أبعد من تظاهرات وإرادة واضحة للتغيير... هل ما يشهده العراق ثورة؟

الجمعة 15 نوفمبر 201904:52 م
Read in English:

Is This a Revolution? Iraqis Demanding Change

منذ انقلابات العسكر، أواسط القرن العشرين، وما صاحبها من انتشار لإيديولوجيات غير دينية "حديثة"، وما تلاها من صعود للإسلام السياسي، وصولاً إلى الربيع العربي ثم الحراك الجزائري والعراقي الأخير واللبناني، هناك وفرة من الأحداث السياسية التي يُطلق عليها تسمية "ثورة".

لغوياً، تبدو الكلمة واضحة من مصدرها وفعلها واشتقاقاتها، لكنها كمصطلح سياسي محاطة بضبابية التعريف والشرح. ويزيد من ضبابيتها أنها ليست مختصة بمجال أو مجالات معينة. يمكن أن تكون علمية فنقول ثورة علمية، أو صناعية، ثقافية، مجتمعية، سياسية... وهناك ثورات شخصية.

إشكاليات "الثورة"

لا ثوابت قاموسية واضحة للمصطلح، ما يجعل من استسهال استخدامه وإطلاقه على الظواهر أمرا متوقعاً، فهناك مساحة فضفاضة يمكن أن يُستخدم فيها.

تظهر الإشكالية حين يُقاس ما حدث ويحدث على الثورة الفرنسية أو البلشفية الروسية. ولو أخذنا المعنى الحرفي لترجمة مفردة Revolution ذات الجذر اللاتيني المتأخر Revolvere والمشتقة من فعل Revolve الذي يعني الاستدارة والدوران والتمحور، ربما سنجد معنى قريباً في الانعطافة الكاملة أو الدوران الذي يستلهم التغيير من العلاقة بين الأرض والشمس، أو القمر والأرض.

وأياً يكن، فالانعطافات كثيرة، لكنّ إعطاء كلمة الثورة معنى قيمياً إيجابياً ومستحسناً، كما هو سائد، يؤدي إلى تناقض حين نطلقها على واقع شرق أوسطي وعربي مشلول. وتزداد الإشكالية مع السؤال عن أسباب عدم إطلاق الفرنسيين "الثوريين" تسمية "ثورة" على انتفاضة الطلاب عام 1968، رغم أنّها كانت حاسمة ومؤثرة.

والثورة، بمعنى الحدث الذي يصنع تحوّلات جذرية وشاملة، ليست مصطلحاً دائم الإيجابية. التحوّلات ضرورة لديمومة الحياة، لكنها لا تتجه بالضرورة نحو المكان المراد أو الهدف المنشود والأحلام الجميلة. ربما تؤدي إلى نتائج عكسية وتخلق أنماطا مخيّبة. فرنسا نفسها عانت إفراطاً في الدموية، وكُلّلتْ ثورتها بنابليون بونابرت، بما يعنيه من خيلاء وتدمير وحروب وغزوات وقمع داخلي وأيضاً بمجده ورمزيته وتأثيراته في أوروبا برمتها.

ثورة عراقية؟

نعود إلى العراق. ما يجري في شوارعه يُفرح القلب، ويحيي الآمال بفعالية شرائح شجاعة وجادة، برغم الدماء التي سفكتها آلة السلطة وسلطة الظل وسلطة الخارج.

المَشاهد المصوَّرة والمروية تشي بما هو أبعد من تظاهرات، ويمكن القول الآن إنه لا وجود لمطالب تفصيلية بقدر ما توجد إرادة للتغيير السياسي. في المقابل، هناك ثائرون يتلمسون طريقهم إلى إيجاد الانعطافة الكبيرة. مقابلهم عملية سياسية مليئة بالمصائب، وواقع سياسي متخم بالخراب. وليس مهماً ما تطرحه اللافتات، المهم هو الحراك بشكل عام، إذ يكشف عن صوت التغيير.

الفعل الشعبي إنْ خلق تغييراً سياسياً صرفاً، فإنّه بذلك لا يتجاوز النتائج التي يحققها انقلاب عسكري أو تدخل خارجي أو اغتيال لرأس النظام. سيسقط أفراد أو جماعات وأحزاب، ويؤتى بغيرها في إطار معيّن، وتنتهي الأمور عند هذا الحد، وتأتي نخبة سياسية جديدة. هذا شكل من الثورات طبعاً، غير أنه شكل محدود التأثير في مستقبل بلد يفترض أنه عانى بما يكفي ليتعلم.

هناك معنى آخر للثورة، أعمق، هو الذي ينهي الجماعات الحاكمة، ويستأصل أو يعالج أسباب بقاء العراقيين مشتتين، وفي الوقت نفسه محكومين إما من دكتاتور أو عسكر أو أحزاب دينية أو جماعات مدعومة من الخارج أو مرتزقة وناهبين.

الوقت مبكر على إدراك ما إذا حصلت بالفعل متغيرات اجتماعية وسياسية وثقافية عميقة... والأصح أن التغيير ليس ابن حراك اليوم، بل مرتبط بسلسلة الأحداث العراقية المتواصلة منذ عام 2010 أو 2009، وبما سينتج عنه من موجات أخرى في فترات مقبلة.

التسلسل في حراك الشارع العراقي لمواجهة السلطة متواصل منذ عام 2010. إنها مفارقة أن يحصل هذا في بلد يعيش انتخابات نيابية ومحلية كل أربعة أعوام، ويمكن قراءة ذلك على أنه عدم إقرار بقدرة الانتخابات على تمثيل الشارع، أي عجزها عن صناعة الديمقراطية
ليست مصادفة بتاتاً أن يكون بدء العد التنازلي لاختفاء القوات الأمريكية من شوارع المدن العراقية، بعد توقيع الاتفاقية الأمنية، هو العد التراكمي لاندلاع التظاهرات المدنية السلمية التي لم تتخذ شكل ميليشيات وإرهاب ومقاومة وسلاح

انتقالات في السياسة والحكم

العراق الحديث، أو كي أكون دقيقاً عراق العهدين الملكي والجمهوري ما قبل 2003، شهد انتفاضات واحتجاجات، خلقت انتقالاً في السياسة والحكم، لكنها لم تُحدث تحوّلاً فعلياً في حال البلد والأمة. وفي ما بعد، ما إنْ سقط ذاك النظام واحتل الأمريكيون بغداد، حتى تطفّل المسلحون على المواجهة بدون التثبت من وجود دعم شعبي لهم، بل اندفعوا بإرادة فئوية ومبادرات من قبل شخصيات ومليشيات وتنظيمات ودول مجاورة، فضلاً عن الجهاديين القادمين من الخارج.

سألني زميل جزائري مستغرباً سر عدم انتفاضة العراقيين ضد الأمريكيين، معتقداً بوجود خوف شعبي من واشنطن، يمنعهم من رفع الصوت ضدها. أجبته، بما عزز استغرابه، بأن معارضة الأمريكيين ظلت أسهل احتجاج والأقل كلفة. الخلل كان في الخيار المسلح كفعل أساسي للاحتجاج على الوجود الأمريكي، لذا لا وجود لثورة بل جماعات مسلحة مثّلت نفسها وليس العراقيين، أو مثّلت فئات معينة.

وليست مصادفة بتاتاً أن يكون بدء العد التنازلي لاختفاء القوات الأمريكية من شوارع المدن بعد توقيع الاتفاقية الأمنية، والقاضية بسحب القوات من العراق مع نهاية عام 2011، هو العد التراكمي لاندلاع التظاهرات المدنية التي لم تتخذ شكل ميليشيات وإرهاب ومقاومة وسلاح، وغيرها من المصطلحات المستخدمة في زمن التواجد الأمريكي، بل أماطت اللثام عن حراك اجتماعي لا يحمل السلاح، ولم يستطع قمعُ السلطة استدراجه ليحمله. فسنة 2009، اندلعت أول تظاهرات في البصرة، وقُتل وقتها متظاهران، والمطالب كانت خدماتية.

والبداية الفعلية للتظاهر المتواصل كان في العاصمة عام 2010، تحت شعار "بغداد لن تكون قندهار"، وكان أول رفض امتد إلى الشارع لسياسات أسلمة الدولة وقمع الحريات المدنية. هنا يمكن رصد متغيّر جلل. لم يلجأ الناس إلى السلاح، لا في تلك التظاهرات ولا في التي تلتها. تمسكوا بخيار المواجهة غير المسلحة ضد حديد السلطة وخرساناتها.

وعام 2011، جاءت تظاهرات الخامس والعشرين من شباط/ فبراير، استجابة للموجة المعروفة بالربيع العربي. وفي 2012، انطلقت اعتصامات في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك ومناطق أخرى، ووجهت بالعنف، قبل أن تنتهي تماماً باحتلال داعش أجزاء من العراق. من ثم اندلعت تظاهرات غير مسبوقة الحجم في بغداد ومحافظات أخرى، عام 2015، وكانت الشرارة مقتل شاب محتج في مدينة الِمْدَيْنَة في البصرة، جنوب البلاد. وبدأ الحراك مدنياً بالفعل، ورفع شعارات أغضب بعضها التيار الديني. غير أن سوء إدارة بعض الناشطين مكّن أحد قادة العملية السياسية، وأعني مقتدى الصدر، من قيادة التظاهرات، واستخدامها بشكل واضح للسيطرة على مجلس النواب العراقي القادم في 2018. لذا يمكن القول إنّ 2015 كان عام التظاهرات المدنية وكان 2016-2017 عامي التظاهرات الصدرية.

تسلسل حراك العراقيين

التسلسل في حراك الشارع العراقي لمواجهة السلطة، بما تخلله من محاولات سطو وركوب موجة وأخطاء وإخفاقات، مثّل أهم المظاهر الموازية لصناديق الاقتراع.

إنها مفارقة أن يحصل هذا في بلد يعيش انتخابات نيابية وأيضاً محلية كل أربعة أعوام، ويمكن قراءة ذلك على أنه عدم إقرار بقدرة الانتخابات على تمثيل الشارع، أي عجز الانتخابات عن صناعة الديمقراطية.

فالانتخابات المسيطر عليها من أقبل أحزاب مرحلة ما بعد 2003، وهي أحزاب مذهبية أو قومية أو دكاكين لأفراد وأدوار خارجية، بدت عاجزة عن حمل خيارات شعبية حقيقية، لذا احتاج المجتمع إلى حراكه وانتفاضاته. وحين أخفق في الوصول إلى ذلك صعّد من تطلعاته وإصراره بطريقة لم تكن معهودة في العراق: شابات وشباب وكهول الحراك مستمرون في شوارعه لأيام بلا كلل ولا ملل.

قد يُقرأ الأمر على أنه تحوّل جيل، وأظنه ليس كذلك فحسب، لأن الموجودين والضحايا ينتمون إلى أعمار وشرائح متنوعة، بل هو تطلّعات تغيير ووعي اكتسبه العراقيون من هامش حرية امتلكوه بالتزامن مع فقدانهم كثيراً من شبابهم في حروب جزء كبير منها تسببت فيه القوى الحاكمة.

وإذا أخفق الحراك الأخير في صناعة تغيير مباشر، ربما سيتعرض الكثيرون لملاحقات في ظل سطوة الجماعات المسلحة والنفوذ الإيراني ومخاوف الحاكمين من تكرار الاحتجاج، ولكن الأكيد أنه يمهد لمرحلة أخرى... وهذا ليس ثورة تغيير واسعة حتى اللحظة، بقدر كونه تسلسلاً لصناعة ثورة التحولات الحقيقية، أو الانعطافة لخلق عراق آخر، لا يجوز أنْ يستعيد حكم العسكر أو يستبدل حكم مجموعة المستبدين بمستبد واحد، بل يفترض أن يخلق لنفسه واقعاً سوسيوسياسياً جديداً ويمهد لولادة بلد وأمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard