الرومانسية في مواجهة الواقعية... دليل شامل لثورة أكتوبر اللبنانية

الأربعاء 6 نوفمبر 201901:48 م

خرج اللبنانيون إلى الشوارع في تظاهرات عمت أرجاء البلاد وتجاوزت حدود الانقسامات الطائفية. وعلى خلاف دول مجاورة ثارت شعوبها ضد أنظمة قمعية في ما سُمِّي بالربيع العربي، استطاع اللبنانيون تخطي انقساماتهم ليتحدوا على مطالب تتسع مظلتها لتشملهم في سعيهم لإسقاط النظام.

الحشد الشعبي الذي يصرّ بعض النشطاء على دعوته بالثورة بدأ بغليان وغضب في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة والفساد. لكنه سريعاً ما تحوّل إلى دعوات أوسع لاستقالة الحكومة وتعيين حكومة من التكنوقراط، على أن تكون من خارج التركيبة السياسية التي تسيطر على البلاد منذ عقود.

وتصاعدت المطالب حتى وصلت للدعوة إلى إسقاط النظام الطائفي بالكامل. المسألة الواضحة هي أن قوة هذه التظاهرات تأتي من كونها بلا زعامة. فحقيقة كونها بدأت وتستمر بلا قيادة تضفي عليها شرعية في أعين اللبنانيين، مواطني تلك الدولة التي غمرها الصراع الطائفي منذ نشأتها.

لكن ثورة بلا قائد يمكنها أحياناً أن تفضي إلى موت القضية. على الرغم من الرمزية المهمة في الانتفاضة اللبنانية التي كسر الناس من كافة الجماعات فيها قيود الطائفية التي لطالما أثقلتهم، إلا أن الثورات نادراً ما تنجو من التلاعُب الذي يمكن لجماعات منظمة أن تقوم به في حالة غياب قيادة واضحة، وهو ما أشار إليه وسخر منه زعيم حزب الله حسن نصر الله عندما تحدث عن الانتفاضة الجارية.

لزمن طويل، خضع لبنان لحكم ائتلافي. نظام تشارُك السلطة فيه يحدده عرف غير مكتوب له قوة الدستور، إذ تم الاتفاق على معادلة دعمت النظام السياسي اللبناني الجديد عام 1943، وهي المعادلة المعروفة بـ"الميثاق الوطني"، الموقَّع قبل ثلاث سنوات من الانسحاب الفرنسي الكامل من لبنان. من خلال هذا الاقتسام الطائفي للسلطة، يكون الرئيس من الطائفة المارونية، ورئيس الوزراء سُنيّاً ورئيس البرلمان شيعياً (ثُبّت العرف الأخير لاحقاً).

وهناك طرح يذهب إلى أن الطائفية تسربت أكثر إلى مفاصل البلاد عقب الحرب الأهلية واتفاق الطائف الذي وضع نهاية للحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت بين عامي 1975 و1990، وبموجبه يتم اقتسام مقاعد البرلمان بين المسلمين والمسيحيين مناصفة. ضَمَن هذا الترتيب ألا تستأثر طائفة بالسلطة وتعزل الطوائف الأخرى.

خلال مطالبتهم بتغيير النظام، يتجاهل الناس حقيقة أن هذا الوضع هو ما حفظ لكل طائفة حقوقها بعدما تعرض المسلمون للتهميش على يد السياسيين الموارنة في الفترة السابقة على الحرب الأهلية. لو كان لنا أن نتعلم شيئاً من التاريخ، فهو أن ثورة المهمشين والضعفاء على قامعيهم تنتهي بتحول هؤلاء المهمشين أنفسهم إلى قامعين.

ومع ذلك، لنناقش المطالب التي يرفعها المتظاهرون. هل تغيير النظام ممكن؟ وهل يمكن أن يقود إلى نظام أكثر عدالة حينما يفوق عدد وقوة المسلمين من السنة والشيعة وزن كافة الطوائف الأخرى مجتمعة، خاصة مع كون الشيعة على وجه التحديد لديهم أوراق ضغط سياسية وعسكرية حاكمة؟

في وسط هذا النظام الذي تسيطر عليه الطائفية، تولَّد نظام للرعاية الاجتماعية يطرح نفسه في كل التفاصيل اليومية في حياة المواطن اللبناني، إذ يتعين على الناس المرور عبر شبكات الأمان الاجتماعي التابعة لطوائفهم حتى يحصلوا على فرص التعليم والوظائف والرعاية الصحية. لذا فإن دعوات الانفصال عن النظام الطائفي تبدو غير ممكنة الحدوث، فإرساء نظام مدني نقي ربما لا يضمن حقوق الموارنة مع تجاوز قوة حزب الله لقوى جميع الطوائف الأخرى مجتمعة.

من المهم أن نذكر أن سطوة حزب الله على الحكم ضمنت الشرعية السياسية التي احتاجها الحزب، بالإضافة إلى غطاء مسيحي تم عبر التحالف الاستراتيجي مع "التيار الوطني الحر"، الحزب المسيحي الماروني الذي ينتمي إليه رئيس الجمهورية، وذلك بموجب مذكرة التفاهم الموقعة بين التيارين عام 2006.

لم يمانع حزب الله إطلاقاً في تغيير الدستور لإنهاء الطائفية، كلما كرر حليفه "التيار الوطني" مطالباته بإلغاء اتفاق الطائف. يتهم التيار الوطني ذاك الاتفاق بتجريد منصب الرئاسة من السلطات التنفيذية، وإذكاء الطائفية، رغم أن إنهاء الطائفية كان من النقاط المحورية على قائمة أجندة الاتفاق، تلك القائمة التي لم يتم الالتفات إليها.

مع قوة حزب الله السياسية والعسكرية والوزن الديموغرافي الذي يستند إليه، لا يوجد سبب يجعله يرفض إنهاء المحاصصة الطائفية في السلطة. ولكن يبقى السؤال، هل تضمن نهاية المحاصصة الطائفية لكافة الطوائف أن تشارك في الحكم بغض النظر عن الديانة والتمثيل؟ وهل سيضمن هذا حقوق الأقليات؟ يقول البعض إن الدعوات لإنهاء المحاصصة الطائفية هي المسمار الأخير في نعش الدولة اللبنانية التي طالما احتفت بكونها بوتقة تنصهر فيها 18 طائفة.

"قوة التظاهرات في لبنان تأتي من كونها بلا زعامة، فحقيقة كونها بدأت وتستمر بلا قيادة تضفي عليها شرعية في أعين اللبنانيين... لكن ثورة بلا قائد يمكنها أحياناً أن تفضي إلى موت القضية"
"مع قوة حزب الله السياسية والعسكرية والوزن الديموغرافي الذي يستند إليه، لا يوجد سبب يجعله يرفض إنهاء المحاصصة الطائفية في السلطة. ولكن يبقى السؤال، هل تضمن نهاية المحاصصة الطائفية لكافة الطوائف أن تشارك في الحكم بغض النظر عن الديانة والتمثيل؟"

إن تغيير النظام يبدأ بالقضاء على الطائفية من قلوب اللبنانيين قبل إلغائها من نصوص الدستور والقوانين. يجب أن يكون هناك تغيير بنيوي على مستوى المجتمع، من خلال الحوار الذي يطرح ترسّبات الحرب الأهلية على النقاش العام، ويتحدى الطائفية بشكل صريح.

يبدأ تغيير النظام كذلك بحوار وطني مفتوح على المجال العام يتشارك فيه الناس الدروس التي تعلموها من الحرب الأهلية، ويؤسس لأرضية ينطلق منها إدراك الهوية الوطنية اللبنانية الجامعة من خلال الحوار الصادق والقاسي. هناك ضرورة لتغيير الاتجاهات التي يتبناها الناس حد الإيمان. وأي حديث عن التغيير يتجاهل الخوض في قضية التغيير الهيكلي لاتجاهات مؤسساتنا وعقائدها السياسية، هو عبث مُفرَّغ من أية قدرة حقيقية على التغيير.

الأهم من ذلك، يجب أن تترافق دعوات تغيير النظام مع فهم كامل للحقائق القائمة في مواجهة فصيل مسلح، لديه أتباع وتمثيل ديموغرافي هائل يقف عائقاً أمام رياح التغيير. فجذور المشكلة تكمن في حزب الله الذي تتعارض إيدولوجيته الحاكمة مع بنية الدولة العلمانية، وهي حقيقة يتردد المتظاهرون في مجرد ذكرها، وأبرز دليل على ذلك هو غياب أي دعوات أو وسوم (هاشتاغات) للمنادين بالتغيير تذكر مسألة تسليح حزب الله. ولو كان لهذا أن يخبرنا بشيء، فهو أن حزب الله نجح في فرض نفسه كمسكوت عنه يُخشى جانبه في المعادلة البنانية، من خلال جناحه المسلح الذي صار أمراً واقعاً لا يسائله أحد.

الدعوة لتغيير حقيقي تبدو دعوة طموحة على أحسن تقدير، إذ أُجبر اللبنانيون على الإشاحة بوجوههم عن المشكلة الحقيقية، وهي الجناح المسلح لحزب الله والذي يعمل كوكيل للمصالح الإيرانية في المنطقة. لا تكفي المطالبة بإسقاط النظام السياسي ووضع نهاية للطائفية، دون أن المطالبة بنزع سلاح حزب الله. أي مطالب تقصُر عن ذلك تعني أن المثالية والواقعية سيبقيان يتجاذبان الساحة السياسية اللبنانية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard