"يا شمسَ هذا العالم"... إلى قونيا التي مازال يناجي الرّومي فيها حبيبَه

الخميس 14 نوفمبر 201902:38 م

" أنت عاشق لتجربتك الروحية، ولستَ عاشقاً لي، فإنك حين تأتيني، تأتي لتستحضرَ حالتك النابعة منك أنت".

جلال الدين الرومي


من أين تبدأ الكتابة عن قونيا وأين تنتهي؟

هذا السؤال الذي حاصرني عدة أشهر عقب زيارتها. " اذهبْ حيث يقودك قلبك"، لذا أتيت هذه الرحلة برفقة صديقتي الكاتبة العمانية، أزهار أحمد، وكانت الرغبة لزيارة هذه المدينة قد اشتعلت قبل عدة أشهر بالصدفة عقب مشاهدة فيديو يحكي عن تاريخها وعن جامع "مولانا" ذي القبة الزرقاء. ثم تأتي التساهيل القدرية التي تأخذ بيد المرء للوصول إلى مراده، في غفلة من الزمن. هكذا كنتُ في الطائرة المزدحمة من مطار إسطنبول إلى مطار قونيا، أشعر أنني محمولة على جناح أوزة سحرية.

***

في يومٍ ما كانت قونيا عاصمة دولة السلاجقة إلى أن احتلّها المغول، كما كانت مركزاً مهماً في العهد العثماني. أما اليوم فإن هذه المدينة لها هوية أخرى، هوية تحمل عدة حضارات، وتكشف وجوهاً مختلفة. تستقبلكم قونيا برحابة حداثية تُذهل الزائرين، المنتظرين مدينة قادمة من قلب التاريخ. ولكن، مهلاً لأن مدينة مولانا لابدّ أن تحمل في باطنها هوى خفياً يبِين ولا يبين، مع موسيقى صوفية خافتة تسمعونها أينما ذهبتم، وكأن ترانيم المولوية تتردد عبر الزمان السحيق.

لا يدري السائر ونفي شوارع قونيا، وأزقتها، وأروقتها، وحدائقها، ومقاماتها، وأضرحتها عمن سبقهم للخطو هنا، من بشر عاديين، ومتصوفة، وقادة عسكريين وفاتحين، وزعماء الدولة الحديثة.

تثير قونيا التاريخ والشجن والأسئلة، وتجعلكم تفكرون رغماً عنكم بالحيرة البشرية التي يعيشها المتصوف أو المريد قبل أن يقرّر المضيّ في مساره؛ هذه الأفكار تتوازى مع تساؤلات كثيرة عن الحاضر، وعن الواقع المعاش، وعمّا يختبئ خلف البنايات المرتفعة في قونيا من أسرار وحكايات.

قونيا تستدعي التفكير بالموت أيضاً، بالذين كانوا هنا ورحلوا. إنها المدينة التي تؤكد على الزوال وتذكركم به أينما اتجهتم، فالتاريخ القديم لهذه المدينة يقول بأنها كانت مأهولة خلال العصر النحاسي المتأخر، حوالي 3000 قبل الميلاد. وخلال القرنين الثامن والعاشر الميلادي، كانت المدينة وحصن "كابالا" هدفاً متكرراً للهجمات العربية كجزء من الحروب العربية البيزنطية.

ثمة وسيلتان للذهاب إلى قونيا، عبر القطار الذي يحتاج راكبوه إلى ما يزيد عن تماني ساعات للوصول، وعبر الطائرة من إسطنبول إلى قونيا، خلال رحلة لا تتجاوز الساعة والنّصف. وبسبب ضيق الوقت كان اختيار الطائرة التي بدت كاملة العدد، وهذا ما أثار الدهشة والسؤال عمّا يفعله كل هؤلاء البشر في إسطنبول.

توقعت أن تكون مقاعد الطائرة فارغة إلا من السيّاح وليس من أهل البلد، على اعتبار أن الأتراك سوف يختارون السفر بالقطار، لكنني كنتُ مخطئة في هذا الافتراض، لأن قونيا من بين أكبر المدن في تركيا، وهي المدينة السابعة الأكثر اكتظاظاً بالسكّان. يقع مطار قونيا في منطقة "سلجوق"، ويبعد نصف ساعة عن مركز المدينة.

يا حضرة مولانا

في مسجد مولانا، وأمام قبّته الزرقاء، تحضرني كلمات الشاعر محمود درويش:

يطير الحمام... يحط الحمام/ وإني أحبّك... أنتِ بداية روحي، وأنتِ الختام/ يطير الحمام... يحطّ الحمام

يغمركم إحساس غريب بالأمان في ساحة مسجد "مولانا"، الذي يقع في منطقة " العزيزية"، ويحتوي ضريح جلال الدين الرومي، وهو أيضاً مأوى الدراويش، المعروف بدوامة الدراويش، حيث ترتفع القبة الفيروزية لتمنح المسجد اطلالة تميزه عن أي مسجد آخر.

حُكي عن هذه القبة أنها بُنيت على طريقة البناء السلجوقي، تحت إشراف المهندس المعماري بحر الدين تبريزلي، الذي انتهى من بنائها في عام 1274م، بتمويل من "غورجو خاتون"، زوجة الأمير السلجوقي "سليمان بَروانه"، كما شارك الأمير "علم الدين قيصر" أيضاً بتمويل البناء. ترتكز الطبلة الأسطوانية للقبة على أربع أعمدة، والقبة مزخرفة بخزف فيروزي. وفي 1854، أُضيفت العديد من الأقسام إلى المبنى.

تثير قونيا التاريخ والشجن والأسئلة، وتجعلكم تفكرون رغماً عنكم بالحيرة البشرية التي يعيشها المتصوف أو المريد قبل أن يقرّر المضيّ في مساره

ثمّ  بعد أقل من قرن، وتحديداً في عام 1926، في السادس من أبريل، صدر مرسوم يقول إن الضريح ودوامة الدرويش سيتحوّلان إلى متحف. فُتح المتحف في 2 مارس 1927، وسُمّي بمتحف مولانا.

كما يوجد إلى جانب متحف مولانا، جامع " السليمية" الذي بُني في عهد السلطان سليم الأول. يتمّ الدخول مجاناً إلى متحف مولانا، ويزوره يومياً العديد من السيّاح. في إحدى غرف المتحف هناك غرفة شمس الدين التبريزي، كما تعرض غرف المتحف الملابسَ التي كان يلبسها المتصوّفة، وفي غرفة أخرى توجد الأوامر والفرمانات التي كانت تصدر في تلك الحقبة.

في داخلي أفكر أن " مولانا" كان هنا هو وشمس التبريزي ذات يوم. أتساءل في سرّي هنا أيضاً كانت كيميا، وهنا ردّد الرّومي أبياتاً من الشّعر بعد رحيل "شمس" يقول فيها مناجياً إياه: "يا شمسَ هذا العالم"

مساحة المسجد شاسعة ومفتوحة على فضاء رحب، وهواء نقي، وقبّة فيروزية تميّز مسجد الرومي؛ مكان له طبقات وطبقات تحتية خافية، وخفية، تخفي مع كلّ خطوة سرّاً من الأسرار الروحية. نسير بخطوات متسرعة نحو المسجد، وفي داخلي أفكر أن " مولانا" كان هنا هو وشمس التبريزي ذات يوم. أتساءل في سرّي هنا أيضاً كانت كيميا، وهنا ردّد الرّومي أبياتاً من الشّعر بعد رحيل "شمس" يقول فيها مناجياً إياه: "يا شمسَ هذا العالم".

لطالما شكّلت حكاية الرومي مع شمس تساؤلات كبرى بالنسبة لي، خاصة في خلوتهما التي استمرّت أربعين يوماً. أي سر عشقيّ هو الذي لقّنه شمسُ للرّومي فجعل منه عاشقاً يطوف في محراب عشق قائم ويرقص رقصة السماح؟

يمتزج الدينيّ مع الدنيوي في ساحة المسجد، أشكال مختلفة من البشر تمضي في ساحته وما يحيط به من مبانٍ. يتّجه المسلمون نحو الجامع للصلاة، أما باقي الجنسيات فيدخلون الحجرات المحيطة بالمسجد والتي تحوّلت إلى متحف لمقتنيات جلال الدين الرومي وتلامذته، ففي هذا المكان كان "مولانا" يلقي تعاليمه ودروسه لتلامذته ومريديه. وفي الساحة الواسعة أيضاً داخل المسجد ثمة بازار متوسط المساحة، يبيع التذكارات التي ترمز إلى الصوفية بأسعار مرتفعة عن سائر الأماكن، كما يوجد ركن صغير للاستراحة وشرب فنجان من القهوة التركية.

المنطقة المحيطة بالمسجد هي الجزء القديم من قونيا، ويوجد فيه سوق شعبي يسمّى سوق "مولانا"، أو "مِيفْلانا" كما تُنطق بالتركية. يزدحم السوق بمحلّات تبيع الحلوى التركية، والتحف والتذكارات المتنوعة التي ترمز في معظمها إلى دلالات صوفية، ما بين الدرويش الراقص، ولوحات مرسوم فيها كلمة "هو" أو جملة "يا حضرت مولانا". كلّ التذكارات تكشف عن مدى تأثّر قونيا بالشاعر المتصوّف جلال الدين الرومي.



المطعم الدائر في الطابق 42

هناك وجه حداثي لمدينة قونيا، تفاجئ به زائرها منذ الوهلة الأولى أبنية حديثة مرتفعة جدّاً، وشوارع عريضة، أكثر رحابة واتساعاً من شوارع العاصمة إسطنبول.

في قونيا يوجد "مول" كبير يدعى "نوفادا أوتليت"؛ يقع في "برج السلاجقة"، ويبلغ طول المبنى 42 طابقاً. يشبه المول أيَّ مول آخر حداثيّ جدّاً في أيّ مدينة غربية، يتضمن الماركات العالمية لكن بأسعار مخفضة قليلاً، مع أماكن للتنزه للعائلات والأطفال، ومطاعم عالمية من جنسيات مختلفة.

في الطابق 42 من المول يوجد المطعم الدائر، المشرف على مدينة قونيا كلّها، وفي هذا المكان الذي يُقدّم الأطعمة التركية التقليدية تباغتكم الحداثة بوضوح حين تلاحظون أن الطاولة التي تجلسون إليها تدور في حركة بطيئة جدّاً بالكادّ تشعرون بها، لكنها تنقلكم من مكان إلى آخر؛ حركة تشبة دوران الأرض حول الشمس التي تؤدي إلى تعاقب الليل والنهار. المطعم الدائر أصابنا أنا وصديقتي بالدهشة، ربّما لأننا لم ننتظر وجوده في قونيا.

أما العودة من "أوتليت مول" إلى مركز المدينة فيمكن أن تتم عبر التاكسي أو عبر محطة "أوتوغار" والنزول في محطة "علاء الدين".

كانت الملاحظة أن الناس في قونيا أكثر هدوءاً وتجاوباً مع السائح منهم في إسطنبول. وربما من طبيعي أن يحدث هذا الاختلاف بين العاصمة والمدن الأخرى.

يهبط الليل علينا، ويتردد في داخلي المثل القديم القائل : "تجوّل في قونيا لترى العالم!".



إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard