نصيحة الأخ الكبير للعراقيين

السبت 9 نوفمبر 201902:42 م
Read in English:

Brotherly Advice to Iraqis

كانت نصيحة قاتلة، تلك التي قدّمها الأمريكيون لشاه إيران بإنزال الجيش إلى شوارع المدن الكبرى كي يسيطر على الاحتجاجات في أواسط عام 1978. دخل الجيش المدن، واستخدم القسوة، وقتل الآلاف، فانهار أمام الشعب، وفرّ الشاه، وانتهت حقبة أمريكية في إيران عام 1979.

وسواء أقرأنا تلك النصيحة على أنها خطأ أمريكي فادح أراد بشكل ارتجالي أن يمهد لانقلاب يشبه الانقلاب على محمد مصدق، رئيس وزراء إيران في خمسينيات القرن الماضي، أو قرأناها بتفسير المؤامرة الذي يقول إن الشاه كان في طريقه إلى النهاية، والخيار الأفضل لواشنطن، خلال فترة الحرب الباردة، أن يكون الإسلام بديلاً لا الشيوعية، فإن إيران، بعد 40 عاماً من تلك النصيحة القاتلة التي استفاد منها ثوارها، رغم مقتل الآلاف منهم، نصحت بشيء مشابه للحكومة العراقية الحليفة لها: القسوة والعنف في مواجهة موجات الاحتجاج.

لم يلتزم الحليف كثيراً بالنصيحة، رغم أنه استخدم القتل، لكنه حتى الآن لم يبلغ حد إرضاء الأخ الكبير.

يريد الإيرانيون شيئاً آخر، الهجوم على سفارتي واشنطن والرياض في بغداد. رئيس تحرير صحيفة كيهان المقربة من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، حسن شريعتمداري، طلب فور بدء احتجاجات العراقيين من الحشد الشعبي أن يفعل ذلك، وسقط صاروخ قرب السفارة الأمريكية بعد ذلك. وبعد أيام من الدعوة، أطلق حوالي 17 صاروخاً على قاعدة أمريكية في الموصل. صاروخ ثم 17 صاروخاً، هذا ينم عن استجابة خجولة من جانب حلفاء طهران لها.

المفارقة أن دعوات الهجوم على سفارات الخصم في أرض تصفية الحسابات العراقية، ووجهت بهجوم باتجاه آخر: أمام القنصلية الإيرانية في كربلاء. ولولا الردع لأحرق المتظاهرون المبنى. إيران الثورية أصبحت الشيطان الأكبر بالنسبة إلى كثير من العراقيين، بعدما كانت الأخ الذي ساعد في الحرب ضد داعش.

هذا يطرح علامة استفهام كبيرة: لماذا كل هذا العداء لإيران في الداخل العراقي؟

يُقال، ولا أدري إنْ كان الأمر صحيحاً، إن علي خامنئي اتصل بصديقه فاضل المالكي، وهو خطيب منبري عراقي شهير، وسأله مستغرباً: "لماذا يكرهنا العراقيون إلى هذا الحد؟"، فأجابه الثاني بأن إيران أرسلت إليهم أسوأ ما لديها، كي يكونوا حكاماً.

وسواء صحت هذه القصة أم لم تصح، لا أظن أن خامنئي يفهم مثل هذا الجواب. هو يفترض مسبقاً أن العراقيين يجب أن يكونوا ضد الشيطان الأكبر ضمن محور المقاومة تحت أية ظروف، لا يهم إنْ كانوا يعانون، ولا يهم إنْ كان بلدهم المتخم بالنفط فقيراً، أو إنْ كانت المليشيات تتلاعب بأمن الناس وحرياتهم، ولا يهم إنْ أوغل سادة الخراب وصانعي البوار خراباً وبوراً. هو يريدهم بيادق في معركته العظيمة التي لم تكن أبداً مباشرة بل بالوكالة، ضد إسرائيل وأمريكا والوهابية وغيرها.

هو المنطق نفسه الذي كانت نخب العرب وكثير من شرائحه تستخدمه، حين كان العراقيون يرزحون تحت ظلم صدام حسين وطغيانه واستهتاره وحماقاته. كان العرب يقولون لهم تمسكوا بقائدكم لأنه رمز ضد الاستعمار والمجوس والصهيونية وأمثالها من مفردات. ولاية الفقيه تتحدث بالطريقة السخيفة نفسها، وتريد صبراً، وبالطبع هي تعد الناس بالجنة وهم صابرون في صفها وضمن مواضعها، لأن خامنئي هو دليل الجنان.

الآن، يقولون هناك ألاعيب سعودية. لا أشك في أنها موجودة. السعودية ستبقى تلعب، ليس فقط لاجتثاث النفوذ الإيراني من العراق. ولكن عراقاً قوياً وديمقراطياً وباقتصاد منظم ليس من مصلحة السلفية كما الخمينية.

عروبة السعودية لا تكفي صك غفران وسماح لها. العروبة ليست سوى الوجه الآخر لشعار الشيعية الذي ترفعه إيران وتبرر من خلاله دورها. العراق هو عراق، لغة أغلب سكانه العربية، ولسكانه لغات كردية وأشورية وتركمانية، وأما غزاة الجنوب العربي فلا يختلفون عن سباة المشرق الفارسي، في السوء والأطماع والتدمير. هم يقولون أيضاً كونوا في جبهتنا وإلا سندمركم، وينتظرون موطئ قدم قوياً  لممارسة هذا التكبّر.

"كانت نصيحة قاتلة، تلك التي قدّمها الأمريكيون لشاه إيران بإنزال الجيش إلى شوارع المدن كي يسيطر على الاحتجاجات، أواسط عام 1978. دخل الجيش المدن، وقتل الآلاف، فانهار أمام الشعب... وبعد 40 عاماً تنصح إيران حلفاءها في العراق بشيء مشابه"
"طريق النظام الرئاسي سيئة، محفوفة بمخاطر مع وجود نزعة التسلط الصريحة في الفرد العراقي... النظام البرلماني ضمانة منع الاستبداد، لا يجوز أن يخسره العراق لحاجة آنية سريعة، فيسمح لشخص قد يشبه سيسي مصر بأن يتسلط على رقاب العراقيين"

هنا قيمة التظاهرات وأهميتها حين لا تستجيب لمَن يريد أن يقصرها على طريقه ويأخذها في مساره، حين تطالب بديمقراطية حقيقية واقتصاد قوي ووطن جامع، على طريقة الشعار المدهش المرفوع (أكو وطن، أكو حكومة). مقايضة العراقيين عظيمة. هذه الجملة تغلّبت على كل الصور، رغم روعة صور الاحتجاجات والتحرير وجبل أحد وفرادتها.

لا يمكن أن يتوقف دور السعودية من أن يكون بديلاً للدور الإيراني إلا بوجود أمة عراقية، تقول للسعودية عودوا إلى شؤونكم، لا نحتاج إليكم، نحن نواجه إيران من أجل العراق لا من أجل العرب، من أجل استقلال بلدنا وسلامة شبابنا لا لكي ينتصر ابن سلمان على ابن خامنئي، ولا لكي تفوز طائفية السلفية المتخفية بعباءة الانفتاح الراهنة على طائفية ولاية الفقيه المتسترة بعباءة المقاومة.

ولفهم قيمة التظاهرات، حاولت أن أفهم مشارب ساحة التحرير من خلال متابعة الوقائع، أنا البعيد عن الواقع بعد أن كنت معتاداً على أن أدركه لأني كنت جزءاً منه. وجدتها متنوعة إلى حد يدعو للفخر. رغم بعض الظواهر المندفعة والمشاهد التي تحتاج إلى تفكير، ورغم بعض المصطادين ممَّن يحلم بعودة أبيه البعثي أو جده الضابط لدى صدام، أو المحكوم بعقدة الطائفة، وجدت مشهداً يدعو للتفكير في متغيرات جيل تبدو عميقة وكبيرة، مع التأكيد على خطورة شعار النظام الرئاسي المستعجل من أجل الحصول على النتائج عبر طريق قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

طريق النظام الرئاسي سيئة، محفوفة بمخاطر مع وجود نزعة التسلط الصريحة في الفرد العراقي. النظام البرلماني مهم، المشكلة ليست فيه، بل في عدد الزعامات القليل، وهي نوري المالكي ومقتدى الصدر وعمار الحكيم ومسعود برزاني وأسامة النجيفي وهادي العامري وقيس الخزعلي... وقلة من أمثالهم ممن يقودون الواقع ويأسرون القرار، بمسميات أسرية أو طائفية أو بفعل نفوذهم المالي وسطوة ارتباطاتهم الخارجية، وبعض تلك الأسماء حتى لا يمتلكون أي صفة دستورية. النظام البرلماني ضمانة منع الاستبداد، لا يجوز أن يخسره العراق لحاجة آنية سريعة، فيسمح لشخص قد يشبه سيسي مصر بأن يتسلط على رقاب العراقيين ويقتل حتى هامش الحرية الذي يمتلكونه.

هذا في الداخل، أما على مستوى الخارج، فإن سيد ميدان باستور وجنرال فيلق القدس لا يخشيان فقط من إنهاء نفوذهما في العراق، بل من امتداد الأحداث لبلاد كورش، ولا بد أن تفعل، لأن شعب إيران يعاني كالعراق، وستكتمل الصورة يوم تمتد إلى بلدان خليجية فيها من الظلم والبطش والطبقية والتمييز وتصدير التكفير والتطرف ما يكفي لحراك كبير.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard