"جيل الآيباد يصنع مستقبل البلاد"... طلاب لبنان ينتفضون

الأربعاء 6 نوفمبر 201908:02 م

"جيل الآيباد يصنع مستقبل البلد"، "الطلاب تحولوا أساتذة يدرسون الكبار ‘الوطنية‘"، "جيل بكبر القلب"... بهذه العبارات وأخرى مماثلة لخّص لبنانيون كثر فخرهم بما أطلق عليه اليوم "ثورة التلاميذ" أو "انتفاضة الطلبة"، بعدما تظاهر طلاب مدارس في مناطق لبنانية مختلفة، في 6 تشرين الأول/أكتوبر.

قصة الطلاب مع الانتفاضة بدأت من يومها الأول، رأينا منهم في الساحات وسمعنا أصوات بعضهم على وقع الجدل حول مدارس مفتوحة وأخرى مغلقة، توثر فيها قرارات سياسية واعتبارات مناطقية.

لكن القصة الفعلية، إذا ما صحّ البحث عن "شرارة الاندلاع"، بدأت مع تداول تسجيل صوتي لرئيسة مدرسة الراهبات المخلصيات في عبرا الأخت منى وازن، عبر مواقع التواصل، وهي تحذّر وتتوعد التلاميذ، لا سيما من هم في الشهادة الثانوية، بالطرد والمنع من استكمال تعليمهم إذا شاركوا في التظاهرات.

سبّب التسجيل بعد انتشاره على نطاق واسع غضباً بين المتظاهرين اللبنانيين الذين دعوا الطلاب إلى الخروج رداً على تهديدات الأخت وازن، مبينين أن حراكهم "كسر الخوف".

لم يجد نفعاً إعلان المدرسة أنها "ليست ضد أي تحرك يحدث في الشارع بغية إنهاء الفساد في البلاد" ولا إيضاحها أن "ما صدر عن رئيسة المدرسة في رسالة صوتية كان موجهاً إلى فئة من طلاب المدرسة ينوون المشاركة بالتظاهر انطلاقاً من المدرسة ومن دون علم ذويهم".

كما لم يجد نفعاً اعتذار الأخت وازن عن لهجتها وعصبيتها وتهديدها للطلاب، وتبريره ذلك بأنه كان "خوفاً على مصلحتهم"، في إخماد الغضب.

لاحقاً، أصدر وزير التربية أكرم شهيّب بياناً قال فيه إنه ترك الخيار لكل مدرسة في أن تقفل أو تفتح أبوابها تبعاً لكل ظرف، معلناً التحقيق مع الأخت وازن التي كانت صورها مع رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل فضلاً عن قائد الجيش جوزف عون قد انتشرت كدلالة على مواقفها السياسية المنحازة.

ثورة التلاميذ تعلم الكبار

صباح 6 تشرين الثاني/نوفمبر كان ملحمياً، إذ جاء الرد بليغاً على الأخت وازن وتهديدها.


بدأت التظاهرات في صيدا بمشهد مؤثر لاحتشاد طلاب يرفعون شعارات معبّرة، حتى قيل إن الطلاب قد بدأوا بكتابة مقدمة كتاب تاريخ موحد، لطالما حلموا بالحصول عليه ومنعتهم عنه ذاكرة الحرب الثقيلة وزعماء الحرب.

خرجت مسيرات طلابية، خاصةً من المدارس الثانوية والجامعات، لتملأ الشوارع، وتكتب فصلاً جديداً من الانتفاضة يعيد إلى الأذهان الحركة الطلابية في لبنان التي شهدت دوراً فاعلاً ونهضوياً بين الخمسينيات والسبعينيات.

 

استجاب الطلاب في مناطق عدة كصيدا والنبطية وجونية وجبيل وزحلة والشوف وطرابلس والأشرفية لدعوات التضامن مع الثورة اللبنانية.


مئات الطلاب في المرحلة الثانوية افترشوا المنطقة المحيطة في مقر وزارة التربية اللبنانية ما أدى إلى قطع الحركة منها وإليها، رافعين مطالبهم التي تمثل في أبرزها إنهاء الفساد والمحسوبية والوساطات في العمل والترقي، مع دفع الأقساط المدرسية والجامعية بالعملة اللبنانية وليس الدولار.


وحدثت مشادات مع قوات الأمن إثر رفض الطلاب فتح الطريق.

طلاب الجامعة الأنطونية في بعبدا رفعوا هتاف "لبناني لبناني بدنا ندفع لبناني" أيضاً.

"جيل الآيباد يصنع مستقبل البلد"، "الطلاب تحولوا أساتذة يدرسون الكبار ‘الوطنية‘" وعبارات فخر مماثلة... اللبنانيون يحتفون بانتفاضة "جيل يكبر القلب"
طلاب لبنان ينتفضون وسط احتفاء لبناني بجيل يعيد إلى الذاكرة أيام الحركة الطلابية ونهوضها... في وقت تبدو رابطة الأساتذة مترددة ووزارة التربية مربكة أمام المشهد 

وتظاهر طلاب جامعة "سيدة اللويزة" بكسروان في جبل لبنان داخل الحرم الجامعي هاتفين "ثورة ثورة"، وكذلك طلاب "الجامعة الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا" في الأشرفية.

واعتصم طلاب جامعة القديس يوسف-هوڤلين أيضاً ومنعوا الوصول إلى الحرم الجامعي.

إبداع...

تقاطعت انتفاضة الطلاب كثيراً مع انتفاضة اللبنانيين التي انطلقت في 17 تشرين الأول/أكتوبر، لا سيما في ابتكار الحيل للتضامن مع طلاب آخرين في في المدرسة.

ففي طرابلس، وبعدما أغلق المسؤولون الأبواب رافضين خروج الطلاب، استقدم بعضهم رافعة (ونش) لتحية الزملاء.


هتف طلاب أيضاً مشجعين زملاءهم على الخروج، قائلين "يا اللي واقف ع البلكون… انزال إحنا شعبك هون".

تداول البعض مقاطع تتضمن تهديد ضابط في الجيش اللبناني للطلاب، مشيدين بصمود الطلاب أمام تهديداته.

وعبر وسوم #طلاب_لبنان و#ثورة_الطلاب و#تلاميذ_الثورة، أعرب الكثير من اللبنانيين عن فخرهم بـ"جيل الغد الذي لم يخف وخرج ليصنع غده بيده"، لافتين إلى اندهاشهم من مستوى الوعي الذي أظهره الطلاب خلال رفعهم لمطالبهم التي تنم عن الوعي بحقيقة الفساد المستشري في البلد.

وأكدوا أن وعي هذا الجيل هو ضمانة عدم عودة الطائفية إلى لبنان مرة أخرى.

بين "الرابطة" وأساتذتها

على مستوى رابطة الأساتذة الثانويين فالموقف من "ثورة الطلاب" خجول ومربَك، فداخل الرابطة إرث حزبي، إذ تجتمع فيها أحزاب السلطة.

في الأيام الأولى لانتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر دعت الرابطة لإضراب يوم واحد، بعدها وعندما كان هناك دعوة عامة للإضراب، اكتفت ببيان "رفع عتب"، وجهت فيه التحية للشارع دون أن تلتزم بأي قرار.

وهنا تنتشر الأخبار عن أساتذة فاعلين في الرابطة يعمدون إلى فتح المدارس بالقوة، وتهديد أساتذة باتخاذ إجراءات بحقهم في حال امتنعوا عن الحضور. وفي هذا السياق، يشير أحد الأساتذة إلى "مشكلة بنيوية" في الرابطة ترجع لكون معظم أعضائها إما إداريين في وزارة التربية أو مدراء مدارس.

على خلفية ما يجري، انتشرت دعوات للتوجه إلى مقر الرابطة يوم غد الخميس وإعلان الأساتذة المشاركين الإضراب من هناك، ومن ثم التوجه من هناك للاعتصام أمام وزارة التربية.

وهنا يذكّر أستاذ ثانوي بالألفي أستاذ الذين تم تثبيتهم قبل مدة غير بعيدة، وهؤلاء هم من الجيل الشاب، لافتاً إلى تململهم من أداء الرابطة، لا سيما بعدما عملت على تعديل النظام الداخلي بصيغة غير قانونية لتمنعهم من الترشح والانتخاب (خوفاً من تغيير المعادلات الداخلية).

وبعد انتشار هذه الدعوات، أصدرت الرابطة بياناً غلبت عليه اللهجة التحذيرية للأساتذة من "مواقف انقلابية" و"شرذمة الصفوف"، مؤكدة أنها "الناطق الرسمي الشرعي الوحيد باسمهم".

في المقابل يبدو الوزير محرجاً، وهو ليس بأفضل حال بعد إطلاق مرافقيه النار على المتظاهرين في اليوم الأول للانتفاضة، وهو غير قادر أن يُعيد الطلاب بالقوة إلى المدارس.

من جهة ثانية، يقترح أستاذ ثانوي فكرة كانوا قد بدأوا يناقشونها في المدرسة حيث يدرّس، وهي تدريس بنصف دوام مع عدم إرهاق الطلاب بالواجبات المنزلية ومع تنظيم ورشات عمل تفتح نقاشات حول الانتفاضة خلال ساعات الدرس، وفي نصف الدوام الآخر تكون لهم حرية التظاهر والمشاركة في الفعاليات العامة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard