزت الـ100 قرار ومثلهما وأكثر خلال العام الجاري 2019.

"ويهدف الاحتلال الإسرائيلي، بزيادته لقرارات الحبس المنزلي إلى تدمير جيل نفسياً ومعنوياً، وهو يمارس هذه السياسة بشكل ممنهج من أجل التأثير على سلوك العائلات المقدسية ودفعها للقبول بالأمر الواقع ومنعها طواعية من المشاركة بأي شكل من أشكال المقاومة المشروعة للاحتلال"، يقول فروانة.

فيما يؤكد الحاج أن إسرائيل ذهبت بعيداً في تعاملها مع الأطفال الأسرى المقدسيين، فعدلت على الكثير من القوانين التي تتعلق باعتقالهم، إذ خفضت السن القانوني المسموح به لتقديم أطفال أمام المحكمة أو اعتقالهم خلف القضبان، كما أجرت تغييرات على قوانين تتعلق بنشاطات الأطفال واحتجاجاتهم على الاحتلال مثل تغريم الأهل بمبالغ باهظة نتيجة سلوك أبنائهم وانخراطهم في أية أعمال مقاومة شعبية.

وأشار الحاج إلى "أن كل هذه الممارسات الإسرائيلية تتنافى مع القوانين الدولية ولكن إسرائيل لا تأبه لذلك وتطبق قانونها بقوة السلاح"، محذراً من خطورة الظاهرة ومن احتمال تجذرها، في ظل استمرارها واتساعها، ما يجعلها جزءاً أساسياً من قرارات المحاكم الإسرائيلية وواقعاً ثابتاً يصعب تغييره في المدى القريب أو حتى البعيد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard