بيوت مُعطَّرة بالحلويات… أي أطباق يأكل الجزائريون بمولد النبي؟

السبت 9 نوفمبر 201904:48 م

بمجرّد مرورك هذه الأيام من "زنيقة لعرايس" (سوق مخصص لكل حاجيات العروس) في ساحة الشهداء، وسط العاصمة الجزائر، وحي جامع " اليهود "، وأنت تتجوَّل في ممرّات وسلالم "القصبة" العتيقة، التي تجعل كل من يصعدها يعتقد أن نهايتها ستلامس السماء التي تعانق البحر المتوسط، لا تسمع إلَّا أصوات الباعة، ولا ترى إلا طاولاتهم المُدجَّجة بمختلف أنواع المعجّنات والمكسّرات، وعدد لا يعدّ ولا يحصى من الحلويَّات التقليدية، انتصبت على امتداد الأقواس العتيقة لـ"زنيقة العرايس"، العبقة برائحة العنبر والياسمين المعلَّق عند مداخل المحلات، وماء الزهر الذي تقطّره ربات البيوت في المنازل.

في بادئ الأمر، وجدنا صعوبة كبيرة في الوصول إلى إحدى الطاولات، نساء من مختلف الأعمار، تجدهن يحاولن الظفر بكيس "الرشتة التقليدي" العابق برائحة القرفة وماء الزهر، وكيس آخر من القطايف، ولكن بمجرد أن اكتشفت النسوة هويتنا، ورغبتنا في تصوير جزء من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في العاصمة الجزائرية للقارئ العربي، حتى وجدنا أنفسنا محاطين بمجموعة من النسوة اللواتي أظهرن تلهفهنّ للحديث عن عاداتهن في هذا اليوم المبارك.

عادات لم تمت

تقول سامية، سيدة جزائرية في الخمسين من العمر، أم لثلاثة أطفال، بنت وولدان، واحدة من سيدات "القصبة"، كبرت وترعرعت في حيّ "باب الجديد"، أحد الأبواب الخمسة للعاصمة الجزائرية العتيقة، إنَّ عادات الجزائريين المتميّزة في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ما تزال راسخة حتى اليوم، وحتى المطبخ الجزائري لازال مُتمسكاً بأصالته.

وتروي سامية، بصوت يحمل حنيناً إلى ذكريات الماضي، قائلة: "إنَّ السيدات الجزائريات يبدأن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مع حلول شهر ربيع الأول، بعادات وتقاليد أصيلة، توارثتها الأجيال عبر الزمن، وتحظى طاولة الاحتفاء بمولد خير البرية بحصّة الأسد من التحضيرات، بالنظر إلى عدد الأطباق التي ستحضر لهذا اليوم".

 وجدنا صعوبة كبيرة في الوصول إلى إحدى الطاولات، نساء من مختلف الأعمار، تجدهن يحاولن الظفر بكيس "الرشتة التقليدي" العابق برائحة القرفة وماء الزهر، وكيس آخر من القطايف
"تحظى طاولة الاحتفاء بمولد خير البرية بحصّة الأسد من التحضيرات، بالنظر إلى عدد الأطباق التي ستحضر لهذا اليوم"

"الرشتة" سيد الأطباق

تشير سامية إلى أن سكان مدينة الجزائر العاصمة قاطبة يشتهرون بتحضير طبق "الرشتة" التقليدي، والذي يعتبر سيد الأطباق في المناسبات الدينية، يشبه في مظهره الخارجي الكنافة (أشهر الحلويات في بلاد الشام، مصر وفلسطين) فهو مجموعة من الخيوط الرفيعة والطويلة المصنوعة من الدقيق والملح، وبعض العائلات، ومن بينهم عائلة سامية، ما زالت تحرص على صناعته في بيتها العائلي.

وتكشف "الخالة" سامية عن بعض أسرار طهي هذا الطبق التقليدي، قائلة إنّ له مرقاً خاصاً، أو كما يُسمى في العامية الجزائرية بـ"مرقة بيضاء"، حيث يُقلى الدجاج في الزيت مع البصل وبعض البهارات الخاصة، أبرزها القرفة، ثم يضاف له الحمص واللفت، أما الرشتة فيتم طهوها عبر تبخيرها فوق الماء الساخن مرتين متتالين، وفي المرة الأولى يتم رشّها بقطرات من ماء الزهر المقطر.

وتعكف النسوة أيضاً في مثل هذا اليوم على تحضير الطبق التقليدي الأصيل "الكسكسي الجزائري"، الذي لا تستغنى عنه العائلات الجزائرية في المناسبات والأعياد، إضافة إلى هذا تُعِدّ الجزائريات "شطيطحة الدجاج"، ولها مرَق خاص بها، يتكوّن من الحمص والثوم المهروس ومجموعة من البهارات الخاصة.

"الطمينة" للاحتفال 

وعكس ما يروج له اليوم حول اندثار بعض العادات والتقاليد، تقول سامية، واحدة من اللواتي يحملن اسم عائلة خزناجي، نسبة إلى حسن باشا الخزناجي "قائد الأسطول البحري في الدولة العثمانية في القرن 16 حين كانت تحكم الجزائر"، إن سكان العاصمة لازالوا يحافظون على تقاليد زمان، وأبرزها التجمع واللمَّة حول صينية النحاس بحضور لالة "الجدة" و سيدي "الجد".

وتُزيَّن الصينية، بحسب سامية، بحلوة "الطمينة" التقليدية، التي تحتفل بها العائلات الجزائرية عند قدوم مولود جديد، وتقول المتحدثة إن بيوت الجزائريين تُعطَّر كلها عشية حلول المولد النبوي برائحة "السميد المحمّص"، الذي يعتبر من أبرز المكوّنات الرئيسية لطهي هذه الحلوى، ومعها العسل والسمن البلدي أو ما يعرف بالعامية بـ "الدهان"، إضافة إلى "الحرور"، وهو خليط من البهارات، وتحرص كل سيدة على تزيينها بطريقة جميلة باستعمال القرفة وحلاوة الترك.

بيوت الجزائريين تُعطَّر كلها عشية حلول المولد النبوي برائحة "السميد المحمّص"

وتُرفَق "الطمينة" بحلويّات تقليدية أخرى كـ "الصامصة الجزائرية" و"فريوش" و"قلب اللوز" في صدر المائدة في شهر رمضان المبارك، ومناسبات دينية أخرى، ومعها مجموعة متنوعة من المكسرات، إضافة إلى "تحلية الزقوقو" والتي تعرف عند التونسيين بـ"عصيدة الزقوقو"، وتستخرج هذه المادة من حبات أشجار الصنوبر الحلبي.

وتضيف سامية في هذا السياق أنّ القليل من العائلات لازالت تحافظ على تحضير هذه التحلية، لأنها أصبحت مكلفة جداً، حيث أصبحت تُضاف إلى عجينة الزقوقو فواكه جافة ومكسرات، من قبيل اللوز والبندق والفستق، وتشير إلى أنَّ استعمالها في السنوات الأخيرة أصبح محدوداً، حيث تُعد بعض العائلات التي تقطن مثلاً في "القصبة" العصيدة البيضاء في المولد النبوي الشريف.

الأطباق التقليدية مستمرة

ترى الشيف ورئيسة طهاة مختصة في الأكلات التقليدية ومؤلفة سلسلة مطبخ "لالة"، سامية لخضاري، في تصريح لرصيف22 أنّ الجزائريين لا زالوا يحافظون على الأطباق التقليدية، التي أبدعت الجدات في تحضيرها.

تقول لخضاري: "رغم التغييرات التي شهدها المطبخ الجزائري في السنوات الأخيرة إلَّا أنَّ قطاعاً عريضاً منهم يعشق طهي الوصفات التقليدية في المناسبات الدينية، ويبحثون عن الوصفات الأصلية".

ولفتت لخضاري إلى أن الجزائر يزخر بوصفات متعددة، بعضها معروفة، وأخرى ليست معروفة.

ولا يتبنى جميع الجزائريين أطباق واحدة، حتى في المناسبة ذاتها، تقول سامية لخضاري، أن العائلات الجزائرية تشتهر بتحضير أطباق تقليدية مميزة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وتتنوع هذه الأكلات من محافظة إلى أخرى، فكل منطقة لها أطباق خاصة توارثتها الأجيال ولا يُمكن الاستغناء عليها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard