ممالك النار... هل تنجح محاولة قراءة التاريخ بنظارة السياسة؟

الأربعاء 13 نوفمبر 201901:50 ص

لم تكد تمر ساعات قلائل على طرح الإعلان الترويجي الأول لمسلسل "ممالك النار"، حتى انهالت العديد من التعليقات في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تباينت توجهاتها بين التأييد المتحمس للعمل من جهة، والانتقاد المشوب بالسخرية، من جهة أخرى.

المسلسل الدرامي التاريخي الذي أنتجته شركة M.B.C السعودية، ويشارك في بطولته مجموعة كبيرة من الفنانين السوريين واللبنانيين والمصريين، يتناول أحداث الغزو العثماني لمصر في 1517م، والقضاء على دولة المماليك التي حكمت مصر والشام لما يربو عن القرنين ونصف القرن.

بعض اللقطات التي ظهرت في الإعلان الترويجي، تشير إلى أن المسلسل يحمل العديد من الإسقاطات السياسية التي تتوافق وتتماشى مع حالة التنافس المعلن بين تركيا من جهة، والتحالف المصري السعودي الإماراتي من جهة أخرى، ما يضع المسلسل في منافسة مبطنة مع الأعمال التاريخية التركية الممجدة للتاريخ العثماني، ومنها على سبيل المثال: قيامة أرطغرل، السلطان عبد الحميد الثاني، وقيامة عثمان.

هل كان المماليك محبوبين من قبل المصريين؟

النقطة الأولى التي تلفت النظر في الإعلان الترويجي للمسلسل، أنه أظهر المماليك وكأنهم مصريون من أهل البلد، أو على الأقل، أن سلاطينهم كانوا محبوبين من قبل عموم الشعب المصري.

في الحقيقة، يمكن القول إن ذلك الزعم ينطوي على الكثير من الأخطاء التاريخية، والتي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن معظم قطاعات الشعب المصري قد كرهت الحكم المملوكي، ولم تنظر له إلا على كونه أمراً واقعاً لابد من التعايش معه والصبر عليه.

أحد أهم أسباب كراهية الشعب المصري للمماليك، تمثلت في أنهم قد قدموا إلى مصر بالأساس كعبيد أرقاء مجلوبين من آسيا الوسطى والقوقاز وبلاد ما وراء النهر، حيث تم توظيفهم كجنود مقاتلين في صفوف الجيش الأيوبي في القرن السادس الهجري، واشتركوا في مجموعة من المعارك المهمة ضد الصليبيين، كما بانت قوتهم خلال المناوشات الحربية المستمرة التي جرت بين زعماء البيت الأيوبي وبعضهم البعض.

ورغم اعتراف المصريين بمجهودات المماليك في دفع خطر الصليبيين والمغول، إلا أن  ذلك لم يقابله قبول كامل لحكمهم. 

ما زاد من حنق ونقمة المصريين على المماليك، أن النظام السياسي الذي كان متبعاً في ذلك العصر، لم يقر النهج الوراثي الذي يشجع على الاستقرار والهدوء، بل كان نظاماً يعتمد بالمقام الأول على القوة والشوكة، ويشجع كل أمير يرى في نفسه القدرة على مناطحة السلطان، على الانقلاب عليه والثورة ضده، وهو الأمر الذي انعكس بالتبعية على الحياة الاقتصادية في البلاد، إذ تراجع الاهتمام بالمرافق الزراعية، ووجد الفلاح المصري نفسه مطالباً بدفع الإتاوات والمغارم والمكوس والجبايات التي يحصلها منه الأمير المملوكي الإقطاعي الذي لا يهتم إلا بجمع الأموال لإرضاء السلطان من جهة، وتقوية مركزه العسكري من خلال شراء المزيد من المماليك من جهة أخر.

وتسبب كل ذلك في حلول النكبات والمصائب بأهل مصر، حتى ذكر تقي الدين المقريزي في كتابه "إغاثة الأمة بكشف الغمة" ما نصه: "لما دُهي أهل الريف بالمغارم وتنوع المظالم اختلت أحوالهم، وتمزقوا كل ممزق، وجلوا عن أوطانهم، فقلت مجابي البلاد ومتحصلها، لقلة ما يزرع بها، ولخلو أهلها ورحيلهم عنها".

أيضاً من بين الأسباب التي دعت المصريين لكراهية الحكم المملوكي، أن المماليك قد قدموا أنفسهم كطبقة أرستقراطية حاكمة، لا تختلط بالمجتمع المصري، ولا تتعامل معه إلا بالكثير من مظاهر الترفع والاستعلاء، ويظهر ذلك في استئثارهم الكامل بالحكم والسلطان، وأنهم –أي المماليك- قد استحدثوا طبقة اجتماعية جديدة، من أبنائهم وأعوانهم، عُرفت بـاسم "أبناء الناس"، أما بقية المصريين فقد بقوا في قاع الهرم الاجتماعي، وكان التوصيف الأشهر لهم "الفلاحين".

من هنا يمكننا تفهم تلك الأبيات الموجعة التي أنشدها الشاعر المصري جمال الدين السلاموني، في عصر السلطان قانصوه الغوري، والتي أوردها ابن إياس الحنفي في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، إذ يقول السلاموني مندداً بظلم المماليك وقاضيهم عبد البر بن الشحنة وكبار موظفيهم:

فشا الزور في مصر وفي جنباتها... ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها

أيُنكرُ في الأحكام زورٌ وباطلٌ... وأحكامُهُ فيها بمختلفاتها

إذ جاءه الدينار من وجه رشوة... يرى أنه حلٌ على شبهاتها

فإسلام عبد البر ليس يرى سوى... بعمته، والكفر في سنماتها

"يا أهل مصر، مقاومتكم انتصار": هل شارك المصريون في صد العثمانيين؟

من الجمل التي استدعت الانتباه في الإعلان الترويجي للمسلسل، تلك التي ينطق بها السلطان المملوكي طومان باي في نهاية الإعلان، والتي جاء فيها "يا أهل مصر، مقاومتكم انتصار".

الدلالة الظاهرة للجملة، تؤكد أن المصريين قد قاوموا الغزو العثماني، وأنهم قد اشتركوا مع طومان باي في معركة الريدانية في يناير 1517م، وهو الأمر الذي يتعارض مع معظم الشواهد والأدلة التاريخية المتعلقة بتلك الفترة.

بحسب ما هو متعارف عليه في العديد من المصادر التاريخية التي تناولت العصر المملوكي، فأن المماليك هم الذين تولوا مهمة الدفاع عن أملاكهم في مصر والشام وبلاد الحجاز، وكانوا ينتظمون في شكل قوات نظامية مدربة، يُشكل سلاح الفرسان القوة الضاربة فيها، وربما ساعدتهم في بعض الأحيان مجموعات من العربان أو المتطوعة الذين كانوا يقبلون على الجهاد في سبيل الله، وكان هؤلاء يقدمون من جميع البلاد الإسلامية الواقعة تحت الحكم المملوكي.

لم يسمح المماليك للمصريين بالمشاركة في الأعمال العسكرية، إذ لم يكن من حق "الفلاحين" من أبناء النيل أن يحملوا السلاح، وذلك بموجب الاعتقاد السائد في تلك العصور، بأن الفروسية شرف لا يجب منحه إلا لمن يستحقه، وأنه يجب أن يظل مقصوراً على النخبة المُدربة والتي تشربت مبادئ وأصول الفنون الحربية والتكتيكات العسكرية منذ نعومة أظافرها.

على هذا، يمكن التأكيد على أن انتصارات المماليك الكبرى في معارك المنصورة وعين جالوت وحمص وشقحب وفتح عكا، كانت في حقيقتها ثمرة لمجهودات المماليك الأتراك والجراكسة، ولا علاقة لها بالمصريين من أهل البلاد، الذين اقتصرت أدوارهم في تلك المعارك وغيرها، على القيام ببعض الخدمات اللوجستية المساعدة، من قبيل نصب المتاريس وإعداد المخيمات، فضلاً عن صناعة الأسلحة والسفن الحربية وتجهيز المؤن ومستلزمات الحرب.

الأنظمة السياسية التي حكمت البلاد العربية في مرحلة ما بعد الكولونيالية، مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، والتي كانت في معظمها قومية التوجه، وجدت في الانتصارات العسكرية على الصليبيين والمغول، فرصاً لا تعوض في سبيل رسم وتشكيل أسطورتها الخاصة عن أمجاد قومية تاريخية متخيلة، يمكن استغلالها في العصر الحديث لتوطيد وشرعنة هيمنة المؤسسة العسكرية على البلاد، وتم الترويج لتلك المزاعم من خلال الأعمال الدرامية والسينمائية التي انتشرت في تلك المرحلة التاريخية، ومن ثم لم يكن من الغريب أن يتحول بطل حطين، صلاح الدين الأيوبي "الكردي الأصل، والتركي الثقافة"، إلى "قائد العرب وبطل العروبة"، وذلك في الفيلم الذي سُمي باسم "الناصر"، في إشارة مبطنة للزعيم المصري العروبي الأشهر جمال عبد الناصر.

في السياق نفسه، وعلى سبيل رفع الروح المعنوية للجيش المصري الذي يقاتل العدو الصهيوني، فقد تم الترويج لكون مصر هي "مقبرة الغزاة"، وتم التأكيد على ذلك من خلال الاستشهاد بانتصار المصريين في حطين وعين جالوت، رغم أن التاريخ لا يذكر أي دور للمصريين من أهل البلاد في المعركتين.

واستكمالاً لذلك التوظيف التاريخي ذي البعد السياسي، فأن صناع "ممالك النار"، قد عملوا على إظهار المصريين وقد وقفوا لصد الغزو العثماني، واستخدم المؤلف لفظة "مقاومة" لذلك الفعل، رغم أن القراءة التاريخية المتأنية تثبت أن العثمانيين كان حالهم حال المماليك، فالطرفان كانا من أصول أجنبية (شركسية أو تركية)، وكان هدفهما الرئيس يتمثل في توسيع دائرة النفوذ والسطوة، دونما اعتبار لأهل البلاد، ومن هنا فلم يكن هناك أي سبب منطقي يدفع المصريين الذين ذاقوا الأمرين في عصر المماليك، ليعرضوا أنفسهم للموت في ساحة المعارك لصد الجيش العثماني القوي المتفوق عدداً وعدة.

من الجمل التي استدعت الانتباه في الإعلان الترويجي لمسلسل "ممالك النار"، تلك التي ينطق بها السلطان المملوكي طومان باي: "يا أهل مصر، مقاومتكم انتصار". فهل شارك المصريون في صد العثمانيين؟ 
في مسلسل "ممالك النار" منافسة مبطنة للأعمال التركية الممجدة للتاريخ العثماني، كقيامة أرطغرل، السلطان عبد الحميد الثاني، وقيامة عثمان

الأشرف طومان باي: السلطان المملوكي الذي بكاه المصريون

وضح من الإعلان الترويجي للمسلسل، أن البطولة سوف تكون من نصيب شخصية السلطان الأشرف طومان باي، آخر سلاطين المماليك في مصر، وهو أمر يمكن فهمه وتقبله بالرجوع إلى ما ورد في الكتابات التاريخية عن هذا السلطان.

المصادر التاريخية التي تناولت عصر المماليك، اتفقت على أن طومان باي، قد اختلف كثيراً عن أسلافه من السلاطين الظلمة، الذين لم ينشغلوا إلا بفرض الضرائب والمكوس، ومن هنا فقد كانت حادثة إعدام طومان باي في 21 ربيع الأول 922 للهجرة/ 15 سبتمبر 1517ميلادي، ذات أثر بعيد في نفوس المصريين، إلى الحد الذي دفعهم دفعاً لإخراجه من الإطار التاريخي المعتاد، ليضعه في مركز دائرة الأبطال الشعبيين المُتخيلين.

تلك الصورة البطولية، تظهر في كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، الذي يذكر أن طومان باي قد رفض تسلم السلطة لفترة طويلة بعد مقتل سلفه قانصوه الغوري في موقعة مرج دابق، وأنه لم يوافق على اعتلاء العرش السلطاني، إلا بعد أمر مباشر من الصوفي الشهير أبو السعود الجارحي، في إشارة إلى أن طومان باي لم يكن مفروضاً على المصريين، كحال من سبقه من المماليك، بل على العكس، كان قد نال شرعيته من خلال سلطة روحية صوفية ينصاع لها أهل البلاد ويقدرونها ويظهرون لصاحبها آيات التقدير والإجلال.

ومن بين الأمور التي ساهمت في تخليد شخصية السلطان المملوكي الأخير في الثقافة الشعبية المصرية، درامية ومأسوية لحظة إعدام طومان باي، إذ يتحدث ابن إياس عن تلك اللحظة، فيذكر أن السلطان المملوكي قد طلب من الجماهير الملتفة من حوله أن يقرأوا له الفاتحة لثلاث مرات، ثم صعد إلى المشنقة بثبات دون خوف، غير أن حبل المشنقة قد انقطع به لثلاث مرات متكررة، فيما فهمه المصريون على كونه إشارة روحية عميقة تثبت بطولة هذا السلطان.

يذكر ابن إياس أن المصريين قد أظهروا حزنهم على السلطان المملوكي الأخير، بمجرد أن فارق الحياة: "فلما شُنق وطلعت روحه، صرخت عليه الناس صرخة عظيمة، وكثر عليه الحزن والأسف..."، وفي السياق نفسه، يؤكد ابن زنبل الرمال في كتابه "آخرة المماليك": "وكان ذلك اليوم على أهل المملكة، أشأم الأيام، وبكت عليه الأرامل والأيتام"، وقد نظم الشعراء المصريون الكثير من المراثي في طومان باي، ومن ذلك ما ذكره ابن إياس في كتابه، من قول القاضي أبي الفتح السراجي:

لهفي على سلطان مصر كيف قد... ولى وزال كأنه لن يذكرا

شنقوه ظلماً فوق باب زويلة... ولقد أذاقوه الوبال الأكبر

يارب فأعف عن عظائم جرمه... واجعل بجنات النعيم له قرا

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard