الجنس بيولوجي والجنوسة ثقافية... محاولات تعريف الجندر

الثلاثاء 19 نوفمبر 201906:08 م

يستعمل المترجم عدنان حسن مفردة "الجنوسة"، لترجمة مفهوم "الجندر" من اللغة الإنكليزية، وذلك في الترجمة التي قدمها مع "دار الحوار" مؤخراً لكتاب "ديفيد غلوفر وكورا كابلان" الذي يحمل هذا العنوان "Genders"، والذي يبحث فيه المؤلفان في النصوص الأساسية التي أصّلت لمفهوم الجندر أو الجنوسة، للوصول إلى تعريفات أكثر وضوحاً لهذا المفهوم.

إدراج كلمة "الجندر" في القواميس الإنكليزية

يعتبر المؤلفان أن مصطلح الجندر أو الجنوسة الآن أحد المصطلحات الأكثر تعقيداً والأكثر تقلقلاً، فهي كلمة تبرز على نحو غير متوقع في كل مكان، مع أن استعمالاتها تبدو متغيرة باستمرار، وهي دائماً في حالة تقدم لإنتاج معان جديدة ومتنوعة، فيكتبان في هذا الإطار: "نحن نتحدث عن أدوار الجنوسة Gender roles، ونقلق بشأن الفجوة الجنوسية بين الجنسين، ونتساءل ما إذا كانت أفكارنا ليست متحيزة جنوسياً لأحد الجنسين Gender - baised أو محددة جنوسياً gender-specific. وقد نبحث عن معلومات إضافية عن هذه الموضوعات والموضوعات المتصلة بها، في قسم دراسات الجنوسة gender studies السريع الاتساع في مكتباتنا".

يوضح الكتاب أن استعمال مصطلح الجنوسة في القواميس لم يظهر حتى أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، فمصطلحات مثل: دور جنوسي gender – role، أو هوية جنوسية gender identity، أو حتى مزدوج الجنوسة gender bender، لم تظهر إلا في العام 1989 في قاموس أكسفورد الإنكليزي. وحتى منتصف القرن الثامن عشر، كان الجسد البشري يصور على أنه جسم من لحم واحد. بعبارة أخرى، بوصفه يتكون من جنس واحد، تكون فيه الاختلافات الجنسية مسألة درجة أكثر ما هي مسألة نوع، على حسب ما كتب "لاكوور" في العام 1990.

لذلك، كان بمقدور جراح القرن السادس عشر الشهير أمبروزا باري، أن يكتب في ذلك الحين: "الجنس ليس شيئاً آخر سوى تميز الذكر والأنثى، الذي يكون فيه هذا هو الأكثر قابلية للملاحظة، لأنه فيما يتعلق بأجزاء الجسد وموقع هذه الأجزاء، يوجد اختلاف طفيف بينهما، لكن الأنثى أبرد من الذكر". وقد رأى باري أن الأقل احتمالاً بكثير هو أن يتحول الرجال إلى نساء، مبرراً ذلك بالقول: "لأن الطبيعة تنحو دائماً نحو الأكمل وليس العكس، إلى الأداء بطريقة بحيث إن الكامل يصبح ناقصاً"، وبذلك يعتبر الذكورة حالة أعلى تطورياً من الأنوثة.

القرن التاسع عشر القرن الجنوسي

لذلك، يعتبر الباحث والمؤرخ الفرنسي ميشيل فوكو، أن القرن التاسع عشر هو المرحلة التاريخية التي اتخذت الجنسانية فيها تدريجياً، منزلة جديدة كموضوع للمعرفة العلمية والشعبية. لقد شهد هذا القرن "انفجاراً استطرادياً"، حسب تعبير فوكو، حول مسألة الجنس، وبات يحكى عنه بشكل أوسع أو أغلب أو أكثر صراحة، فأرخيت قبضة التقاليد الكبتية أو التابوهات المحرمات.

وبحسب فوكو، فإن ما ثوّر الجنس في القرن التاسع عشر، كان الطريقة التي بدأت تنتشر بها الأفكار حول الجنسانية. لقد لامست الجنسانية كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية الحديثة، يكتب فوكو عن دخول الجنس بوضوح إلى العالم الطبي: "يكاد لا يوجد مرض أو اضطراب جسدي لم يلصق به القرن التاسع عشر، على الأقل درجة ما من السببية الجنسية"، ما يعني أن الجنسانية أصبحت في القرن التاسع عشر أكثر بكثير من واجهة للطبيعة البشرية مقر اللذة والرغبة، أضحت مبدأ للتفسير، ويمكن تمييز آثارها بطرق كثيرة، في أية مرحلة وفي أية حالة من الحياة البشرية.

هكذا، ارتبطت الجنسانية إذاً بقدرة الكائنات على الفعل، ورسمت الحدود لما يمكننا التفكير به والقيام به. وأصبحت الخطابات الجنسية، كما يبين فوكو، متنوعة بشكل مذهل، إذ تتراوح من النقاشات التربوية حول كيفية تعليم وتأديب الأولاد والقاصرين، إلى دراسة الحالات الطبية والطبية النفسية لأفراد مضطربين، إلى مقالات حول السكان والديموغرافيا، وحتى إلى أفكار حول التصميم المناسب للأبنية، بما في ذلك المنازل الأسرية، والمهاجع وقاعات الصفوف الدراسية.

ازداد الميل إلى وضع الجنس موضع بحث، حتى للبحث عن الحقيقة العلمية حول السلوك الجنسي، وفتحت، على نحو تدريجي، طرقاً جديدة يمكن بها تخيل الإمكانيات الجنسية والهوايات الجنسية، والتي غيرت بشكل دائم مفهوم الناس الأكثر حميمية لذواتهم الجنسية، ولذلك يعتبر فوكو أن القرن التاسع عشر والقرن العشرين شهدا ظهور أشكال جنسانية متباينة، ما فرض تغيرات جنسانية كبرى بطبيعة الحال.

تحديد موقع الجنوسة ضمن حقل الثقافة هو الوسيلة الأساسية لتحدي الحتمية المفترضة لخضوع النساء... "تفكيكاً للذكورة والأنوثة سعياً إلى تقليل أو تقليص قدرة البيولوجيا البشرية على دعم الصفة الثابتة والدائمة بشكل زائف لهذه المصطلحات"

"ومن وجهة نظر الطبيعة، الرجال والنساء أقرب إلى بعضهما البعض من أي شيء آخر. لذلك فإن الهوية الجنوسية الحصرية، بعيداً عن كونها تعبيراً عن اختلافات طبيعية، هي قمع للتشابهات الطبيعية"

دور فرويد في الكشف عن الجنسانية

بالطبع لم يحدث هذا التحول الثقافي بين عشية وضحاها، ولم يحصل مرة واحدة إلى الأبد، فقد استمرت البيولوجيا الجنسية والسيكولوجيا الجنسية في كونهما مدمجتين. إن كثيراً من قوة كتاب سيجموند فرويد "ثلاث مباحث في نظرية الجنس، 1905" أحد النصوص المؤسسة للتحليل النفسي، يكمن في نقده للاعتقاد الواسع الانتشار، بأن الحاجة إلى الجنس تساوي الحاجة إلى الطعام، فجعلها من الوظائف الإنسانية للجسد البشري. وبدراسات فرويد عن الانحرافات الجنسية فتح الباب لمظاهر جنسية متنوعة للغريزة الجنسية، مثل: المثلية، الفتيشية، حب التلصص وغيرها الكثير من العوامل التي ساعدت على كشف الغريزة الجنسية، وأظهرتها لتكون أعقد بكثير مما كان يفهم عموماً.

مؤلفات فرويد أثارت مسألة العلاقة بين الرغبة والجسد، وهو التي يعود إليه تأسيس الافتراض القائل بأن الحقيقة حول ذواتنا يمكن إيجادها في طبيعتنا الجنسانية، وفي هذه المنطقة من التداخل بين علم الجنس والتحليل النفسي نجد لأول مرة أن مصدر الجنوسةgender الحديث يبدأ بالظهور.

في أوائل الستينيات من القرن العشرين استعمل مصطلح الجنوسة gender للإشارة إلى الجوانب الاجتماعية والثقافية للاختلاف الجنسي. في العام 1963، ظهر كتاب بعنوان "الجنس في المجتمع"، كتب فيه المؤلف أليكس كومفورت: "الدور الجنوسي الذي يتبناه الفرد – الرجالي أم النسائي – وفقاً لمعايير ثقافته، يتم تعلمه تعلماً كلياً تقريباً وكافياً بشكل غريب، وقلما يكون داخلاً في بنيته. إن الدور الجنوسي الذي يتم تعلمه في سن الثانية هو بالنسبة لمعظم الأفراد غير قابل للانعكاس، حتى لو سار ضد الجنس الجسدي للشخص".

استعمل كومفورت مصطلح الجنوسة للدلالة على التنوع الواسع في أساليب السلوك بين المجتمعات، وذلك لتكوين وعي بالتنوعات الثقافية، وهو يوضح أيضاً أن الهويات الجنوسية الثقافية تفرض على الأفراد سلوكيات مقيدة. لذلك سعى لإزالة الغموض عن الجنسانية البشرية في سبيل تحرير الأفراد والمجتمعات مما يعتقد أنها تابوهات جنسية غير قابلة للنقد.

الفارق بين الجنس والجنوسة

في العام 1968، ظهرت محاولات المحلل النفسي وعالم الإناسة روبرت ج.ستولر، في التنظير للفارق بين الجنس والجنوسة، وذلك في كتابه "الجنس والجنوسة: حول تطور الذكورة والأنوثة". استعمل ستولر مصطلحgender للإشارة إلى تعقيدات ما وصفه بـ"تلك المناطق الهائلة من السلوك والمشاعر، والأفكار والاستيهامات التي تكون مرتبطة بالجنسين، ومع ذلك لا تمتلك الدلالات البيولوجية أساساً لها". وفي العام 1977، بدأت كيت ميليت برسم الخطوط العامة لنظريتها حول البطريركية، وذلك في كتاب "السياسة الجنسية"، الذي كان أحد النصوص المؤسسة لموجة النسوية الثانية.

اعتمدت ميليت على كتابات سابقها ستولر، لإثبات أن الذكورة والأنوثة في الواقع هما ثقافتان، ولم تكن ميليت تبتعد سوى خطوة واحدة عن إرجاع التضاد بين الجنس sex والجنوسة gender إلى ذاك الفارق بين الطبيعة والثقافة.

من هنا أصبح تحديد موقع الجنوسة ضمن حقل الثقافة الوسيلة الأساسية لتحدي الحتمية المفترضة لخضوع النساء، وجزءاً مما دعاه المؤرخ جوان سكوت في العام 1988: "تفكيكاً للذكورة والأنوثة سعياً إلى تقليل أو تقليص قدرة البيولوجيا البشرية على دعم الصفة الثابتة والدائمة بشكل زائف لهذه المصطلحات".

المتاجرة بالنساء

في العام 1975، كان مقال غايل روبن الشهير بعنوان "المتاجرة بالنساء: ملاحظات حول الاقتصاد السياسي للجنس"، وهو من المحاولات الأكثر تأثيراً لتعريف التمايز بين الجنس والجنوسة، وإظهار التباين البارز بينهما.

ففي تحليل نظري وثقافي، جادلت روبن بأن كل مجتمع يمتلك ما تدعوها "منظومة جنس/ جنوسة"، مغايرة ومتعلقة بثقافته، وقد كتبت في هذا الإطار: "مثلما إن الجوع يمكن إشباعه بأي عدد من الأنواع المختلفة من الطعام، كل واحد منها يعرف ويستحصل ثقافياً، كذلك فإن الجنس في أي مجتمع مفترض، يتم ترشيحه وتصفيته عبر مدونات القوانين السائدة ثقافياً، والتي تنظم السلوك المقبول لدى الرجال والنساء. لكن هذه المدونات تضبط ليس فقط العلاقات الاجتماعية للجنسانية، بل تحدد أيضاً التقسيم الاجتماعي بين الجنسين، الأساس الذي يوضع عليه الرجال والنساء في فئتين متبادلتي الاستبعاد".

هذه المقالة لغايل روبن واحدة من أكثر المحاولات اللافتة للتمعن في أسباب التفاوتات الجنوسية، دافعت فيها روبن بأنه: "ومن وجهة نظر الطبيعة، الرجال والنساء أقرب إلى بعضهما البعض من أي شيء آخر. لذلك فإن الهوية الجنوسية الحصرية، بعيداً عن كونها تعبيراً عن اختلافات طبيعية، هي قمع للتشابهات الطبيعية. إنها تتطلب الكبت لدى الرجال، كبت أي طبعة محلية من الصفات الأنثوية، ولدى النساء كبت التعريف المحلي للصفات الذكورية".

تحرير التنوع الإنساني الحقيقي

وهنا نصل إلى الإسهام المتميز الذي قدمته الكاتبة جوديث بتلر، بتوضيح أهمية العمل على النقد الثقافي لتحرير الإنسان من الهويات الثقافية المفروضة عليه، تكتب في العام 1990: "إن الهدف من النقد الثقافي ليس فقط كشف القناع عن تصور للطبيعة تقييدي وناقص أساساً، بل أيضاً تحرير التنوع الإنساني الحقيقي، لأنه أكثر طبيعية بشكل أصيل، من قيود العرف الاجتماعي. وبإزالة هذه العوائق الثقافية التعسفية والاصطناعية، قد يكون من الممكن حتى أن نتخيل إطاحة الجنوسة ذاتها".

مع كتابات بتلر لم يعد الجنس مقولة "طبيعية/ بيولوجية" والجنوسة مقولة "ثقافية"، بل دفعت الارتباط بينهما لأبعد من ذلك، وحاولت أن توضح أن كليهما مقولتان ثقافيتان تحيلان إلى طرق وصف وفهم الأجساد البشرية والعلاقات البشرية، أي علاقتنا بذواتنا وبالآخرين. وفي كتابها الهام "مشكلة الجنوسة،1990" جادلت بتلر بأن: "الجنوسة هي هوية يتم تكوينها على نحو غامض في سياق الزمن، تدشن في فضاء خارجي من خلال تكرار مؤسلب للأفعال. يحدث تأثير الجنوسة من خلال أسلبة الجسد، وبالتالي يجب فهمها بوصفها الطريقة الدنيوية التي تشكل بها الإيماءات والحركات والأساليب الجسدية من مختلف الأنواع وهماً ذا جنوسة دائمة".

لكن يجب الانتباه هنا، إلى أن زعم بتلر بأن الجنوسة هي بالدرجة الأولى فعل تدليل، ترميز، أو تمثيل، لا يجب أن يوحي بأن الجنوسة هي مسألة اختيار، مسألة التقاط وطرح هويات عند الرغبة، فقد حذرت بتلر نفسها من هذه القراءة المضللة بعمق، أي اعتبار الجنوسة هوية اختيارية، بل هي أميل إلى النظر إليها وكأنها هوية مفروضة ثقافياً. اعتبرت الجنوسة كهوية نكافح ضدها أيضاً: "هوية تديمنا كما تقيدنا في الوقت نفسه".

إذن، يقدم كتاب "الجنوسة" المحاولات التاريخية في تعريف الجنس والجنوسة، منذ الكتابات التشريحية للجراح الشهير أمبروزا باري، مروراً بما حمله القرن التاسع عشر من اهتمام بموضوعة الجنسانية، ومن ثم المرحلة المركزية في معالجة هذه الموضوعة، وهي سنوات الستينيات من القرن العشرين، وصولاً في النهاية إلى نصوص السبعينيات حتى التسعينيات من القرن الماضي، التي أكدت على ضرورة العمل على التفكيك الثقافي لهذه الهويات البيولوجية والثقافية، كل ذلك يؤكد على أن ضرورة العمل المستمر في تقديم مقاربات وطرق جديدة، أغنى وأكثر تنوعاً لاكتشاف جنسنا وجنسانيتنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard