الثورة حررت لبنانيين كثراً من عوارض "متلازمة ستوكهولم"

الأحد 17 نوفمبر 201911:45 ص

يسجَّل للثورة اللبنانية، أو للانتفاضة اللبنانية، أنها، بعد سلسلة من الحراكات التي بدأت منذ عام 2011 وصولاً إلى اليوم، أسفرت عن إجماع كثيرين من اللبنانيين، للمرة الأولى منذ زمن، على خلع أحزابهم والنزول إلى الشارع، في تغيّر قد يُدرَّس لاحقاً كظاهرة اجتماعية ذات بعد مطلبي سياسي.

يمكن اعتبار هؤلاء، أكانوا منتمين إلى أحزاب مشاركة في السلطة أو معارضة لها، كنماذج عن انبثاق الحرية السياسية في بلدٍ ظاهره ديمقراطي، وباطنه قائم على ممارسات أقرب إلى العشائرية، في دولة مدنية النص الدستوري وطائفية الأعراف والتقاليد، وتتأسس على اختراعات سياسية كالديمقراطية التوافقية وصولاً إلى تقسيمات طائفية للمناصب والوظائف.

التضييقات على الحريات والممارسات السلطوية التي انتهجتها الحكومات "التوافقية" المتعاقبة وفشلها في وضع سياسات اقتصادية واجتماعية تقي اللبنانيين من الفقر أنتجت بركاناً انفجر في وجهها. مَن راقب الشارع اللبناني قبل 17 تشرين الأول/ أكتوبر، ما كان ليتوقّع حراكاً ثورياً. انسجام اللبنانيين مع أحزابهم كان أشبه بمشهد سجناء يتمسّكون بجلّاديهم، في أبرز تجلٍ لـ"متلازمة ستوكهولم" في وجهها السياسي.

وهنا يُطرح سؤال مشروع: كيف لمَن رضي بممارسات أحزابه وطبّل لها ورفع راياتها وشارك في مسيراتها أن ينتفض عليها؟

عام 1973، حاول جان أولسون سرقة بنكٍ في ستوكهولم السويدية، واحتجز 4 رهائنٍ لمدّة 6 أيام. لم تتوقّف مساعي الشرطة لإنقاذهم، لكن المفاجأة كانت بدفاعهم، أي الرهائن، عن جان. ولم تتنهِ فصول القصّة هنا، بل قام الضحايا الأربع بجمع تبرعاتٍ لمساعدة أولسون أمام القضاء.

يمكن تشخيص الوضع اللبناني قبل 17 أكتوبر بعوارض تتطابق مع عوارض "متلازمة ستوكهولم"، سياسياً، ثقافياً واقتصادياً. اللبناني المحزّب والمستقل تأقلم مع السياسات الاقتصادية الفاشلة، وانسجم مع تزايد الضرائب عليه لا بل وتماهى مع الفساد. هذا التكيّف الظاهر سابقاً جعل من الثورة مفاجأة وصدمة بدل أن تُعتبر نتيجة حتمية لفساد السلطة وسياساتها البوليسية.

ثورة 17 أكتوبر شكّلت العلاج الذي احتاجه المجتمع اللبناني المصاب بمتلازمة ستوكهولم، وستظهر نتائجها تباعاً في الأشهر والسنوات القادمة. لا تبعية عمياء بعد الآن
مَن راقب الشارع اللبناني قبل 17 تشرين الأول/ أكتوبر، ما كان ليتوقّع حراكاً ثورياً. انسجام اللبنانيين مع أحزابهم كان أشبه بمشهد سجناء يتمسّكون بجلّاديهم، في أبرز تجلٍ لـ"متلازمة ستوكهولم" في وجهها السياسي

وصل بعض المنتمين من الأحزاب إلى خلاصة واضحة: عندما تتعارض مصلحتك ومستقبلك كما مستقبل أبنائك مع مصلحتك الحزبية، يجب اختيار المستقبل. لم تقدّم الأحزاب على اختلاف مكوّناتها وعلى مدى 30 عاماً أي بادرة خير ممكن أن تغفر لها فسادها: صفقات ومحاصصة ومحسوبيات وتفرقة ومناطقية وطائفية لا بل وفدرلة مقنّعة. والآن تتجاهل حركة الجماهير.

في بلد تاريخه الحديث عبارة عن حروب أهلية واحتلالات وطلب تدخلات أجنبية، كسرت مدينة طرابلس صورتها النمطية التي أطّرتها فيها السلطة وعلى رأسها سياسيو المدينة، وانتفضت صيدا مع الشمال والبقاع والجنوب.

وجسّد "شهيد الثورة" علاء أبو فخر، التقدمي الاشتراكي الذي تخلى عن انتمائه الحزبي ونزل إلى الشارع، بدمه، صورة انتفاضة اللبنانيين على أحزابهم.

ثورة 17 أكتوبر شكّلت العلاج الذي احتاجه المجتمع اللبناني المصاب بمتلازمة ستوكهولم، وستظهر نتائجها تباعاً في الأشهر والسنوات القادمة. لا تبعية عمياء بعد الآن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard