الثورة أجمل وأعمق حين تتضمن "بوسة" في الشارع

الخميس 7 نوفمبر 201902:58 م

جلست وصديقي في مقهى علاء الدين في القاهرة، الذي كان محل تجمع لصحافيين وكتّاب في المنيرة وتم إغلاقه لأسباب "مجهولة"، تبادلنا أطراف الحديث عن الحراك اللبناني، وأعرب صديقي، الصحافي في جريدة عتيقة "مستقلة"، عن استيائه من مظاهر "الانحلال" و"إزاي مناظر البوسات والأحضان" تفسد الروح الجادة الساعية للتغيير، ويساعد "الأعداء" على جعلها مشوهة: "دي ثورة يا حاج مش وقت بوس ما يروحوا يبوسوا في بيوتهم".

تجسد عبارات صديقي نظرة شريحة واسعة من الشباب، سواء الذي كان ناشطاً في "يناير" أو غيره، من المهتمين بالثورة اللبنانية، وأهمية نجاحها في عدوى المنطقة، وتحريضها على التمرد.

بداية، يعجبني ويملؤني بالحماسة للكتابة، إصرار الناس في بيروت على تسمية حراكهم "ثورة"، هم يريدون التغيير الشامل، لا قيادة لهم، تماماً مثل نظرائهم في دول الثورات العربية، ولكن لهم امتيازات، منها أنه لم يطل لبنان التجريف الذي طال مصر، ثمة شرائح تفكر بطريقة شبابية تقيم في بيروت، وامتياز آخر هو الاستفادة من كل أخطاء الدول المشابهة، في واقع يشهد فراغاً سياسياً بعد قرار أمريكا بالانسحاب من المنطقة، واستياء لاعبين إقليميين من الشكل الطائفي الذي نجحت فيه إيران ووكلاؤها، عبر مقاومتها للغزو الأمريكي وانتصارها على إسرائيل في جنوب لبنان.

صورة "القبلة اللبنانية" واعدة، بتغيير جذري قادم.

وأكثر ما يلف نظر الثوار السابقين في دول الربيع العربي هذه الجرأة، وبشكل أكثر دقة، هذا الحضور النسوي الجريء والحميمي، والذي تجسّدت ذروته في مسيرة نسائية ضخمة لم تحظ من الترويج ما حظيت به قبلة وسط الميدان، تحت ضوء الشمس وكاميرات المحمول والفضائيات، صورة ليست مستفزة فقط للإعلام المموّل خليجياً، والذي حرص على إثارة خيال العرب الجنسي في نموذج اللبنانية، الموديل الباحثة عن الإغواء، ولكن لأصحاب الثورات السابقة، الذين حرصوا على إبراز نزعة المحافظة المتطرفة لعدم استفزاز "مشاعر الناس".

في الأيام الأولى للحراك اللبناني، تذكرت شكل ميدان التحرير، والتشديد على القيم المحافظة، إلى الدرجة التي كان البعض يوجه اللوم لفتيات من أجل ملابسهن، أو تدخينهن للسجائر في الشارع، وكان الجدل أحياناً يأخذنا إلى مناطق غريبة... ففي عزّ تحالف الإسلاميين مع الجيش، حرص الشباب على إبراز حسن أخلاقهم وتديّنهم، في الوقت الذي كان الشارع المصري يتجه إلى مزيد من الانفتاح والجرأة.

وكان التساؤل كيف تقع ثورة لا تحدث هزة في ثوابت المجتمع الأخلاقية والدينية والاجتماعية قبل السياسية حتى؟

بيروت… سياحة وعاصمة وثقافة

ما يميز بيروت أنها بلد ومدينة سياحية وعاصمة في نفس الوقت، فليتخيل المصريون أن شرم الشيخ هي القاهرة، بعدد سكانها وتحرر سائحيها، ما يجعلها اجتماعياً هي الأجرأ على كسر "التابو" الجنسي من بين العواصم العربية، إضافة إلى أن الجيل الشاب الذي يشكّل جوهر الثورة اللبنانية هو جيل ما بعد الحرب الأهلية... لم يشاهدوا السياسيين في أسوأ جوانبهم، لم يذوقوا خلفياتهم "الإجرامية"، لم يختبئوا في كهوف الجبال، أطفالاً يتنفسون رائحة الدموع والصراخ، خوفاً من مجزرة محتملة جداً.

أجيال الحرب سجنتها "كوابيسها"، حتى باتت فكرة أن يتحرر لبنان من التركيبة الطائفية بمثابة خيال بعيد.

أجيال الحرب سجنتها "كوابيسها"، حتى باتت فكرة أن يتحرر لبنان من التركيبة الطائفية بمثابة خيال بعيد، يليق بشاشات السينما وصفحات الكتب ومخدات السرير.

تحتاج إلى أنف وعينين حتى ترى وتشم ذلك الشبح في شوارع بيروت ما قبل الثورة، المزدانة بأضواء قوس قزح طوال الليل، الشبح الذي يلاحقهم، في حفلاتهم ونشواتهم وعلاقاتهم وأفكارهم وخيالاتهم، شيء ما كُسر يمنعهم من التواصل مع أنفسهم، من قبول أنفسهم والعالم بشكل كامل، من أن يحلموا ويلاحقوا أحلامهم.

"الحالة الشبابية" والشعور بالمسؤولية

(لم تعش الأجيال التي صنعت الربيع العربي شبابها، مرحلة هامة في نضج الشخصية، توديع مرحلة الطفولة باستمتاع بلا مسؤولية حتى الإشباع، حتى ينضج فيهم شيء يدفعهم للشغف بالمسؤولية، هذه الحالة من كبت "النزعة الشبابية" عند شرائح الشباب العربي الاجتماعية تجسدت في المجال السياسي، كأنهم يعيشون ما حرموا منه في الميادين).

هذه الفقرة التي صغتها بإيجاز وتصرف، هي استنتاج توصل له الباحث الإيراني آصف بيات، في سياق تحليل اجتماعي للشرائح الشابة التي كانت جوهر الحراك في مصر وتونس.

يتساءل الباحث الإيراني بيات في ورقة بحثية بعنوان "هل توجد سياسات شبابية؟"، حول العوامل التي حوّلت الشباب في الشرق الأوسط، وهم لديهم توجهات مختلطة بين التقدمية والمحافظة، من أفراد سلبيين إلى ناشطين بل حتى لوكلاء الثورة؟

ويذكّر الباحث بالتحول الذي حدث للشرائح التي صنعت "حرب الشباب" في الستينيات، والذين تحولوا إلى موظفين شباب محترفين، مقاربة آصف لتحليل ثورات الشباب هو محاولة فهمهم من خلال نسيج علاقاتهم الاجتماعية، وباستعراض إحصائيات ومعطيات، لاحظ أن الشباب في مصر يعتمدون على عائلاتهم كمداخيل شهرية، وأن الآباء يشعرون بالأزمة الاقتصادية أكثر، وفي إحدى الاستطلاعات ذكر 71% من الشباب غير المتزوج أن الاقتصاد المصري بحالة جيدة، بالمقارنة بالشباب المتزوج الذي اشتكى من سوء الاقتصاد.

يتساءل الباحث حول من هم الشباب؟ وما هي العوامل التي شكّلت شخصياتهم؟ ويميل إلى تعريف الشباب بمعنى مرتبط بمرحلة عمرية، في مكان معين مرتبط بالنسيج الاجتماعي، حيث يبحر الأفراد بين عالم الطفولة، الذي يحتاج فيه المرء للآخرين ويشعر بالبراءة، وبين عالم البلوغ، عالم العمل والمسؤولية.

ما بين المرحلتين مرحلة هامة تشكل "الحالة الشبابية"، مرحلة لا يكونون فيها معتمدين على الأسرة كمرحلة الطفولة، وليسوا مسؤولين عن غيرهم كمرحلة البلوغ، يعيش فيها الأفراد شبابهم باستقلالية نسبية، وفي نسيج اجتماعي غير مسؤول، تمكنهم من بلورة "هوية" جديدة لأنفسهم ولمكانهم في العالم، ويرى آصف أن كثيراً من الشباب المصري وصف نفسه بأنه قليل الخبرة والمسؤولية، لم يعش تلك المرحلة.

ويتساءل الباحث هل عاش الشباب "شبابيتهم"؟

تقول له امرأة لبنانية (40 عاماً) أنها لا تريد الزواج، وتحمل مسؤولية أطفال لأن شبابها ذهب هباءً في مرحلة الحرب الأهلية، وتريد أن تعيشه من جديد، ويعلق آصف بأن الكثير من الشباب يتقاضون أجوراً منخفضة لفترات غير قليلة من عمرهم، ما يضطرهم للعيش في كنف الأسرة، ويحرمهم من المساحة الحرة والآمنة لإعادة اكتشاف أنفسهم.

ويشدد الباحث الإيراني في ورقته على أهمية إدراك الشباب، لا كمفهوم شاعري مطاط، ولكن كقدرات واحتياجات، ففي المدن الحديثة يتحوّل المراهقون إلى شباب باختبار وتطوير وعي خاص حول أنفسهم وشبابهم، بسبب المساحات الفارغة التي يختبرون فيها الحياة بدون الإحساس بالمسؤولية.

تفتح ميادين الثورة مساحة اجتماعية واسعة للشباب، يمكن فيها أن يمارسوا ويجربوا ويكتشفوا أشياء، ليعيدوا تشكيل هويتهم ورؤيتهم لأنفسهم والعالم، ويحولوا تلك الاكتشافات لطريقة تفكير ونمط حياة

الأحلام تحتاج إلى روح شبابية ومساحات مرّنة لتتشكل، وتحتاج إلى صبر وإحساس بالمسؤولية لتتحقق، وعندما أتطلع إلى صورة القبلة، أشعر أنها تختزل، بشكل مثالي ورمزي، الجناح الأول للحلم

أهمية ميادين الثورة لمساحة للتجربة

من هنا تأتي أهمية ميادين الثورة، حيث تنفتح مساحة اجتماعية واسعة للشباب، يمكن فيها أن يمارسوا ويجربوا ويكتشفوا أشياء، ليعيدوا تشكيل هويتهم ورؤيتهم لأنفسهم والعالم، ويحولوا تلك الاكتشافات لطريقة تفكير ونمط حياة، أي بلغة بيات آصف، أن يعيشوا "الحالة الشبابية" لينتقلوا إلى مرحلة البلوغ، الإحساس بالمسؤولية حيال احتياجاتهم وأفكارهم.

تماما مثلماً فعلت حركة "احتلوا" الأمريكية، بحسب تصريحات ميكا وايت، أحد مؤسسيها، التي حلت نفسها ودعت الشباب في لحظة لم "تنكسر" فيها "الثورة" بعد، إلى لملمة أشيائهم ومغادرة العواصم والمدن الرئيسية إلى الضواحي، المناطق التي تضعف فيها سيطرة الحكومة، ولا تمثل مطمعاً لأساطين المال وطموحات السياسيين، وتحويل ما يحلمون به من عدل اجتماعي وديمقراطية تعكس تطلعات الناس، إلى واقع عبر انتخابات المحليات.

نظَّر ميكا وايت، وهو ناشط ومهتم بعلم اجتماع الثورات، في كتاب "نهاية الاحتجاج" لهذا التحول، وفكرته الرئيسية أن الاحتجاجات مفيدة في مرحلة معينة ولكنها عاجزة عن خلق واقع بديل، والحل في الانخراط سياسياً في كل المساحات المفتوحة، لا تستطيع السلطة في أي بلد إحكام سيطرتها على كل المناطق، ثمة محافظات يمكن احتلالها بالانتخابات، وإعادة تدوير الحياة السياسية والاقتصادية من خلالها، وتحدث الأنثروبولوجي الأمريكي ديفيد غرابر في كتاب "مشروع الديمقراطية" عن تجارب فاشلة حاولت فيها كوادر شبابية أن تنظم حركات تتبنى نهج "الديمقراطية المباشرة".

الآن يحتفل الشباب الأمريكي بأول مدينة أمريكية تدار بشكل اشتراكي "كينجستون"، وذهب تقرير نشرته "الغارديان" إلى أن جماعات أمريكية تحضر نفسها لانهيار الرأسمالية في معقلها الأبرز الولايات المتحدة.

الأحلام تحتاج إلى روح شبابية ومساحات وواقع اجتماعي مرن لتتشكل، وتحتاج إلى صبر وإحساس بالمسؤولية لتتحقق، وعندما أتطلع إلى صورة القبلة، أشعر أنها تختزل، بشكل مثالي ورمزي، الجناح الأول للحلم، نحن نستكشف مناطق مختلفة من المشاعر والعلاقات، مناطق متحررة من "إرث" المؤسسات الدينية والحروب الأهلية والتنميط الإعلامي.

صورة تستفز كل المسجونين في "كوابيس" الماضي، والمقيدين بإرث أخلاقي استعبدتنا به الأنظمة السياسية في العقود الماضية. أخلاقيات تقدر الكبت وتمنحه القيمة الأخلاقية العليا، تغذي فينا النعرات القومية دون أن يصاحبها إنجازات حتى، لأسباب دينية أو جينية أو تاريخية، صورة "القبلة اللبنانية" واعدة، بتغيير جذري قادم.

فهل أنتم خائفون؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard