في بلد لا يكرّم الأحياء... دمشق تودع مبدعها محمد قارصلي

الخميس 14 نوفمبر 201905:33 ص

رحل عنّا المخرج والمؤلف السينمائي والمسرحي السوري محمد قارصلي، عن عمر يقارب السبعين عاماً، وشكّل خبر وفاته صدمة للكثير من محبيه وأصدقائه، وعلى الأخص تلاميذه ومن تدربوا على يديه من سينمائيين ومخرجين وكتاب.

فرغم أن المخرج الراحل لم يكن له حضور كبير على مستوى المؤسسة الثقافية الرسمية في سوريا كغيره من الفنانين، لكنه كان متواجداً على الدوام ضمن ورشات تدريبية وعروض مسرحية على أي منصة يشعر أنها بحاجته، فكرّس حياته للسينما والمسرح بحد ذاتهما، وليس للشهرة التي يمكن أن يحصل عليها، والتي لم يهتم بها يوماً.

سيرة فنية وإبداعية

ولد محمد قارصلي عام 1950 في دمشق، وعاش طفولته ضمن عائلة يتميز العديد من أفرادها بخلفيات فنية متنوعة، وقد وصفها في مقابلة سابقة معه بأنها "طفولة في بيت دافئ يمتلئ باللوحات والجمال والثقافة، وبيئة أثّرت في توجهه نحو الفن".

اعتُبرت والدته إقبال قارصلي، والتي عاشت بين العامين 1925 و1969، من رائدات الفن التشكيلي السوري والعربي بشكل عام، حيث تركت بصمة مميزة في عالم كان حكراً على الرجال خلال فترة حياتها، وتميزت باستخدام الألوان الزيتية وتجسيد المعالم الطبيعية والحياة اليومية، خاصة للمناطق التي عاشت فيها، ومنها دمشق وتدمر، كما كانت أول فنانة سورية تقيم معرضاً فنياً بمفردها عام 1964. أما شقيق المخرج الراحل، الفنان الراحل وليد قارصلي، فهو بدوره واحد من الأسماء البارزة في عالم الفن التشكيلي السوري المعاصر، كما عمل في مجال التأليف والتوزيع الموسيقي.

بعد أن أنهى خدمته العسكرية خلال حرب تشرين، أي في أوائل سبعينيات القرن الفائت، سافر قارصلي إلى موسكو، حيث درس في المعهد العالي للفنون السينمائية هناك، وحصل منه على شهادة الماجستير في الإخراج السينمائي والتلفزيوني عام 1980، ومن ثم الدكتوراه في السينما، وعمل بشكل أساسي في مجال الإخراج السينمائي والمسرحي، كما أشرف على العديد من الدورات التدريبية التي هدفت لإعداد أجيال جديدة من المخرجين والسينمائيين، ولم يقتصر تدريسه للسينما على سوريا، حيث توجّه أيضاً للتدريس في بلدان عربية، منها لبنان ومصر وليبيا.

تشمل حصيلة أعماله الفنية حوالي مئة فيلم متنوع، ومنها القصير والمتوسط والطويل والوثائقي، إضافة إلى ثلاثة عشر عرضاً مسرحياً، كان آخرها عرض "خيبانة" الذي ألفه وأخرجه، وعُرض في نيسان الماضي على خشبة مسرح القباني بدمشق، وبعض المسلسلات ومنها "أيام الغضب"، والنصوص المسرحية ومنها "نافذة روح" و"رب ضارة ضارة"، وقد أنتجت معظم هذه الأعمال بتمويلات خاصة من مؤسسات ثقافية أو منظمات دولية، بعيداً عن التمويل الرسمي الذي تقدمه عادة وزارة الثقافة السورية.

إضافة لذلك حصل قارصلي على العديد من الجوائز العالمية، وعدة جوائز في مهرجانات متنوعة، مثل مهرجان توياما في اليابان، والذي كرم عرضه المسرحي "فجر وغروب فتاة تدعى ياسمين" بأربع جوائز، ومهرجان كالكوتا، إضافة لجائزة أفضل فيلم في آسيا عن فيلمه القصير "غداً"، وجائزة ثاني أفضل فيلم من مسابقة الأمم المتحدة للسينما. وفي المقابل، نادراً ما كُرّم قارصلي داخل سوريا، كما أن العديد من أعماله المسرحية والسينمائية لم تعرض داخل بلده.

"في بلد لا يكرّم الأحياء ولا يهتم بمن يزرع الحب وإنما بالمنافقين فقط" ودّعت دمشق مبدعها المخرج والمؤلف السينمائي والمسرحي السوري محمد قارصلي بصمت 

خسارة للمشهد الفني السوري

إثر إعلان نبأ وفاة المخرج والكاتب محمد قارصلي، عبّر العشرات من أصدقائه عن حزنهم لرحيل هذا الفنان الذي عرفوه وعملوا معه لسنوات طويلة، وتأسف عدد منهم على رحيله بصمت "في بلد لا يكرّم الأحياء ولا يهتم بمن يزرع الحب وإنما بالمنافقين فقط"، وتحدّث العديد من طلابه عن الفراغ الذي سيتركه رحيل "المعلّم" كما وصفه العشرات منهم، كما نعته وزارة الثقافة السورية ونقابة الفنانين السوريين والمؤسسة العامة للسينما وجامعة المنارة الخاصة التي كان عضواً في هيئتها التدريسية، وذلك على صفحات موقع فيسبوك.

وبعد ساعات قليلة من انتشار خبر رحيل قارصلي، تحدث عنه المخرج السوري محمد ملص، والذي عرفه منذ زمن بعيد، بوصفه "نموذجاً عميقاً للوفاء والنفس والآخرين، ومليئاً بالأصالة والعلاقة الصادقة مع الصورة، وكذلك الصبر والمحاولة والتحمل"، ولم يغفل ملص عن ذكر الأجيال التي علّمها قارصلي السينما، وعشرات الأصدقاء والمحبين الذين لذعهم رحيله دون شك.

وكتبت المخرجة السورية آنا عكاش واصفة قارصلي بأنه "ذاكرة وتاريخ جميل"، مقارنة هذا التاريخ بما تعيشه سوريا اليوم بعد سنوات الحرب، من تدهور على مختلف المستويات الاجتماعية والثقافية، ومتأسفة بكل ألم على رحيله وفقدان وجه من أعلام المشهد الثقافي في البلاد. كما نعا المخرج السوري أسامة غنم قارصلي وهو "المعلم والصديق والإنسان المرهف، المثقف الحنون الدمث اللطيف".

ونشرت إحدى طالبات المخرج الراحل والتي تعمل الآن كممثلة ومحركة دمى في مسرح العرائس، رسالة بخط يد قارصلي يحكي فيها عن حياته البسيطة، وعن الحظ الذي "حُرم منه ومُنع عنه"، وعن عدم امتلاكه ما يمكن أن يهديه لأحد "سوى بضعة أشياء قد لا تعني لأحد شيئاً"، ووصفته بصانع السعادة والمعلم الذي أمسك بيدها كما بيد عشرات الطلاب، وكان معطاء كريماً بما يملكه من علم ومعلومات، وتحول إلى سندهم وملجئهم الوحيد. ووصفه طلاب آخرون من داخل وخارج سوريا "بالأب المبدع الذي علمنا الكثير على خشبة المسرح"، "وواحد من قلائل اهتموا بجيل الشباب وآمنوا به وكانوا معطائين له لآخر حد"، و"المعلم المتفاني المتواضع ذي العلم والخبرة الثرية".

ولم تغب عبارات الأسف والحزن عن العديد من المراكز الثقافية والتدريبية في مختلف المحافظات السورية، والتي كرّس لها قارصلي جهوداً كبيرة خلال السنوات الأخيرة، من خلال ورشات وتدريبات لعشرات الشباب والشابات الراغبين بتعلّم أصول التمثيل والإخراج، فكانت عبارات التعزية التي نشرتها دليلاً على قرب الفنان الراحل من منصات العمل الحقيقية التي تعبر عن روح المسرح والسينما والتي آمن بها على الدوام.

قال قارصلي في واحدة من مقابلاته القليلة مع وسائل الإعلام: "الشيء الأساسي في صناعة الأفلام هو أن تصور كل فيلم على أنه أول وآخر فيلم في حياتك"، قاصداً بذلك ضرورة ألا يفقد صانع الأفلام حماسه ويتوقع بأن الجمهور سيقبل منه أي سوية فنية لمجرد شهرته، وهو مبدأ اتبعه دون شك طوال مسيرته الفنية، فاستمر بالكتابة والإخراج والتدريب بكل شغف حتى آخر لحظاته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard