ليس "دفاعاً" عن شخص مرتضى منصور… إنّما بالتأكيد دفاعاً عن الحريات والمثلية الجنسية

الخميس 14 نوفمبر 201902:03 م

مقطع فيديو قصير، لا توضح لنا صورته منخفضة الجودة بشكل مؤكد، هوية الأشخاص داخله: رجل في الخمسين أو الستين من عمره، برفقة شاب لا يتعدى الثلاثين بأي حال، كلاهما عارِ تماماً، تمهيداً على ما يبدو، لإقامة علاقة مثلية.

تعالت الأصوات التي "تؤكد" بأن الرجل الكبير  في الفيديو، هو نائب مجلس النواب المصري ورئيس نادي الزمالك، مرتضى منصور، والمعروف بعدائه الشديد للتيار الثوري، وربما هذا هو السبب الأهم الذي جعل البعض يحبّذ ويتمنى أن يكون رجل المقطع هو ذاته مرتضى، بما أنه، وأخيراً، أصبح لدى الشباب ملف سري، أو كما يحب أن يُطلق مرتضى منصور على مثل تلك الخبايا "سيديهات"، لذا فالأمنيات تحولت إلى يقين دون دلائل كافية غير تلك المشاهد المشوشة.

ولكن قبل البحث عن "جودة أفضل" لمقطع الفيديو، لتؤكد أو تنفي هوية الرجل، السؤال الوحيد الذي يُطرح هو: هل هذا يهم أصلًا؟ أعني لنفترض بالفعل أن مرتضى منصور هو الذي في الفيديو، ألم نقطع شوطاً كبيراً في استنكار الانتهاكات الممارسة على الممارسات المثلية؟ لم العودة إلى تلك المسميات الرجعية مثل الشذوذ؟ هل لأن تلك الفرصة -إن صدقت التكهنات- لا تأتِ كثيراً، عندما يتعلق الأمر بالثأر من شخص أحد رجال الدولة بمختلف أنظمتها؟

سبب للهجوم وأسباب للتراجع

إذا ما أردنا أن نضع مرتضى منصور أمام فوهة سلاح السوشيال ميديا، فسوف يتحقق لنا مرادنا ببساطة عندما نضعه في "قفص الاتهام بالمثلية الجنسية"، هذا سبب كاف إن كنا ضمن هؤلاء الذين انبروا للهجوم الحاد عليه... أليس كذلك؟ ولكن قبل أن نُغلق قفص الاتهام هذا يجب ألا ننسى أننا نحتجز مع منصور مِلف المثلية الجنسية، وبشكل عام، قضايا الحريات الجنسية في مصر، والتي لا يخفى على أحد أنها في وضع مزرٍ للغاية أصلاً.

أمر آخر لا بد أن نقف عنده قبل مواصلة الهجوم، وهو معرفة من هي الأطراف المُستفيدة من "اغتيال" الرجل بتلك الصورة تحديداً.

بدون نقاش، إن أراد أحد رجال الدولة الآخرين الاستمرار في استخدام حيل التسجيلات الجنسية المسموعة والمرئية ضد المعارضين والمؤيدين، إن تقاطعت المصالح، فنحن بصدد تقديم خدمة جليلة له، بغارة المسبات ضد مرتضى منصور، وهكذا تكون قد تحققت أكثر من نصف مهمة الابتزاز تلك، والضحية لن يكون فقط مرتضى، وإنما جميع المواطنين بلا استثناء، الذين سوف يقبعون تحت رحمة من يمتلك مثل هذه التسجيلات وتحيطهم لدغات السوشيال ميديا، وهكذا تكون الرسالة البسيطة هي: "إما أن تتخلى عن حياتك وحرياتك الجنسية أو تصبح رهن إشارة من يستطيعون الاحتفاظ بها على شرائط في مكان ما".

إذن، من خلال الهجوم بتلك الآليات على مرتضى منصور، هناك ثلاثة حقوق تُنتهك: أولاً، عدم التأكد من هوية الرجل في المقطع قبل المساعدة في انتشار تلك المعلومة. ثانياً، استخدام مقطع فيديو يعرض حياة جنسية لشخص ما للابتزاز والتشهير، أياً كان الشخص. ثالثاً، الإصرار على جعل المثلية الجنسية تهمة بحد ذاتها.

قبل البحث عن "جودة أفضل" لمقطع الفيديو، لتؤكد أو تنفي هوية الرجل، فالسؤال الذي يجب أن يُطرح هو: هل هذا يهم أصلًا؟ أعني، لنفترض بالفعل أن منصور هو الذي في الفيديو، ألم نقطع شوطاً كبيراً في استنكار الانتهاكات الممارسة على المثلية الجنسية؟

لا أطلب من أحد هنا أن يتسلح بأخلاق الفرسان في مواجهته، ولكن المقصود ألا نصبح مثله، ضمن فرقة اغتيال الحريات الجنسية، لأن هذا الأمر للأسف سوف يستمر بعدما تتوقف سيرة مرتضى منصور

إذا كان الهدف الأساسي -مرتضى منصور- سوف يغادر بعد فترة "قفص الاتهام"، فسوف تُكمل الحريات الجنسية ومن ضمنها المثلية الجنسية، عقوبتها داخل نفس القفص، بعد هزيمة تلقتها على يد أعدائها.

قد يقول البعض بأن هذا هو سلاح مرتضى منصور نفسه، الذي طالما قام بتوجيهه ضد من اعتبرهم أعداء له، حدث ذلك حينما قال عن أحد السياسيين بأنه قد مارس المثلية داخل أحد السجون، وتكرر ذلك في حديثه عن خصومه داخل مجال الرياضة كثيراً بلا شك، ولا أطلب من أحد هنا أن يتسلح بأخلاق الفرسان في مواجهة مرتضى، ولكن  المقصود ألا نصبح مثله، ضمن فرقة اغتيال الحريات الجنسية، لأن هذا الأمر للأسف سوف يستمر بعدما تتوقف سيرة مرتضى منصور، وانحسار "التريند" الحالي كالمعتاد، أي أنه إذا كان الهدف الأساسي -مرتضى منصور- سوف يغادر بعد فترة "قفص الاتهام"، فسوف تُكمل الحريات الجنسية ومن ضمنها المثلية الجنسية، عقوبتها داخل نفس القفص، بعد هزيمة تلقتها على يد أعدائها.

الأمر لم يبدأ عند "تريند" مرتضى منصور، فمن قبله شارك بعضنا دون قصد في ابتزاز المخرج السينمائي خالد يوسف، بسبب مقطع فيديو مُشابه برفقة فتاتين، وكذلك دفعت السوشيال ميديا أحد المحافظين في مصر إلى الاستقالة بعد تداول تسجيل صوتي رومانسي له مع فتاة يعرفها، وهكذا أصبح على كل فرد داخل الدولة الحفاظ على أعضائه الجنسية قبل أن يقرر الخوض في مجال الحياة العامة.

والآن يجب علينا أن نعرف أين نقف تحديداً: هل نحن مع الحريات الشخصية فعلاً، أم أن تلك الشعارات التي نسجّلها على صفحاتنا ونرفع لافتاتها أحياناً، لا تخرج عن كونها مواكبة لتوجهات العصر الحديث؟ والحديث يخص بالطبع المؤمنين بأن الحياة الجنسية هي حرية، لا ينبغي أن تنتهك خصوصيتها أو يُعاقب أحد بسببها.

والسؤال الأخير هنا، هل نحن على استعداد لمشاركة الجهات السرية مثلاً حملاتها الابتزازية الجنسية، وكذلك ضمان وضع أسوأ للحريات الجنسية ولقضية المثلية، فقط من أجل بضع ندوب في جبين مرتضى منصور، سوف يُشفى منها على كل حال؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard