"نعيش في بقعة مظلمة ومعزولة"… فتيات من غزة تزوجن من "الخارج" وتغيرت نظرتهن لـ"الحياة"

الأحد 10 نوفمبر 201907:00 م

"وحين تلتمس رَفِيق الطَّرِيق، فإيَّاك أن تنظر إلى لَونِهِ أَو لِسَانِهِ بَل ابحَث عَن نَوايَاه، وَهِمَّته، المُهِمّ أنَّ مَا يَجمعُك بِمُحِبِّيك هُوَ لُغَةُ القَلبِ"، يقول المُتصوِّف الكبير جلال الدين الرومي، وهو ما ينطبق حقيقةً على قصة ارتباط شابات من غزة، تحدثنا معهن: شيماء، وجنان، وإشراق بشباب من خارج حدود بلادهن.

ثلاث فتيات كسرن قواعد التقاليد المحلية، الحواجز النفسية، وهواجس الاختلاف، اللاتي تتربّى عليها معظمهنّ، فحلّقن على أجنحة الحب إلى بلاد بعيدة، أعادوا عبر تلك الرحلة النظر في أنفسهنّ، وقيمهنّ، ووضع بلادهنّ.

بشكل عام، ترفض العائلات الفلسطينية تزويج بناتها من أجانب، لأسباب كثيرة، من بينها الفجوة في العادات والتقاليد، فضلاً أن بعض العادات تضيق من خيارات بناتها، وتحصرها في ذكور العائلة فقط، لأسباب تتعلّق بالميراث، ومعتقد سائد: "ابن العم أولى من الغريب".

"عندما يكون هناك حب لا تنظرين إلى عادات أو فروق، لأنه بس تحبي شخص لا تجزئينه، ولا تنظرين للشكل"، هكذا تحدثت جنان الرقب (23 عاماً) لرصيف22 عن علاقتها، والتي ارتبطت برجل أندونيسي الجنسية.

"بس تحبي شخص لا تجزئينه، ولا تنظرين للشكل".

لم تكن قد أتمَّت بعد دراستها في الثانوية العامة، حين التقت جنان بزوجها الحالي محمد الذي كان يعمل في مشروع بناء المستشفى الأندونيسي، شمال قطاع غزة.

تقول جنان: "تعرفت على محمد من خلال والدي الذي يعمل في قسم القبول والتسجيل بالجامعة الإسلامية بغزة، حيث أراد محمد أن يكمل دراسته هناك".

"كان والدي يدعوه باستمرار بحكم أنه غريب بلاد، وحتى يتعرف على أكل غزة فتعارفنا".

محمد الذي يتقن سبع لغات من بينها اللغة الإنجليزية، والتي كانت مفتاح التواصل مع طالبة الثانوية، لم يكتم طويلاً رغبته في الارتباط بابنة مضيفه.

"كان في تواصل بيننا في مساعدتي بالترجمة والدراسة إلى أن تطور الامر وتحدث مع والدي للزواج"، تقول جنان، لكن حاجز العادات وصغر سن الفتاة حال بينهما حتى رضخ الوالد لإصرار محمد.

لم يخطر ببال جنان، التي كانت ترى أنَّها محظوظة برفيقها لصفاته التي لم تجدها في شباب غزة، فوارق العادات والثقافة بين البلدين، فهي تقول إن الحب يجعل الفوارق تبدو تافهة وضئيلة، وما يهمها في المحبوب "جوهره، مضمونه، ومحمد جوهره نادر".

لكن هذه الاختلافات التي تبدو باهتة حين يطغى الحب، حاصة عندما يكون أحد طرفي العلاقة امرأة في مجتمع ذكوري، محاصر، ومنغلق.

وتبرز الخلافات أكثر حين تتخذ العلاقة منحى أكثر جدية بعد الزواج، وتقول جنان إنَّها واجهت خلال حياتها الزوجية صعوبات كثيرة، وبدأت تكتشف الاختلافات في عادات وثقافة شريكها.

ترفض عائلات فلسطينية في غزّة تزويج بناتها من أجانب، لأسباب كثيرة، من بينها الفجوة في العادات والتقاليد، فضلاً أن بعض العادات تضيق من خيارات بناتها، وتحصرها في ذكور العائلة فقط
"أدركت أننا نعيش في بقعة ظالمة جداً لأهلها ومظلومة بذلك، لكن هذا زاد حبي لكوني من غزة لما رأيت حبهم وانتماءهم ودفاعهم عنها"

وتوضح بالقول: "هناك عادات لدى الشعب الأندونيسي صعب تقبلها في البداية، خاصة بالنسبة للغزيين المنغلقين على أنفسهم، ويصعب عليهم التعامل مع الآخر المختلف".

فمثلاً الزوجة في أندونيسيا لا تنادي زوجها باسمه كما تفعل الزوجات في فلسطين، فقط ينادوهم بـ"سيانكوا" والتي تعني "حبيبي".

"كان هذا في نظرهم عدم احترام وجلب لي انتقادات واستياء، لكن محمد أوضح لهم أن هذا أمراً مقبولاً في غزة، وأنه غير منزعج فتقبلوا".

"محاصَرون ولكن عاشقون للوطن"

استطاعت جنان التي نشأت في كنف عائلة محافظة في بقعة جغرافيا محصورة ومحاصرة، أن تفتح آفاقاً جديدة أمام عقلها، تقبل فيها كل اختلاف مع الآخر. تقول: "أدركت أننا نعيش في بقعة ظالمة جداً لأهلها ومظلومة بذلك، لكن هذا زاد حبي لكوني من غزة لما رأيت حبهم وانتماءهم ودفاعهم عنها".

عملت جنان مع زوجها على توثيق العلاقات بين الشعبين الفلسطيني والأندونيسي، عبر المشاركة في عدة مؤتمرات وندوات لدعم فلسطين، كما شاركت في فيلم "هيا" والذي يلقي الضوء على القضية الفلسطينية.

عملت جنان مع زوجها على توثيق العلاقات بين الشعبين الفلسطيني والأندونيسي.

في حديقة حرم الجامعة، تجاسر أطهر (باكستاني الجنسية) أخيراً للإفصاح لصديقته وزميلته المثقفة عن رغبته بالارتباط بها، وهو يعلم يقيناً أن عائلتها قد ترفض كونه "أجنبياً". وهو ما حدث بالفعل.

التقت شيماء زيارة (25 عاماً)، فلسطينية من قطاع غزة، بخطيبها أطهر كمال، أثناء دراستهم في جامعة حمد بن خليفة في دولة قطر.

أثارت شيماء بثقافتها، وحديثها اللبق المفوه، إعجاب أطهر، يقول لرصيف22: "قبل أن ألتقي شيماء شخصياً، رأيتها على لوحة إعلان للجامعة حول حدث تديكس، الذي كانت أحد المتحدثين فيه، بحثت عنها وتواصلت معها عبر الإيميل لتكون جزءاً من فريق مناقشة".

ويقول أطهر كمال الذي يتقن اللغة الإنجليزية لرصيف22: "بعد أن تحدثت إليها، فكرت أنني وجدت صديقة رائعة، لذلك بقينا على تواصل، وكان بيننا محادثات حول موضوعات وأفكار مختلفة".

"بعد وقت قصير من لقائنا الأول وحديثنا، قررت أن أتخذ خطوة أخرى في علاقتنا نحو الارتباط، رأيت فيها الشخص الذي كنت أبحث عنه شريكاً لي. امرأة قوية جميلة مثقفة وتعبر عن نفسها جيداً وتتعامل برقة مع منهم أقل حظاً منها"، يضيف أطهر.

هل أرّقتكما الاختلافات فيما بينكما؟

تجيب شيماء: "أنا شخصياً لا يعني لي كثيراً التعصب للجنسية أو الثقافة وما إلى ذلك، لأنه أهم شي بالآخر شخصية الشريك وتفكيره وقناعاته، خصوصاً إني عشت ببلد مثل قطر فيه جنسيات وثقافات متنوعة".

لكن والد شيماء لم يكن مستعداً لمناقشة فكرة ارتباط ابنته بشخص أجنبي، واستغرق الأمر عامين من الإصرار والاقناع حتى استسلم لرغبتها في الارتباط بأطهر.

تقول شيماء متفهمة لرفض والدها: "صعب على أب يقبل ببساطة فكرة أن بنته المغتربة ترتبط بشخص من دولة تانية وثقافة تانية، كان خائفاً ويشعر أنني سأصبح بعيدة أكتر، خاصَّة أنَّ غزة وضعها خاصّ من ناحية الحركة والسفر والتنقل".

"فرحانة باختلافي"

تتحدث شيماء بسعادة واضحة عن الاختلافات التي تكتشفها بين ثقافتها الفلسطينية وثقافة أطهر، وتقول: "في البداية كان في رهبة، لكن مع الوقت صرنا نعرف بعض أكتر. أصبحت أرى أنه قد ما في اختلافات في تشابه ولا ضير حتى من الاختلافات، بالعكس شعرت أنها شيء جميل ويضفي لحياتنا معا خبرات جديدة وجميلة".

البارز في "العلاقات متعددة الثقافات"، كما تحب شيماء وصفها، هو التحرّر من بعض العادات أو المفاهيم المجتمعية المفروضة على الأشخاص من نفس الثقافة.

"كأننا نسلك طريقنا الخاص بدون الضغوطات التي تلحق العلاقات ضمن نفس المجتمع وهذا يمنحنا الراحة"، تقول شيماء.

"زواجنا يخدم بلادنا"

"تعالي كولي الصرمة " كنت هذه الجملة كفيلة أن تثير ارتباك إشراق يوسف (26 عاماً) واستغرابها معاً، فـ"الصرمة" بالدارجة الفلسطينية تعني "حذاء" لكنها في التركية تعني "ورق العنب".

ارتبطت إشراق، بزوجها متين يوكسال، وهو تركي الجنسية، أثناء تواجده في قطاع غزة لتقديم مساعدات إنسانية ضمن مؤسسة خيرية يرأسها والده.

تقول إشراق إنه لا يوجد اختلافات كبيرة وجوهرية في الثقافتين، لكن أكثر ما يزعجها هو "جرأة " الأتراك في الإفصاح عن مشاعرهم، وهو ما تعتبره أمراً "خاصاً" لا يجوز مشاركته أمام الآخرين، وفق البيئة المحافظة التي نشأت فيها.

وتقول إشراق لرصيف22: "الأتراك بشكل عام بحبون التعبير عن حبهم وإحساسهم بكل الطرق، هذا شيء جميل لكني لم أعتد عليه، فكان يسبب لي إحراجاً لكن متين تفهم ذلك".

وترى إشراق أن الزواج من بلد آخر، بغض النظر عن الحدود السياسية، يخدم قضية بلادها بشكل ما، موضحة أن هذه الزيجات "توصل رؤية مختلفة عن القضية الفلسطينية، لأننا نقابل أناساً من مختلف الجنسيات، وعندما نكون بالخارج فإننا نجيب على أسئلة الجميع فيما يخص قضيتنا بشكل عام وغزة بشكل خاص، ونصحح الفكرة عنها".

وتتابع "الجميع يتخيل مدينة غزة تحت حرب يومية، يسكنها الدمار والموت، لا يذهب فيها الأطفال إلى المدارس.. وهي ليست كذلك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard