يراه البعض "براغماتياً" وآخرون "ذئباً بثوب حمل"... راشد الغنوشي يستمر في "صناعة السياسة"

الخميس 14 نوفمبر 201905:01 م

من السري إلى العلني، من الدعوي إلى السياسي ومن السجن إلى السلطة… تحولات ثلاثة تختصر مسيرة مؤسس وزعيم حركة "النهضة" راشد الغنوشي الذي بات اليوم رئيساً للبرلمان التونسي.

يأخذ عدد من أنصار "النهضة" على الغنوشي أنه ممسك بكل تفاصيل الحركة، فلا يقبل التناوب على رئاستها، وهو ما يتعارض مع نظرياته عن الديمقراطية والتعددية. ويتهمه عدد من علمانيي تونس بتلوين مواقفه وتغليب مصلحة "النهضة" في تحالفاته في وقت تعتبره بعض الجهات الإسلامية المتشددة شخصاً علمانياً أكثر منه إسلامياً.

تحفظ تونس لـ"النهضة" فترة وصولها للحكم بعد الثورة وعدم تلبيتها المطالب الأساسية للثورة كحماية مسار الانتقال الديمقراطي من الفساد والمحسوبية والإرهاب. لذا كان متوقعاً بعد عودة "النهضة" متمثلة بزعيمها إلى المشهد السياسي أن تثير استهجان التونسيين بشكل عام.

وفيما انتخب الغنوشي رئيساً للبرلمان التونسي الجديد في 13 تشرين الثاني/نوفمبر، بـ123 صوتاً من مجموع 217، مدعوماً من حزب "قلب تونس"، بلغ الأمر بالبعض أن وصفوا ذلك بـ"الخيانة لمبادئ الثورة التونسية وخيبة أمل للشعب".

"نهنىء الذين انتخبونا والذين لم ينتخبونا"

في مناسبات عديدة سابقة، حرص الغنوشي على تأكيد عدم رغبته في السلطة وفي أنه لن يترشح لأي منصب رسمي مفضّلاً التفرغ لدور فكري وتأليف الكتب. ومع ذلك، عندما كان خارج السلطة الفعلية، بقي في عداد صانعي السياسة البارزين في البلاد، فيما عُرف بقدرته على حمل العصا من الوسط دائماً وبدهائه السياسي.

وبرغم فوز "النهضة" بالحكم سابقاً في انتخابات ما بعد الثورة، يعد هذا المنصب الرسمي الأول للغنوشي منذ عودته من منفاه في لندن عام 2011، إثر تنحي الرئيس زين العابدين بن علي.

وفي أول تعليق له عقب فوزه بالمنصب، قال الغنوشي للصحافيين: "نهنىء الذين انتخبونا والذين لم ينتخبونا أيضاً على المشاركة في هذا العرس الديمقراطي الذي تتشرف به تونس. نشكر ناخبينا، نشكر الشعب التونسي في الحقيقة، لولا إيمانه بالديمقراطية وانتخابه هذا البرلمان لما كنا وصلنا لهذا النصر…".

"خيانة" و"خيبة أمل"

عبّر العديد من النواب والمواطنين التونسيين عن صدمتهم لهذا الاختيار عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

بشيء من الشاعرية، أعرب النائب الصافي سعيد، في منشور عبر فيسبوك، عن شعوره بـ"الغربة والإحباط" خلال الجلسة الافتتاحية للبرلمان، مؤكداً أنه غادر بعد "الفصل الأول من المسرحية مثقلاً بالخيبة". وقال: "أخطأ الطريق حين فكر بالبرلمان والدولة"، موضحاً أنه وجد كل شيء في البرلمان عدا "الوطن ونفسه".

من السري إلى العلني، من الدعوي إلى السياسي ومن السجن إلى السلطة… تحولات ثلاثة تختصر مسيرة مؤسس وزعيم حركة "النهضة" راشد الغنوشي الذي بات اليوم رئيساً للبرلمان التونسي.
"خيانة لمبادئ الثورة" و"خيبة أمل للشعب"... عبّر كثر عن صدمتهم من وصول الغنوشي إلى رئاسة البرلمان، في وقت يستمر زعيم "حركة النهضة" بلعب دور مفصلي في "صناعة السياسة" التونسية

وأشارت البرلمانية ورئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسى إلى "وجود خيانة في انتخاب رئيس البرلمان راشد الغنوشي"، معتبرةً أن النواب الذين صوتوا له "خانوا" من انتخبوهم والمبادئ التي انتخبوا لأجلها.

وقالت لإذاعة "شمس آف آم" المحلية: "من يقولون إنهم حداثيون ووسطيون ومدنيون، سقطوال في آخر المطاف وانبطحوا للإخوان (النهضة) وصوتوا لهم. التاريخ سيسجل هذه الخيانات".

ولفتت في الوقت نفسه إلى أن حزبها سيواصل التصدي لـ"الإخوان" والكشف عن "حقيقتهم وفتح ملفاتهم".

المسار الطويل

يرى البعض في الغنوشي إسلامياً معتدلاً صاحب "براغماتية سياسية"، في مقابل من رآه "ذئباً في ثوب حمل".

وكان الغنوشي، المولود عام 1942 في ولاية قابس، قد أسس "الجماعة الإسلامية" في تونس عام 1972، ثم تغيّر اسمها إلى "حركة الاتجاه الإسلامي" في حزيران/يونيو عام 1981، برئاسة الغنوشي وأمانتها العامة لعبد الفتاح مورو. ولاحقاً تحولت الحركة إلى حزب "النهضة" المعروف بـ"إخوان تونس" عام 1989.

ولاحق الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة قيادات وأعضاء جماعة الغنوشي "الإسلامية" لدعوتهم إلى مبادئ تخالف السياسة العلمانية، فحكم على الغنوشي بالسجن 11 عاماً عام 1981 بعد إدانته بـ"المشاركة في أعمال إرهابية"، قضى منها ثلاثة أعوام قبل أن يخرج عام 1984 في عفو عام.

عاد الغنوشي الحاصل على شهادة في أصول الدين من جامعة الزيتونة في العاصمة تونس، إلى السجن مرة ثانية في آذار/مارس عام 1987 وحكم عليه بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة بعد اتهام حركته بالوقوف خلف تفجيرات في أربعة نُزل (سياحية) ساحلية.

وطلب بورقيبة رفع عقوبة الغنوشي إلى "الإعدام"، لكن ذلك تعذر بعد الانقلاب "الطبي" الذي قام به بن علي عليه، فأطلق سراح الغنوشي عام 1988.

وبرغم أن الإسلاميين في تونس أملوا أن يمنحهم بن علي فرصةً لممارسة النشاط السياسي بحرية، فقد حدثت بعد انتخابات عام 1989 ممارسات مشابهة لما فعله بورقيبة، وهذا ما اضطر الغنوشي إلى مغادرة تونس في العام نفسه إلى "منفى اختياري" دام نحو 21 عاماً حتى قيام ثورة 2010.

وعام 2012، حصل الغنوشي على جائزة "شاتهام هاوس" (المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية) لحرية الفكر والتعبير، مناصفةً مع الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي.

له عدد من المؤلفات، منها "تجربة الحركة الإسلامية في تونس"، و"مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني"، و"الحركة الإسلامية ومسألة التغيير".

حاول الغنوشي لعب دور المنقذ مراراً حين كان الأمر يتعلق بخلافات داخلية بين التيارات الإسلامية المعتدلة والمتشددة، كما حرص على تصدير فكرة اعتدال حركته، مشدداً على "خصوصيتها" كحركة تونسية أقرب إلى حزب "العدالة والتنمية" في تركيا منها إلى جماعة "الإخوان المسلمين" بشكل عام.

وفيما يأخذ عليه منتقدوه بأن كلامه مجرد غطاء إخواني، يشير مؤيدوه إلى تنازلات عديدة قام بها، منها الجلوس إلى "طاولة الحوار"، والانفتاح على مسائل العلاقة بين الدين والدولة في الدستور والتراجع عن الإسلام كمصدر تشريع والإقرار بالمساواة بين الرجل والمرأة، والقبول بقاعدة "حرية الضمير والمعتقد"... وصولاً إلى تخليه عن الحكم وإفساح المجال لآخرين، في خطوة لا يكررها كثيراً حزب غالبية.

اتفاق مسبق

برغم ما سبق، تبقى مخاوف تونسيين كثر قائمة، فالقيادي في حزب "قلب تونس" (الحزب الذي دعم فوز الغنوشي بالمنصب)، عبد العزيز بلخوجة، أعلن في تدوينة عبر حسابه في فيسبوك، انسحابه نهائياً من الحزب، واصفاً الغنوشي بأنه "رئيس الجهاز السري الذي تسبب بآلام البلاد".

عقب انتخابه رئيساً للبرلمان، ورداً على سؤال بشأن تحالف "النهضة" و"قلب تونس"، قال الغنوشي: "تعاونا مع كل الأحزاب إلا من أبى كما تعاملنا في السابق مع الجميع".

وبدا أن هناك "اتفاقاً" بين "النهضة" و"قلب تونس" على دعم الغنوشي لرئاسة البرلمان في مقابل صعود ممثلة "قلب تونس" سميرة الشواشي نائباً أول للرئيس، بحسب ما تداولته وسائل إعلام محلية قبل التصويت.

وهو ما ظهر لاحقاً بعدما جرى انتخاب الشواشي نائباً أول لرئيس مجلس نواب الشعب في الجلسة الافتتاحية بـ109 أصوات.

وسبق أن نفى رجل الأعمال التونسي، مؤسس "قلب تونس"، نبيل القروي إمكان التحالف مع "النهضة" التي اتهمها بالوقوف خلف سجنه بتهم "التهرب الضريبي وغسيل الأموال" أثناء الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد أخيراً وخسرها في جولة الإعادة لمصلحة الرئيس قيس سعيد.

ونفى الغنوشي نفسه سابقاً احتمال التحالف مع حزب القروي الذي اتهمه "بتهم عديدة أبرزها الغش"، معتبراً أن دعمه قيس سعيد إلى الرئاسة والعودة للتحالف مع "ضده، نوع من العبث والتناقض".

ولكن عقب انتخابه رئيساً للبرلمان، ورداً على سؤال بشأن تحالف "النهضة" و"قلب تونس"، قال الغنوشي: "تعاونا مع كل الأحزاب إلا من أبى كما تعاملنا في السابق مع الجميع من دون إقصاء".

وكشفت "مصادر موثوق بها" لموقع صحيفة "الشروق" التونسية أن الأصوات التي دعمت الغنوشي جاءت من النهضة (52 صوتاً) وحزب "قلب تونس" (38 صوتاً) و"ائتلاف الكرامة" (21 صوتاً) وكتلة الإصلاح الوطني المعلن عنها حديثاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard