ما هو تعريف الخيانة حقاً؟

الأحد 10 نوفمبر 201902:31 م

"فقال الرب: قابيل، أين هابيل أخوك؟ فقال: لا أعلم، أحارس أنا على أخي؟ فقال: ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ من الأرض".

هذه أول خيانة في التاريخ البشري، قابيل هو من قام بها وجابه الرب بتعنّت واضحٍ، وهذا دليل أنّه يعتبر نفسه مظلوماً ويملك سبباً لما قام به، حين رُفض قربانه وقُبِل قربان أخيه.

بعد قرون كثيرة جاء آينشتاين ووضع النظرية النسبية التي غيرت العالم وأصبح كل شيء يحتمل الخطأ والصواب، ليس حسب الأبعاد وإنما حسب الظروف/ الزمن، ما هو صحيح بالنسبة لـ(س) يمكن أن يكون خطأ بالنسبة لـ(ع) على اعتبار أن كلاً منهما يراه حسب وجهة نظره وميوله وذائقته واعتقاده وعُقده، وفوق كلّ هذا، أصبح الزمن كفيلاً بجعل الصواب خطأ والخطأ صواباً، بسبب تغير الأشخاص الذين يقيّمون الموضوع، كأن يموت (س) مثلاً ويعهد لـ (ع) بتقييم الوضع، أو العكس.

كيف نميز الأبيض من الأسود إذن؟ وما هو تعريف الخيانة؟

الحقيقة أنه لم يوجد تعريف شامل لها، وتم الاتفاق على أنها: "انتهاك عقد أُبرم بين طرفين". التعريف، كما نرى، ليس كافياً، لكن ما تمّ إغفاله في التعريف جرى تداركه في تفصيل أنواع الخيانة، حيث تمّ تبويب أربعة أنواعٍ لها جاءت حسب العبر المستقاة من التاريخ على امتداده الطويل:

الطابور الخامس: أطلق هذه العبارة الجنرال "إميليو مولا"، وهو أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد، وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار، فقال حينها إن هناك طابوراً خامساً يعمل مع الوطنيين لصالح جيش الجنرال فرانكو، ضد حكومة الجمهورية اليسارية ذات الميول الماركسية…

مهلاً، هل قلت "الجنرال فرانكو "؟! ماذا يحدث الآن؟؟ من هو الخائن ومن هو الوطني؟ الجميع يعلم تاريخ فرانكو، لكن أن يكون له من يناصره، ويعمل من الداخل لأن يقوض أسوار مدريد ليدخلها فاتحاً، هذا ما يحيلنا إلى وجهة نظر أخرى تتعلق بالخيانة، ففي ظل النظم الاستبدادية قديماً وحديثاً أصبح الخصوم السياسيون هم من يُتهمون بالخيانة وليس من يتعامل مع بلدان معادية مثلاً، على اعتبار أن هؤلاء لا يشكلون خطراً إلا على البلد فقط... وهذا أمر عادي ومألوف وسطحي.

لو رضي قابيل... لو رضي بقسمته ربما ما كان هناك داع لهذا المقال.

الطعن في الظهر: لن أُعرّف المعرّف هنا، فالمعنى واضح تماماً، ما يثير هو طريقة التطبيق، وتوقيت القيام بالطعن، ونظرة الغادر إلى المغدور حين يموت بين يديه، يمكن اعتبار الخيانات الزوجية مثالاً جيداً على هذا النوع، دائماً تأتي الخيانة هنا في اللحظة الأقل، اللحظة الأكثر أماناً، لا ينتبه المغدور لها حتى يتحسس قطرات دمه وهي تسيل. بالعودة للأسباب أعتقد أنها نفسها عند الطرفين، أزواجاً وزوجات.

"الطرف الآخر غير مهتم ومهمل ويفتقد للعاطفة... إلخ " وربما يكون السبب ردة فعل على فعل سابق... أسباب تصلح لتبرير القيام بالخيانة في وقتها وليس للدفاع عنها، لابد من استحضار عبارة علي بن أبي طالب الشهيرة هنا: "لم يخنك الأمين لكنك ائتمنت الخائن"، أتمنى لو كان موجوداً في عصر مواقع التواصل الاجتماعية، فلم أعد أستطيع تمييز الأمين الآن.

حتى أنت يا بروتوس: قالها قيصر لصاحبه يوماً، ومن منا لم يقلها بعده؟ أن تستيقظ صباحاً وترى أحد أصدقائك قد أفشى سراً لزوجتك مثلاً، أو أن يكون قد تحالف مع أعدائك لمجرد فكرة أن تخسر أنت ويبقى هو، ليس رابحاً وإنما غير مهزوم، أو أن ترى كلاماً قلته أنت واسمه تحته، الدوافع هنا شخصيّة محضة، ربما سببها حس المنافسة بين أبناء الكار الواحد وربما ليس كذلك، قد يعتبر "بروتوس" نفسه أهلاً للحكم أكثر من "قيصر" نفسه، وهذا حق للأمانة، حق أن تعتبر نفسك ما شئت، لكن ليس حقاً أن تدّعي ما ليس فيك، وليس لك، وليس أنت... إنه القيصر يا غلام... يا.... غلام.

الولاء المزدوج: تقابلها عبارة: "من نقل إليك نقل عنك"، وهذه تحديداً أصبحت "موضة" سوريا في السنوات العشر الأخيرة، الجميع يحب الجميع، الجميع يتحدث بالخير عن الجميع، والجميع يتحدّث لـ "جميعٍ" آخرين عن الـ"الجميع " الأولين، بأنهم يكرهونهم ولا يطيقونهم ويتمنّون موتهم وهم مصدر طاقتهم السلبية المتزايدة، يمكن تلخيص هذه الحالة – والسوريين بطبيعة الحال – بمصطلح الابتسامة البلاستيكية، رغم أنّ البلاستيك يعتبر أحد أهم مسببات السرطان، لكنّ السوريّين عنيدون بطبعهم... عنيدون.

 "ماذا عن الأب الذي مات تاركاً خلفه طفلين وزوجة لا تعمل شيئاً سوى أن تجهّز نفسها له حين يعود من عمله؟ ماذا سيقول طفلاه عنه حين يكبران؟ ألم يخنهما هو أيضاً؟"

من يلوم البائع الجوّال حين تصادر بضاعته فيتحول إلى سارق؟ من يستطيع سؤال الحكومة عن الغاية من الجامعات وسط البطالة المتزايدة لحملة الشهادات؟ من يقول لآبائنا إن تعلم الصنعة والتخّي عن الدراسة ليست خيانة لموقعهم الاجتماعي كـ"آباء"

لا أسباب واضحة لهذا النمط من الخيانة، لكن يمكننا أن نجتهد ونقول إن الغيرة والفراغ واليأس والوهم وقلة الحيلة، يمكن أن تعتبر أسباباً وافية.

هذه الأنواع تقريباً تتحدث عن الخيانة في كلّ حالاتها... لكن ماذا عن الأب الذي مات تاركاً خلفه طفلين وزوجة لا تعمل شيئاً سوى أن تجهّز نفسها له حين يعود من عمله؟ ماذا سيقول طفلاه عنه حين يكبران؟ ألم يخنهما هو أيضاً؟ ماذا يقول الأب عن ابنه الوحيد الذي رضي بالموت أيضاً وتركه مُقعداً يلعن ترشيد استهلاك الطاقة والأبناء والوحيدين... ماذا نقول لطفلٍ تطلّق أبواه، كيف نقنعه أن أبويه يحبانه ولم يتخليا عنه، وأنّه ليس وحيداً ومطعوناً في ظهره تماماً رغم صغر سنه؟ ماذا يفعل بائع اليانصيب حين تخسر جميع أوراقه؟ من يلوم البائع الجوّال حين تصادر بضاعته فيتحول إلى سارق؟ من يستطيع سؤال الحكومة عن الغاية من الجامعات وسط البطالة المتزايدة لحملة الشهادات؟ من يقول لآبائنا إن تعلم الصنعة والتخّي عن الدراسة ليست خيانة لموقعهم الاجتماعي كـ"آباء" ...آباء فقط...

لو رضي قابيل... لو رضي بقسمته ربما ما كان هناك داع لهذا المقال.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard