الاقتباس... مفردات وقصص وعبارات القرآن في الأدب

السبت 7 ديسمبر 201912:37 م

يأتي هذا المقال ضمن ملفّ قسم ثقافة في رصيف22 "تفاسير القرآن... إبداع دينامي ثري"

منذ بداية الوحي، وضح تأثير القرآن على المخيلة العربية المفتونة بفنون الشعر والأدب والخطابة، لفرادة خواصه اللغوية والصورية، ولقد قورن بالنصوص التي عرفت لدى العرب من أهل الفصاحة والبلاغة، ليجد، حتى من لم يؤمن منهم بالرسالة، إعجازاً في اللغة الشعرية التي وردت في القرآن لم يسبقه إليها أديب، ولم يتمكن اللاحقون من محاكاتها أو تقليدها وإنتاج ما يماثل القرآن في البراعة اللغوية والشعرية.

إلا أن أثر القرآن على الأدب العربي يبدو ظاهراً منذ القرن الأول الهجري، في استعمال مفرداته وعباراته وصوره وحتى قصصه، وهذا ما سمي بالاقتباس أو السرقة.

وقد تباينت آراء الباحثين في مسألة جواز الاقتباس، فمنهم من قال إنه محاولة لمعارضة القرآن والحطِّ من قدره، ومنهم من رأى الدافع للاقتباس من النص القرآني هو التبرّك به بصفته نصاً مقدساً، وآخرون فصلوا مواطن جوازه من عدمه في رسائل وأبحاث ومقالات، أقدم ما وصل إلينا منها هو رسالة شمس الدين محمد بن أبي اللطف "رفع الالتباس عن منكر الاقتباس"، في بيان جواز الاقتباس شرعاً مع الأدلة. في هذا المقال نتابع بحث الدكتور بلا الأورفه لي، رئيس قسم العربية ولغات الشرق الأدنى في الجامعة الأمريكية في بيروت، وأستاذ كرسي الشيخ زايد. ونطرح سؤالين: هل يعتبر القرآن نصاً أدبياً؟ وهل يجوز الاقتباس منه في نصوص أدبية أخرى؟

المقاربة الأدبية للقرآن

يشير الباحث المصري نصر حامد أبو زيد في دراسته "مأزق المقاربة الأدبية للقرآن"، إلى أن التعامل مع القرآن كنص أدبي في الثقافة العربية والإسلامية يعود للقرن الثالث الهجري، وقد بدأ بالجدال حول إعجاز القرآن وتفوقه على كل النصوص التي ألفها العرب وتداولوها. وفي تحدي الإتيان بمثل آيات القرآن، "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً" (الإسراء 88)، يشير أبو زيد إلى نظرية الصرفة التي قدمها الفيلسوف المعتزلي إبراهيم بن سيار النظّام، وخلاصتها أن الإعجاز يكمن في تدخل الله لمنع ظهور نص مماثل، وأنه بدون هذا التدخل لكان التحدي يسيراً على بلغاء العرب، وهذا ينطوي على أن إعجاز القرآن ليس لغوياً بقدر ما هو في الإخبار عن الغيوب.

وقد رفض الفقيه الأشعري القاضي أبو بكر الباقلاني هذا الطرح، على اعتبار أن النصوص السماوية السابقة لم تصنّف تحت مسمى المعجزات برغم تضمنها على نبوءات، ووضع التأليف واللغة ضمن مواطن الإعجاز، ففرادة القرآن اللغوية بالنسبة له تكمن في أنه ليس شعراً ولا نثراً، بل هو جنس أدبي لوحده.

في دراستها "التلاعب بالنص المقدس: الاقتباس الديني في الأدب"، ترى الباحثة فدوى مالطي دوغلاس أن القرآن يحمل الكثير من خصائص الأدب، ويعد مزيجاً سردياً حكائياً توجيهياً يجمع بين الشعر والنثر، وأن اعتباره كنص أدبي يناظر الأعمال التي قدمت في النثر العربي يأتي من النماذج القصصية التي يقدمها. لكنها تجد أن التعامل مع هذه النصوص غالباً ما يتم ضمن إطار ديني غير أدبي، مثل دراسات عن السنة والأخلاق وفقه الدين، ولذا تسعى في دراستها إلى رصد ورود النصوص الدينية في أدب الطرائف مثل قصص الطفيليين، والتي تم فيها التعامل مع الآيات القرآنية كأمثال شعبية. تذكر دوغلاس أنه في إحدى القصص استخدم طفيلي الأعداد الواردة في آيات قرآنية ليحصل على مزيد من الطعام، فبدأ بقوله "قل هو الله أحد" ليحصل على قطعة حلوى واحدة، وبقي يذكر آيات القرآن حتى وصل للعشرين، فرمى المضيف الطبق عليه وشتمه.

وفي قصة أخرى ترد في كتاب دوغلاس استخدمت فيها لفظة من القرآن بشكل إباحي، أن بدوياً زار أحد الرجال وأمامه طبق من التين، فلما رأى الرجل ضيفه، وهو أحد الطفيليين، خبأ الطبق تحت ثوبه. وفي الحديث مع ضيفه سأله عما يحفظ من القرآن، فقال الآية "والزيتون وطور سنين"، فسأله الرجل وأين ذهبت بالتين؟ فرد إنه تحت عباءتك، في إشارة منه إلى خصيتيه.

في مقاله "الاقتباس المكروه عند النقاد العرب في العصور الوسطى"، يشير الكاتب غريت غيلدر إلى أن تضمين القرآن في أبيات الشعر كان مكروهاً، وبخاصة إذا ورد بغير معناه الديني، بسبب الاتهام الذي رافق دعوة النبي محمد بأنه شاعر، وأن الوحي الذي يزعمه هو محض أبيات شعرية، وهذا ما أدانه الباقلاني بشدة.

وبرأي الباحث الألماني أولريتش مارزولف، في دراسته "القرآن وأدب النوادر" أن استخدام القرآن في الطرائف لا يعني السخرية منه، ويروي قصة من دراسة ابن الغزي لأدب الطرائف، عن أحمق يدعى إبراهيم بن الحاسب الذي بقي يضع كيس شعير فارغ أمام حماره ويتلو الآية "قل هو الله لا إله إلا هو"، معتقداً أن الآية أقوى من الطعام حتى نفق حماره جوعاً، فقال: إذا قتلت الآيةُ الحميرَ فما تراها تفعل بإنسان، والله لا أتلوها ما حييت. ويقول إنها على العكس تقدم موعظة أن التوكل على الله لا يتم دون الأخذ بالأسباب.

فإذا كان القرآن جنساً أدبياً قائماً بذاته لماذا لا يمكن الاقتباس منه في الأجناس الأدبية الأخرى؟ وما آراء الفقهاء الإسلاميين في جواز الاقتباس شرعاً؟

الاقتباس، تعريفه ودوافعه والباحثون فيه

في دراسة له نشرت ضمن مجلد "الإرث العربي الإسلامي: دراسات مقدمة إلى وداد القاضي" بعنوان "رفع الالتباس عن منكر الاقتباس لابن أبي اللطف"، يذكر الدكتور بلال الأرفه لي أمثلة أوردها الفقهاء عن الاقتباس من النص القرآني في الأدب والشعر. ويستند إلى دراسة الدكتورة ابتسام مرهون الصفار "أثر القرآن في الأدب العربي في القرن الأول الهجري"، ليعرّف الاقتباس على أنه ظاهرة استعمال المفردات والعبارات القرآنية في النصوص الأدبية.

وفي حين وصف بعض علماء المسلمين الاستشهاد بآيات القرآن بالسرقة أو الانتزاع، رأى ابن خلف في "مواد البيان"، كما يشير الأورفه لي، أن القرآن نص مقدس ومرجع للبلاغة والبيان، ولذا فإن الاقتباس منه هو بدافع التبرّك به. ويعتقد ابن الأثير في "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، أن توظيف القرآن غدا مهارة فنية تعكس مكانة الأديب وكفاءته. وقد وضع إبراهيم بن المدبر الشيباني شرطاً ليكون الاقتباس جائزاً وهو: "نزع آي القرآن في مواضعها واجتلاب الأمثال في أماكنها"، وأكد أبو حيان التوحيدي في كتاب "ثمرات الأوراق" أن "على المُنشئ أن يكون حافظاً لكتاب الله لينتزع من آياته الشريفة".

يذكر الأرفه لي في دراسته "إني آنست ناراً: كتاب الاقتباس من القرآن للثعالبي"، أن دوافع الاقتباس قد تتعدد، مثل "طلب الثواب أو "تبني لغة القرآن وثيماته" أو "لتصديق الحجج التي يطرحها صاحبها بما يكفل له إقامة أدلة قاطعة على مزاعمه ورؤاه بإيجاز مفحم"، وفي حالات معينة "كان الاقتباس أداة تهكمية"

أثر القرآن على الأدب العربي يبدو ظاهراً منذ القرن الأول الهجري، في استعمال مفرداته وعباراته وصوره وحتى قصصه 
وصف بعض علماء المسلمين الاستشهاد بآيات القرآن بالسرقة أو الانتزاع، بينما رأى ابن خلف في "مواد البيان"، أن القرآن نص مقدس ومرجع للبلاغة والبيان، ولذا فإن الاقتباس منه هو بدافع التبرّك به

وكما عمد بعض الأدباء إلى الإعلاء من شان خطابهم من خلال توظيف الآيات القرآنية سواء في النثر أو الشعر، فقد وظف الاقتباس أيضاً في الهجوم على بعض المفاهيم القرآنية أو الانتقاص من شأنها، كما في مجون بشار بن برد وأبي النواس، أو الهزل الذي ورد عن لسان الطفيليين والبخلاء الذين توسلوا النصوص الدينية للحصول على الطعام، أو استخدموا القرآن في إشارات جنسية أحياناً.

يشير أبو منصور الثعالبي في كتاب "الاقتباس من القرآن" إلى محاولات سابقة سعت إلى معارضة القرآن منذ بداية الإسلام، لكنها أخفقت جميعها في محاكاته أو مجاراته، وجل ما حققته هو استعارة لبعض من التعابير التي تمنح الكلام "رونقاً وحسناً وطلاوة وجلالة وفخامة"، حيث كان الخطيب يثبت جدارته من خلال محاكاة القرآن، تماماً مثلما يفعل الشاعر عند معارضته لقصيدة شهيرة.

ويذكر الأرفه لي في دراسته "إني آنست ناراً: كتاب الاقتباس من القرآن للثعالبي"، أن دوافع الاقتباس قد تتعدد، مثل "طلب الثواب أو "تبني لغة القرآن وثيماته" أو "لتصديق الحجج التي يطرحها صاحبها بما يكفل له إقامة أدلة قاطعة على مزاعمه ورؤاه بإيجاز مفحم"، وفي حالات معينة "كان الاقتباس أداة تهكمية" تستهدف السخرية من نص الوحي.

إن الثعالبي هو أول من أطلق مصطلح الاقتباس على هذه الظاهرة، ويعني لغوياً "أخذ قبس من النار"، ثم بات يشير إلى الاستشهاد من القرآن والحديث. ويعد كتاب "سرقات الكميت من القرآن" لمحمد بن كناسة من أوائل الكتب المختصة بالاقتباس، لكنه لم يصلنا، ويتضح من العنوان أن المؤلف يعد الاقتباس سرقة، وإن لم يكن ذلك بالمعنى السلبي بالضرورة. إضافة إلى كتاب "الزهرة" لأبي داوود الأصبهاني، الذي كرّس فصلاً لذكر ما استعاره الشعراء من القرآن. أما ما استُعمل من قبل كتاب الدولة في المناسبات والخطب، فيرد في مخطوط "كتاب انتزاعات القرآن العظيم" للوزير الفاطمي ابن الصيرفي.

الاقتباس شرعاً ورسالة ابن أبي اللطف الإفتائية

يشير الأرفه لي إلى أن أوائل الأصوات المعارضة للاقتباس هو الحسن البصري، كما تذكر موسوعة القلقشندي، وأن بعض العلماء أنكروا الاقتباس في الشعر دون النثر، وخاصة إن لم يكن الاستشهاد حرفياً، فابن خلف الكاتب ذهب إلى أن الشعر الذي يستعير من القرآن أقل بلاغة من القرآن نفسه، ولذا يفضل الاستشهاد الحرفي به. أما فقهاء المالكية فكانوا أكثر تشدداً وأدانوا الاقتباس بأنواعه وأنزلوه منزلة الكفر. كتاب "اللطيفة المرضية بشرح دعاء الشاذلية" للإمام داوود بن عمر الباخلي الشاذلي، من القرن الثامن للهجرة، والذي أثار فيه المؤلف أسئلةً حول إمكانية توظيف الآية القرآنية لخدمة معنى مغاير للسياق القرآني، أو إعادة صياغتها بغية تحقيق ذلك، داعماً فكرته من خلال البراهين والأمثلة التي يقدمها.

وفي مخطوطة "رفع الباس" للسيوطي، يجيز الاقتباس في الدعاء، إلا ما كان مستعملاً على غير طهارة، ويُقرُّ بشرعية إعادة صياغة المعنى القرآني وتوظيفه في معنى مغاير لسياق وروده أو في الشعر.

أما في رسالة "رفع الالتباس عن منكر الاقتباس" الذي يكرّس له الأرفه لي الجزء الأكبر من دراسته، فنجد أن المفتي الشافعي شمس الدين محمد بن أبي اللطف، قسّم رسالته الإفتائية إلى بابين، الباب الأول يبيّن جواز الاقتباس بلاغة وشرعاً، والثاني يذكر أدلته. ويخبر ابن أبي اللطف أن ما دفعه للبحث في الموضوع، هو ما بلغه عن استنكار الاقتباس الذي جاء به في معرض ترحيبه بسليمان باشا القبطان. يردّ المؤلف على حجج خصومه ويوردُ نماذج من الاقتباس من كلام النبي والصحابة والعلماء، كأبي بكر الصديق، ومالك بن أنس الذي نص على جوازه، والفقيه المالكي ابن عبد البر، والعالم الأصولي القاضي عيّاض، كدليل على أن الاقتباس القرآني كان شائعاً في الأدب العربي القديم في الشعر والخطابة. ويلاحظ في بعض الاقتباسات، النثرية منها والشعرية، أخذ النص القرآني على معنى مجازي بعيداً عن معناه القرآني الظاهر، أو وروده بنفس معناه، مثل قصيدة أحمد بن محمد بن زيد على البحر المتقارب:

سل الله من فضله واتقه

فإن التقى خير ما تكتسب

"ومن يتق الله يجعل له

ويرزقه من حيث لا يحتسب" (الطلاق 3-2)

ويكتب ابن أبي اللّطف واعظاً: "واضربوا حجارة القلوب بعصا الاستغفار، فإنَّ من الحجارة لما يتشقّقُ منه الأنهار"، على مثال الآية القرآنية "ثم قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ" (البقرة: 74). فيأخذ ابن أبي اللّطف المجاز القرآني ليلبسه سياقاً ومعنى جديدين ليحقق غايته الوعظية.

يذكر ابن أبي اللطف أن من خرج عن نهج النبي والصحابة والأئمة في الاقتباس هو شاذ عن سبيل المؤمنين، مستنداً إلى الآية "وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً" (النساء 115)، وتبعاً لذلك وجب عليه الندم والتوبة والرجوع إلى سلوك سبيل المؤمنين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard