"الحكي عليه جمرك في لبنان"... كيف ارتبط قمع الحريات بتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟

الجمعة 15 نوفمبر 201902:03 م
Read in English:

Lebanon’s Uprising Followed an Unprecedented Wave of Oppression

"لبنان جيد إذا كنت تريد الرقص في الليل وعدم المشاركة في السياسة. خلاف ذلك، أصبح جحيماً"، بهذه الكلمات القليلة لخصت الصحافية والباحثة اللبنانية حنين غدار ما آلت إليه حرية الرأي والتعبير في لبنان خلال السنوات الأخيرة.

وردت شهادة غدار في تقرير نشرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية الدولية في 15 تشرين الثاني/نوفمبر ضمن مؤتمر "خبز ونت" الذي تنظمه مؤسسة "تبادل الإعلام الاجتماعي" (SMEX).

التقرير الذي حمل عنوان "الحكي عليه جمرك: تجريم التعبير السلمي في لبنان"، وجد ارتباطاً ملحوظاً بين قمع حرية التعبير والرأي في لبنان وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية وخروج المواطنين إلى الشوارع للاحتجاج، أو انتقاد ذلك عبر الإنترنت.

استعرض التقرير الذي استغرق إعداده عاماً عشرات الحالات التي اعتمدت فيها السلطات اللبنانية قوانين جزائية تجرم القدح والذم والتحقير من أجل"الانتقام" من الصحافيين والنشطاء والمواطنين من منتقدي المسؤولين أو السياسات الحكومية، برغم أن حالات عدة كانت تتعلق بآراء المواطنين في قضايا ملحة أو فساد بين عامي 2015 و2019.

ورصد التقرير، في 99 صفحة، الفترة الممتدة من عام 2015 حين خرج الآلاف من المواطنين احتجاجاً على أزمة النفايات تحت شعار "طلعت ريحتكم"، حتى الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في 17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي تنديداً بالفساد وطلباً لـ"إسقاط النظام".

ترهيب وإسكات

بين كانون الثاني/يناير عام 2015 وأيار/مايو من العام الجاري، فتح مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية اللبناني 3,599 تحقيقاً في ادعاءات تشهير. بين 2015 و2018 ارتفع عدد قضايا التشهير المرتبطة بالتعبير عن الرأي عبر الإنترنت بنسبة 325%.

من هؤلاء، قضت المحاكم الجنائية اللبنانية بسجن ثلاثة أشخاص على الأقل، أحدهم حصل على 9 أحكام بالسجن (بين شهرين وستة أشهر) في قضايا جزائية مختلفة رفعها ضده سياسي واحد.

خلال الفترة نفسها، أصدرت محكمة المطبوعات حكماً واحداً بالحبس على الأقل، فيما أصدرت المحكمة العسكرية 3 أحكام، نُقض اثنان منها في مرحلة الاستئناف. 

وترى "هيومن رايتس ووتش" أنه على الرغم من أن معظم الأحكام صدرت غيابياً وقضى عدد قليل من الأشخاص محكوميتهم، فإن السلطات الأمنية "أخافت، بشكل غير لائق وأحياناً غير قانوني، أفراداً متهمين بهذه القضايا وحاولت إسكاتهم". 

واستخدمت السلطات أساليب استجواب جسدية ونفسية يعتقد الذين تعرضوا لها أن المحققين أرادوا بها إذلالهم ومعاقبتهم وردعهم عن نشر أي محتوى قد يكون مهيناً أو منتقداً لأصحاب النفوذ في البلاد.

وليد رضوان الذي اقتيد إلى شعبة المعلومات التابعة للأمن الداخلي في طرابلس في أيلول/سبتمبر من العام الماضي بسبب منشور ساخر على فيسبوك عن سياسي بارز، قال: "سألني المحقق ’يا كلب، كيف تجرؤ على الكتابة عن (السياسي)؟‘ ثم ضربني ثلاث مرات على الرأس والوجه. لم يكن الضرب من النوع الذي يؤلمك جسدياً، ولكن الذي يؤذي كرامتك".

بحث المحققون في هواتف المتهمين في قضايا التشهير وحساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون إذن قضائي أيضاً.

بعض المتهمين بدأوا ممارسة "رقابة ذاتية" وآخرون هاجروا تفادياً لتكرار التجربة الصعبة... الأوضاع الاجتماعية والسياسية الصعبة في لبنان رافقتها موجة من قمع حرية التعبير للصحافة والمواطنين
"لبنان جيد إذا كنت تريد الرقص في الليل وعدم المشاركة في السياسة. خلاف ذلك، أصبح جحيماً"... شهادات صادمة عما وصل إليه حال حرية التعبير في لبنان

وضغط محققون على أشخاص ليوقعوا تعهدات بعدم انتقاد المدعي مستقبلاً، أو بإزالة المحتوى المهين فوراً، قبل أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم أمام المحكمة.

من هؤلاء الصحافي والناشط محمد عواد الذي طُلب منه في العام الماضي التوقيع على تعهد بعدم إهانة الزعماء الدينيين أو التحريض على التوتر الطائفي، وإلا فإنه سوف يحتجز.

كان ذلك بسبب مقال استعرض فيه عواد وجهة نظره لاستعداد البعض الموت من أجل حزب الله، التضحية التي رآها تتنافى مع الطبيعة البشرية.

وأوضح عواد: "أخبرتهم أنني سأوقع هذه الورقة لأن ليس لها أي تأثير قانوني. هذه أشياء تحدث في الأفلام فقط".

أما مراسل صحيفة "ديلي ستار" تيمور أزهري، فاستجوب ثماني ساعات بسبب نشر مقال عن حالة عاملة منزلية زعمت تعرضها لانتهاكات من قِبل أصحاب عملها، فأمره المحقق بحذف تغريدته عن تويتر.

وقال أزهري: "قال لي ’سواء أعجبك ذلك أم لا، ستحذفها، وإذا لم تحذفها، سنصفعك، وستقضي ليلة في الزنزانة، ثم ستحذفها. لذا من الأفضل لك حذفها الآن‘. أدركت حينذاك خطورة الوضع. كان قلبي ينبض بسرعة، ثم يتضح الأمر لك: أنت محتجز لدى قوى الأمن الداخلي. يستجوبك شخص متحيز ضدك منذ البداية".

ومن 42 مقابلة أجرتها المنظمة مع محامين ومتهمين في قضايا تشهير جزائية، أفاد معظم المتهمين بأنهم يمارسون، بعد التجارب المرعبة التي عاشوها بسبب هذه القضايا، "رقابة ذاتية".

شعر بعض الذين حُقق معهم في قضايا تشهير بأنهم مجبورون على نفي أنفسهم إلى الخارج لخوفهم من الاعتقال أو المضايقة، فيما خسر آخرون وظائفهم ووجدوا صعوبة في إيجاد وظيفة جديدة. وتركت الغرامات والعقوبات الأخرى أثراً كبيراً على الآخرين.

الصحافة مستهدفة أيضاً

إسكات الصحافيين والمطبوعات والمواقع التي تنتقد الفساد الحكومي وسوء استغلال الموظفين العامين سلطات مناصبهم في البلاد بدَوَا أكثر انتشاراً.

الصحافي اللبناني ومؤسس موقع "لبنان ديبايت" ميشال قنبور أكد أنه تعرض للمقاضاة بتهم تشهير 30 مرة منذ العام 2012.

قنبور الذي حوكم بدون علمه وصدر ضده حكم بالسجن 6 أشهر وغرامة 10 ملايين ليرة لبنانية (نحو 7 آلاف دولار) عام 2018، بسبب مقال اتهم فيه مدير مؤسسة حكومية بالفساد، أوضح أن "قانون المطبوعات (اللبناني) لا يحترم مبادئ القانون الدولي لأن صدق الحقيقة لا يهم... لذلك أي مادة شُجاعة يجب أن تتوقع دعوى قضائية". 

وأضاف: "عام 2019، من المخزي أن تصدر محاكمنا أحكاماً بسجن الصحافيين. السبب الوحيد الذي يبرر حبس الصحافي هو التحريض على العنف. يفترض أن إهانة شخص ما لا ينبغي أن تكون سبباً".

واحدة من أشهر قضايا التشهير المشينة في لبنان، بطلتها الصحافية والباحثة حنين غدار التي حكم عليها بالسجن 6 أشهر، في كانون الثاني/يناير عام 2018، بتهمة إهانة الجيش اللبناني خلال تعليقات لها في مؤتمر بواشنطن عام 2015.

من تلك التعليقات أن الجيش اللبناني يميز بين "الإرهاب الشيعي والإرهاب السني"، إذ لم يتخذ إجراءات صارمة ضد جرائم الميليشيات الشيعية التي يحيمها حزب الله.

رأت غدار أن الحكم كان مجرد "رسالة"، وهي تؤكد: "لقد انتهى زمن حرية التعبير الذي تمتعنا به فترة من الزمان. عدنا الآن إلى ما قبل عام 2005 (وقت الاحتلال السوري للبنان). بدلاً من الجيش السوري، لدينا الآن الدولة اللبنانية".

وتابعت: "لبنان جيد إذا كنت تريد الرقص في الليل وعدم المشاركة في السياسة. خلاف ذلك، أصبح جحيماً".

نهاية أيلول/سبتمبر الماضي، ذكر مكتب الرئيس اللبناني في بيان أن أولئك الذين يقومون بـ "بث وقائع أو مزاعم كاذبة لإحداث التدني في أوراق النقد الوطنية، أو لزعزعة الثقة في متانة نقد الدولة وسنداتها وجميع الأسناد ذات العلاقة بالثقة المالية العامة" قد يواجهون عقوبة "تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامات مالية".

وبعد ساعاتٍ، تحديداً مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، استدعى "مكتب الجرائم الإلكترونية" الصحافي في موقع "مستقبل ويب" عامر الشيباني لاستجوابه بسبب منشور له عبر تويتر عن أن مصرفه لا يسلم الزبائن دولارات، و"طلب" منه حذف تغريدته، وهذا ما فعله.

وفي الخامس من الشهر نفسه، تقدم أربعة محامين لبنانيين بشكوى ضد مجلة "إيكونومست"، بتهمة "إلحاق الأذى بسمعة لبنان وتحقير العلم اللبناني في تقرير لها عن نقص الدولار".

الصحافي الاستقصائي رياض قبيسي قال إن مسؤولاً حكومياً رفع على الأقل قضيتَي تشهير ضده لنشره وثائق وتسجيلات مكالمات ورسائل عبر واتساب نهاية تشرين الأول/أكتوبر، تكشف تورط المسؤول في ممارسات فاسدة. برغم أن النيابة اللبنانية العامة اتهمت المسؤول بإهدار الأموال العامة بناءً على أدلة قبيسي.

واقتحم نحو عشرة عناصر أمنية مكاتب موقع "درج" وأوقفوا رئيس التحرير والمؤسس الشريك حازم الأمين بسبب دعوى تشهير.

وقال الأمين: "طريقة قيادتهم في الشارع، مع صافرات الإنذار والموكب، كانت كما لو أنهم اعتقلوا (زعيم داعش) أبو بكر البغدادي".

الآراء السياسية أيضاً

لاحقت السلطات اللبنانية أيضاً أشخاصاً بسبب تعليقات على أوضاع سياسية، بعضها نشر علناً وبعضها الآخر في نطاق خاص. 

المعلّق السياسي المعروف هاني النصولي احتجزته قوى الأمن الداخلية بسبب رسالة صوتية أرسلها إلى مجموعة خاصة عبر تطبيق واتساب في آب/أغسطس عام 2018 وحُقق معه سبع ساعات بتهمتَي "إثارة النعرات المذهبية وتعكير صلات لبنان بدولة شقيقة".

قال لهيومن رايتس ووتش: "هذا رأي سياسي، وليس إهانة شخصية. أنا أتحدث في السياسة، واتهامي بأني أثير النعرات المذهبية سخيف. على العكس من ذلك، أنا أنتقد أولئك الذين يفعلون ذلك".

"ينبغي تعديل القانون"

تخشى "هيومن رايتس ووتش" على الآلاف الذين خرجوا أخيراً إلى الشوارع منتقدين الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان من انتقام مشابه، لذا توصي مجلس النواب اللبناني منح الأولوية لإلغاء القوانين الجزائية التي تجرم القدح والذم والتحقير حمايةً من انتقام مماثل.

الدستور اللبناني يكفل حرية التعبير، لكن "ضمن دائرة القانون"، كما أن قانون العقوبات يجرم القدح والذم والتحقير ضد المسؤولين العموميين ويجيز الحبس حتى سنة. يجيز القانون أيضاً الحبس حتى سنتين في حالة إهانة الرئيس وحتى ثلاث سنوات في حال إهانة الشعائر الدينية. ويجرم قانون القضاء العسكري تحقير العلم أو الجيش ويعاقب عليها بالحبس حتى ثلاث سنوات.

ويناقش مجلس النواب اللبناني حالياً قانون إعلام جديد يعدّل أحكام التشهير المتعلقة بالمحتوى المنشور. وبرغم أن القانون المقترح يمنع الاحتجاز قبل المحاكمة لجميع جرائم النشر، فإنه يلغي الأحكام بالسجن للتشهير المزعوم، كما يرفع عقوبة السجن والغرامات في بعض الحالات.

وقال نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش جو ستورك: "قوانين القدح والذم الجزائية سلاح فتاك في يَد من يريد إسكات الانتقاد والنقاش بشأن القضايا الاجتماعية والحقوقية الملحة. في هذه المرحلة المفصلية، ينبغي للمسؤولين اللبنانيين حماية حرية التعبير وليس خنقها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard